ويبيّن مسح حديث لبنك الاستثمار الأميركي "غولدمان ساكس" أن 25% من مكاتب العائلات استثمرت بالفعل في هذا المجال، بينما يدرس 25% أخرى الدخول إليه.
مكاتب العائلات أو Family Offices هي كيانات استثمارية خاصة تؤسسها العائلات فائقة الثراء لإدارة ثرواتها عبر الأجيال، بدل الاعتماد على البنوك أو مديري الثروات الخارجيين.
ويتولى المكتب كل ما يخص أموالهم واستثماراتهم وخططهم الضريبية والوراثية، ولا تقتصر على الاستثمار في الأسهم أو العقارات فقط.
صفقات ترفع السقف
خلال الأشهر الأخيرة، عادت أسماء لامعة لتؤكد أن الاستثمار الرياضي بات ساحة للمليارات.
وافقت جوليا كوش وعائلتها على شراء حصة أقلية في نادي نيويورك جاينتس بدوري كرة القدم الأميركي، بينما توصّل الملياردير مارك والتر إلى اتفاق يمنحه حصة أغلبية في لوس أنجلِس ليكرز بتقييم بلغ 10 مليارات دولار.
وفي الساحل الغربي، اشترت ثلاث عائلات من منطقة خليج سان فرانسيسكو، بينها عائلة المستثمر فِينود خوسلا، 6% من نادي San Francisco 49ers.
ولا تعد هذه الصفقات حالات منفردة، بل هي جزء من موجة ترى في الفرق الكبرى أصولًا قابلة للتعظيم عبر إدارة احترافية وتوسيع دوائر العائد.
لماذا ينجذب أثرياء أميركا إلى الاستثمار الرياضي؟
يقدّم الاستثمار الرياضي لمالك طويل الأجل مزيجًا من الأمان النسبي والقدرة على النمو، فحقوق البث الرقمية والتقليدية تمنح تدفقات مالية واسعة النطاق، وأسعار التذاكر والرعاية التجارية ومبيعات المتاجر تخلق طبقات إضافية من الدخل.
فيما ترفع الشعبية الجماهيرية من قيمة العلامة التجارية للفرق مع مرور الوقت.
وتُلخّص co-Head لإدارة الثروات الخاصة العالمية في غولدمان ساكس مينا فلين، هذا التوجّه بأن مكاتب العائلات قادرة على الصبر، ولذلك تنظر إلى ملكية الفرق على أنها قصة قيمة تتراكم عامًا بعد عام، لا مجرد رهان قصير المدى.
ولهذا السبب أيضًا ينظر كثيرون إلى الاستثمار الرياضي كأداة تحوّط ضد التضخم؛ فكلما ارتفعت الأسعار، بقيت الأصول المرتبطة بجمهور واسع وحقوق بث متزايدة قادرة على تمرير القيمة.
فجوة الاهتمام.. الرجال أولًا
ورغم الضجيج الإيجابي حول رياضات السيدات والرياضات الناشئة مثل البيكل بول والبادل، لا تزال شهية المستثمرين مائلة بوضوح نحو الدوريات الرجالية الكبرى.
وتكشف بيانات المسح ذاته أن الاهتمام بالدوريات النسائية القائمة أقل بكثير من نظيرتها للرجال، كما أن الدوريات النسائية الناشئة ودوريات الرجال الثانوية لم تصل بعد إلى مستوى الشهية الاستثمارية ذاته.
بناء منظومة كاملة
لا يتوقف الطموح عند امتلاك نادٍ واحد، كثير من الملاك يوسّعون دوائرهم نحو أصول تكمل المنظومة وتدعم المركز المالي للأصل الأساسي.
ويظهر ذلكK في استثمارات تمتد إلى الإعلام الرياضي المتخصص ومنصات المراهنات المرخّصة والأندية الاجتماعية لرياضات المضرب ومشغّلي الصالات.
التجربة التي يقودها المستثمر ديفيد بليتزر توضح هذا النهج؛ إذ بات أول من يمتلك حصصًا في الدوريات الخمس الكبرى للرجال في الولايات المتحدة، فيما يواصل مكتب عائلته ضخ استثمارات في شركات المحتوى الرياضي وسلاسل الأندية الاجتماعية ومشغّلي أندية البادل.
الاستثمار الرياضي.. طويل الأجل
وفي دراسة نشرها "مورغان استانلي" في أغسطس الماضي، بلغت مبيعات صناعة الرياضة العالمية نحو 521 مليار دولار في عام 2024، مع معدل نمو سنوي يقارب 8%.
ورغم هذا الزخم، تكشف دراسة "مورغان ستانلي" أن الصناعة ما تزال متأخرة عن قطاعات أخرى في تبنّي التكنولوجيا، ما يفتح الباب لزيادة الإيرادات بنحو 25% إضافية، أي ما يعادل 130 مليار دولار سنويًا.
ولا تزال الرياضة أقل رقمنة من بقية قطاعات الترفيه والإعلام، على سبيل المثال، 30% فقط من شركات الرياضة تستخدم أدوات التكنولوجيا لتخصيص حملاتها التسويقية، مقابل 92% في قطاع التجزئة.
هذه الفجوة الرقمية تعني أن أمام الأندية والدوريات فرصًا ضخمة لتعزيز موقعها في النظام الإعلامي العالمي إذا سارعت إلى اعتماد الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية.
توجد ثلاثة عوامل أساسية يتوقع أن تسرّع التحول الرقمي في صناعة الرياضة، أولًا رأس المال المؤسسي عبر دخول الصناديق الاستثمارية وشركات الأسهم الخاصة وصناديق الثروة السيادية يوفّر تمويلًا أوسع لمشاريع التحول الرقمي.
وثانيًا الجيل الشاب، خصوصًا أن الجمهور الأصغر سنًا أكثر استعدادًا لدفع الأموال مقابل محتوى رياضي رقمي متطور، وهو ما يحفّز الأندية على تطوير تجارب جديدة تناسب تفضيلاتهم.
وأخيرًا التوزيع الإعلامي، إذ يعزز دخول شركات تكنولوجيا كبرى على خط حقوق البث، الرقمنة ويحوّل حتى المنافسات الإقليمية إلى علامات تجارية عالمية.
ميزة "الندرة" التي تميز الرياضة
على عكس الأفلام أو الموسيقى التي يمكن إعادة إنتاجها بلا حدود، تعتمد الرياضة على أحداث مباشرة نادرة، ما يخلق ما يُعرف بـ"علاوة الندرة".
هذا الطابع يجعل متابعة المباريات أكثر جاذبية عبر الفئات الجغرافية والشرائح العمرية، ويمنح الرياضة تفوقًا واضحًا في جذب الجمهور مقارنة بأشكال الترفيه الأخرى.
كيف ستغيّر التكنولوجيا الإيرادات؟
- المباريات والفعاليات: تشكل نحو نصف إيرادات الرياضة. يمكن أن ترتفع بنسبة 21% إذا استُخدمت تقنيات الذكاء الاصطناعي لتعديل أسعار التذاكر وفق الظروف الجوية أو نتائج الفرق وشعبيتها، إضافة إلى اعتماد التعرف على الوجه لتسريع الدخول والشراء.
- الإعلام وحقوق البث: قد ترتفع الإيرادات بنسبة 36% بفضل تقنيات البث التفاعلي والشخصي، مثلما فعلت فورمولا 1 التي عززت مشاهداتها الرقمية 40% باستخدام الذكاء الاصطناعي للتحليل الفوري.
- تفاعل الجماهير: أنشطة مثل ألعاب الفانتازي والمراهنات والفيديو غيمز يمكن أن ترتفع إيراداتها 23% إذا أصبحت أكثر تفاعلية وتخصيصًا.