hamburger
userProfile
scrollTop

الهيمنة على الطاقة.. رهان أميركي لتعزيز الاقتصاد وردع الخصوم

 الاستراتيجية الأميركية تستند إلى امتلاك 273 مليار برميل من النفط القابل للاستخراج (رويترز)
الاستراتيجية الأميركية تستند إلى امتلاك 273 مليار برميل من النفط القابل للاستخراج (رويترز)
verticalLine
fontSize

تتبنى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب استراتيجية واضحة للهيمنة على الطاقة، لا باعتبارها سياسة اقتصادية فحسب، بل كعقيدة إستراتيجية تهدف إلى تحقيق الاستقلال في الطاقة، والتأثير على الأسعار العالمية، وتوفير إمدادات موثوقة للأميركيين وحلفائهم، وتقليل الاعتماد على سلاسل الإمداد الخضراء الصينية.

وفقًا للمحللة الاقتصادية ديانا فورشتجوت-روث، فإن هذه الأجندة تعكس نهجًا واقعيًا يحقق المصلحة الوطنية ويعزز النفوذ العالمي، من خلال استغلال موارد الوقود الأحفوري والطاقة النووية، في مقابل سياسات إدارة الرئيس السابق جو بايدن التي ركزت على قضايا المناخ وأدت إلى فرض قيود على تطوير النفط والغاز داخل الأراضي الاتحادية، وهو ما تسبب في ارتفاع تكاليف الطاقة على الأسر والشركات الأميركية مع تأثيرات محدودة على درجات الحرارة العالمية.

تشريعات ترامب لتعزيز الهيمنة

ترى فورشتجوت-روث، الأستاذ المساعد في الاقتصاد بجامعة جورج واشنطن، أن الأسر الأميركية ذات الدخل المنخفض تتحمل العبء الأكبر من تكاليف الطاقة المرتفعة، وخصوصا المزارعين والشركات الصغيرة التي تعتمد على النقل والكهرباء، بينما حذرت الشركة الوطنية لموثوقية الكهرباء من هشاشة الشبكة الكهربائية وارتفاع مخاطر انقطاع التيار في الولايات المتحدة بدءًا من 2025.

أكدت أزمة الصراع الإيراني الإسرائيلي الأخيرة أهمية إستراتيجية الهيمنة على الطاقة، حيث ارتفعت أسعار النفط مؤقتًا قبل استقرارها عند 65 دولارًا للبرميل، إذ أصبحت الأسواق تترقب الإمدادات من أميركا الشمالية باعتبارها المنتج الأكبر للنفط والغاز عالميًا.

تسعى إدارة ترامب، بحسب فورشتجوت-روث، لتطبيق هذه الإستراتيجية عبر تشريعات مثل "مشروع قانون واحد كبير وجميل"، الذي سينهي الإعفاءات الضريبية للسيارات الكهربائية والطاقة النظيفة بحلول 2025، ويلغي تدريجيًا إعانات طاقة الرياح والطاقة الشمسية بحلول 2028، لتعزيز الاعتماد على الموارد الأميركية وتقليل السيطرة الصينية على الإمدادات.

كما أصدرت الأوامر التنفيذية لفتح مجالات جديدة لتطوير النفط والغاز، ومنع إغلاق محطات الطاقة مبكرًا، وإلغاء سلطة ولاية كاليفورنيا في وضع معايير وطنية لانبعاثات المركبات، بما يسمح للولايات التي تختار تطوير مواردها بخفض التكاليف وتعزيز القدرة التنافسية للصناعات.

موارد ضخمة

تستند الإستراتيجية الأميركية إلى امتلاك 273 مليار برميل من النفط القابل للاستخراج ونحو 3000 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، ما يمكّن الولايات المتحدة من تلبية الطلب المحلي ودعم الحلفاء خارجيًا، كما أدى رفع ترامب حظر تصدير الغاز الطبيعي إلى تعزيز الحضور الأميركي في أسواق الطاقة العالمية وموازنة نفوذ مصدري الطاقة الآخرين.

ترى فورشتجوت-روث أن الهيمنة على الطاقة تعزز النفوذ الجيوسياسي الأميركي، إذ يمكن أن تصبح صادرات الطاقة الأميركية أداة دبلوماسية وتنموية في المناطق التي تعاني نقص الإمدادات مثل إفريقيا جنوب الصحراء وأميركا اللاتينية وجنوب آسيا، مع تحفيز الشركات لتوسيع عملياتها داخل الولايات المتحدة وتقليل الاعتماد على الصين.

أشارت فورشتجوت-روث إلى أن الولايات المتحدة، عبر رفضها عقيدة الانبعاثات الصفرية، تضع معيارًا عالميًا جديدًا، وأن استمرار النمو الأميركي ضمن نظام داعم للطاقة سيجبر الدول الأخرى على إعادة تقييم سياساتها، وإلا ستواجه مخاطر التراجع الاقتصادي، مستشهدة بتجارب دول كبرى مثل بريطانيا وكندا واليابان التي خفضت الضرائب للحفاظ على التنافسية بعد سياسات الرئيس رونالد ريغان.

أكدت فورشتجوت-روث أن قاعدة التصنيع الأوروبية بدأت تتآكل بسبب سياسات الانبعاثات الصفرية، وخصوصا في ألمانيا التي تواجه تراجعًا في قطاع السيارات بسبب اللوائح المناخية وواردات السيارات الكهربائية الصينية منخفضة التكلفة، محذرة من أن السياسات البيئية التي ترفع التكاليف وتدعم الحزب الشيوعي الصيني ليست غير سليمة اقتصاديًا فحسب، بل خطيرة استراتيجيًا.

اختتمت فورشتجوت-روث تحليلها بالتأكيد على أن الهيمنة على الطاقة ليست مجرد شعار، بل هي حجر الزاوية للقوة الوطنية، تعزز المرونة الاقتصادية، وتقوي التحالفات، وتردع الخصوم، معتبرة أن تبني استراتيجية قائمة على الوفرة والسيادة يضمن للولايات المتحدة ولحلفائها مستقبلاً آمنًا واقتصادًا قويًا في عالم تتحول فيه الطاقة إلى سلعة وسلاح في آن واحد.