رغم ابتعاد البنية التحتية للطاقة في روسيا عن خطوط القتال، تحول نقص الوقود إلى هاجس داخلي منذ أغسطس، مع بدء أوكرانيا حملة منظمة لضرب المصافي في العمق الروسي، بحسب ما نشرته "foreignaffairs".
وبحلول أواخر أكتوبر، كانت الطائرات المسيّرة قد أصابت أكثر من نصف المصافي الكبرى البالغ عددها نحو 38 مصفاة مرة واحدة على الأقل، وتراجع التكرير من قرابة 5.4 ملايين برميل يوميًا في يوليو إلى نحو 5 ملايين في سبتمبر، وظهر تقنين للوقود في بعض المناطق، فيما امتدت الضربات إلى ريازان وساراتوف.
صلابة آنية وتآكل بطيء
على المدى القصير، لا يرجَّح أن تبدل الهجمات موقف موسكو؛ يمتلك القطاع فائض طاقة تكريرية ويستطيع إصلاح وحدات التقطير بسرعة، وتملك الدولة أدوات للتدخل وتثبيت السوق، لكن الضرر الحقيقي تراكمي ومؤسسي، لأن الدورات المتكررة من الإيقاف وإعادة التشغيل تُسرع اهتراء المعدات، والاعتماد المتزايد على إدارة مركزية يُضعف الكفاءة بمرور الوقت.
وتبلغ طاقة التكرير الروسية نحو 6.5 ملايين برميل يوميًا موزعة على قرابة 40 مصفاة، وتصدر البلاد في المعتاد قرابة مليوني برميل يوميًا من المنتجات.
وتتكرر ضغوط الوقود صيفًا بفعل الطلب الزراعي وذروة السفر وإغلاقات الصيانة الدورية، وزاد الأمر هذا العام مع تحوّل مزيد من الروس إلى السفر بالسيارات، تجنبًا لاضطرابات الطيران والسكك الحديدية.
تدخل الدولة يربك إشارات الأسعار
سعت الحكومة لكبح التضخم عبر آلية تعويضية تُعرف باسم مخمّد الأسعار، لكنها مع ضيق الموارد حمّلت المنتجين والموزعين جزءًا أكبر من الكلفة باستخدام أدوات الضغط التنظيمي.
وأدى ذلك إلى تشويه إشارات الأسعار للمستهلك والمنتِج، وتقليص الإمداد إلى تجار التجزئة المستقلين الذين يشكلون معظم منافذ البيع، لكنهم ينقلون أقل من ربع الكميات، ما يفاقم معاناة المناطق الطرفية.
وتحولت أوكرانيا من ضربات متباعدة على منشآت قريبة إلى هجمات بعيدة المدى تصل إلى تومين في سيبيريا على مسافة تقارب 1360 ميلًا، واستهدفت المصافي مرارًا. مصفاة فولجوجراد مثلًا، بطاقة 300 ألف برميل يوميًا، ضُربت خمس مرات خلال شهرين.
وتتطلب فعالية الهجمات إطلاق أسراب من عشرات إلى مئات الطائرات بحمولات كبيرة، وضرب وحدات متعددة في المنشأة نفسها وتكرار الاستهداف بعد الإصلاح.
بفعل الإرث التخطيطي السوفيتي، تتولى مصفاة أو اثنتان خدمة أقاليم واسعة، أي توقف في مصفاة محورية يصنع فجوات سريعة في مناطق مجاورة، ويُلزم موسكو بإمدادات بالسكك الحديدية من مسافات بعيدة، وإذا أصيبت مصافٍ متجاورة في وقت واحد، تتراكب الاختناقات.
معركة استنزاف طويلة
روسيا لا تستطيع حماية جميع الأهداف في آن واحد، ونقل المظلة الدفاعية بين المواقع يستغرق وقتًا، فيما يستطيع المهاجم تبديل الأهداف بسرعة.
وتلجأ المصافي إلى حلول بدائية نسبيًا مثل شبكات وسواتر معدنية للحد من الدقة، لكنها لا تنهي التهديد.
تستقي كييف دروسها من استهداف روسيا المتكرر لبنية الطاقة الأوكرانية منذ 2022، فالحملة على المصافي تعمل كرادع وكرد، وامتدت إلى محطات ضخ أنابيب التصدير، وموانئ على البحر الأسود مثل توابسي، وحتى أطراف ثالثة من ملاك السفن وشركات التأمين والتجارة، بهدف رفع كلفة التعامل مع النفط الروسي وتوسيع دائرة المخاطر.
احتواء قصير الأجل بتكلفة طويلة الأجل
بحلول أواخر سبتمبر، خفضت الضربات إنتاج التكرير بنحو 10%، لكن الأثر بقي محليًا ومؤقتًا نسبيًا بفضل حظر تصدير البنزين جزئيًا، وتحويل الإمدادات، والسحب من المخزون.
وفي المقابل، تراكمت الإجراءات الاستثنائية هوامش ثابتة، حصص، قرارات تنفيذية تمنح الأولوية للزراعة والنقل والدفاع، وسقوف أسعار موضعية، وهذه الوصفة تمنع الفوضى الآنية، لكنها تُقفل القطاع في مسار ركود تنظيمي وتؤجل الاستثمارات.
أما انخفاض التكرير يعني تراجع صادرات المنتجات، لكن الدولة تستطيع تعويض الإيرادات عبر تصدير الخام غير المكرر وهي تتحصل الضرائب عند رأس البئر.
وبالنسبة للشركات، فإنها تخسر هامش القيمة المضافة على المنتجات بما يصل إلى 10 دولارات للبرميل، وزادت عقوبات أميركية حديثة على شركات كبرى الضغط على صادرات الخام.
اختيارات صعبة تُضيق الهامش
على الكرملين أن يوازن بين حماية المصافي أو مصانع السلاح، أولوية السوق المحلية أو الصادرات، تسريع الإصلاحات أو توجيه الموارد لجبهات أخرى.
وحتى الآن، الإستراتيجية ثلاثية الأركان هي الاحتواء والسيطرة والتعويض، لكن كلفتها تتصاعد فيما تتأجل الصيانة ويتراكم ملفّ السلامة والكفاءة.
الوتيرة التي تستطيع أوكرانيا الحفاظ عليها في الضربات، وسرعة إصلاح روسيا وتوفر قطع الغيار، ومسار أسعار النفط وسياسات أوبك بلس، كلها عوامل فاصلة، ويبقى لدى موسكو حلول تخفيفية مؤقتة مثل خفض معايير الجودة لإنتاج بنزين مشتق من النفثا وديزل أعلى كبريتية، أو الاعتماد على بيلاروس لتغطية ما يصل إلى 30% من احتياجات البنزين، لكنها حلول تُخفف الأثر ولا تُلغيه.