عاد ملف النفط المستخرج من مناطق سيطرة الأكراد إلى صدارة النقاش السياسي في سوريا، بعد تصريحات ياسر السليمان المتحدث باسم وفد الإدارة الذاتية، التي قال فيها إن عائدات النفط ستكون لصالح السوريين ضمن مؤسسات الدولة، لكن جزءا من عائداته سيخصص للمناطق التي يستخرج منها.
وتأتي تصريحات السليمان بعد إعلانه أن تنفيذ اتفاق مارس بين مناطق الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا التي يسيطر عليه الأكراد وحكومة دمشق، سيتم تنفيذه خلال أيام.
ويعتبر شروش درويش الكاتب والباحث السياسي أن إثارة موضوع النفط حاليا، يعني الجاهزية إلى تناول ملفات أخرى بعد الملف العسكري الذي جرى الاتفاق حوله.
ويرى الباحث في تصريح لمنصة "المشهد"، أنه سيتم الانتقال إلى مسائل تقنية وفنية تخص النفط والمعابر وعودة المؤسسات الرسمية إلى شمال وشرق سوريا، بصورة تجعل من مؤسسات الإدارة الذاتية مؤسسات رسمية تتبع للحكومة السورية.
شكل النظام
كما أن تقاسم النفط على هذا الأساس في نظر شروش، يعني أنه سيكون هناك نظام لا مركزي، وسيكون للمنطقة التي يستخرج منها النفط حصة من عائداته، وتحديد هذه الحصة سيكون حسب قدرة الحكومة السورية في دمشق على إدارة هذا الملف بالتعاون مع قوات سوريا الديمقراطية.
ويضيف الباحث أن الثروات هي ملك لأبناء شمال وشرق سوريا الذين كانوا محرومين منها إبان حكم الأسد، ومع تضرر هذا القطاع خلال فترة الحرب مهما بلغت حصة هذه المناطق ستكون كافية إذا تم استثمار هذا القطاع بشكل أمثل.
ويؤكد أن تقاسم العائدات سيحقق تنمية مستدامة بين الأطراف والمركز للمناطق التي عانت خلال 100 عام وتحديدا خلال فترة حكم الأسد.
أما قراءة دمشق للنقاش الدائم حول عائدات النفط حسب مؤيد غزلان الكاتب والباحث السياسي، فلا تزال تدور حول الثوابت الأساسية وتتمثل في عدم إضفاء شروط جديدة على اتفاق 10 مارس المكون من 8 بنود.
وفي نظره فالنقاش الحالي يضيف شروطًا جديدة وهي الدولة اللامركزية التي ليس لها علاقة بملف النفط، كما هو الحال في الخلاف بين إقليم كردستان والحكومة في بغداد، الذي لم يحل حتى اليوم وخصوصا بعد لجوء الإقليم إلى الاستفتاء في 2017 بسبب نوع الفدرالية المطلوبة.
بنود جديدة
ويعتبر مؤيد في تصريحه لمنصة "المشهد"، أن "قسد" أضفت بنودًا جديدة إلى اتفاق مارس وهي قضية الدولة في مركزيتها أو لا، وقضية المحاصصة النفطية لم تكن موجودة.
وكذلك قضية تشكيل الجيش، حيث تحدث مظلوم عبدي القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية أنه يريد بناء جيش جديد في سوريا، وليس المشاركة والإدماج في الجيش الموجود.
وفي نظر الباحث مؤيد غزلان، فإن قضية النفط ليست رئيسية بل ثانوية لأن شكل الدولة أهم، واللامركزية هي موضوع استفتاء شعبي في سوريا.
ويضيف أن "الأغلبية في سوريا أي حوالي 70% من مختلف المكونات، ليست لديها رؤية اللامركزية، أيضا الدول الوسيطة مثل أميركا وروسيا وتركيا ليست لديهم رؤية لا مركزية".
ومن جانبه، يؤكد شروش أنه يتم نقاش اللامركزية بين دمشق و"قسد"، وواشنطن تؤيد أي حل سوري يؤدي للسلام الداخلي، ويعتبر أن الأولوية للذهاب نحو استفتاء على الإعلان الدستوري لتحديد شكل الدولة في سوريا.
لمن الأغلبية؟
وبخصوص مسألة اقتسام عائدات النفط ففي نظر شروش ليست ثانوية، بل هي في صلب النقاش ويعلق "كنا في نظام احتلال داخلي ولا نريد أن يتكرر هذا الأمر مرة أخرى".
ويرى أن حل مشكل النزوح من المناطق الكردية يقتضي عودة الاستثمار في ثروات المنطقة، والتطبيع بين حكومة دمشق وقوات سوريا الديمقراطية.
ويضيف "الأمور تتقدم داخل غرف المفاوضات، وتأكيد من الناطقة الرسمية باسم الإدارة الذاتية أن زيارة مظلوم عبدي ستتم إلى دمشق للقاء أحمد الشرع خلال الأيام المقبلة خير دليل على ذلك".
وفي المقابل فإن الباحث مؤيد غزلان يرى أن الشعب السوري يرفض اللامركزية التي تطالب بها الإدارة السورية، وأن الأغلبية التي خرجت للتحرير تريد مركزية الدولة ومعها المجتمع الدولي الذي يريد نظاما يكفل الاستقرار.
كما أن الاتفاق في نظره يجب أن يكون على أساس الوحدة الوطنية والاندماج دون تراتبية عسكرية، وأن "يدخل الجيش العربي السوري إلى مناطق شمال وشرق سوريا ويتسلم الإدارة المدنية والعسكرية".
ويؤكد أنه حتى هذه اللحظة لا يوجد اتفاق، لمن الأهم أنه لا يوجد تهديد بالمواجهة العسكرية.
ويتساءل مؤيد غزلان "لماذا لم تستخدم قسد الموارد النفطية لصالح السوريين في المنطقة التي تحت سيطرتها بدل استخدامها في المنشآت العسكرية؟".
ويجيب الباحث شروش بأن المنطقة عانت من حرب على الإرهاب ومن ضغوطات خارجية ومن عدم استخراج النفط وتسويقه بشكل جيد نتيجة عدم وجود شركات أجنبية.
ويضيف أن الإدارة الذاتية أعلنت عام 2026 عاما للبناء في سوريا، بعد أن توقفت الحرب التركية التي دمرت أغلب محطات الكهرباء وقطعت المياه وضرت محطات الغاز والنفط.
كذلك يشير شروش إلى ما قام به تنظيم "داعش" من تجفيف للمحطات النفطية في دير الزور وأدى الوضع الأمني إلى انسحاب الشركات النفطية الدولية.
وتقول الإدارة الذاتية في ميزانيتها لعام 2026 حسب شروش، إن الإنفاق سيكون بحدود 1.5 مليار دولار في مناطق شمال وشرق سوريا بعجز 200 مليون دولار، لأن كل الضغط على الثروات النفطية التي تمثل 77% من واردات شمال وشرق سوريا.
وبخصوص شكل الدولة في سوريا يؤكد الباحث أنه هناك في دير الزور والرقة مجالس عسكرية من المكون العربي تخشى من انتقام "داعش" ومن الانقسام الحاصل، ولديهم رغبة في الذهاب نحو نظام لامركزي.
ويضيف أنه "لا يمكن للأسدية أن تكرر نفسها تحت مبرر الأغلبية الوطنية هذه المرة".