المعادلة الاقتصادية في فنزويلا صعبة للغاية، خصوصا أن الدولة تمتلك قدرات وإمكانيات اقتصادية هائلة، لكنها في نفس الوقت تعاني الفقر وتدهور الاقتصاد في السنوات السبع الماضية، الأمر الذي يثير عددا من التساؤلات، أبرزها كيف وصل الحال بهذا البلد إلى الوضع الحالي، ولماذا تعد مطمعا لأميركا، وما هو مستقبل الدولة التي تمتلك ثروات معدنية إستراتيجية وموقعا جغرافيا يربط بين أسواق الطاقة والتجارة في الكاريبي.
العقوبات تدمر اقتصاد فنزويلا
شهدت السنوات الـ7 الأخيرة، تحولاً في الإستراتيجية الأميركية للعقوبات، حيث انتقلت من العقوبات الفردية إلى فرض حصار قطاعي شامل استهدف المحرك الاقتصادي للبلاد وهو النفط، فبحسب تقارير المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان (OHCHR)، أدت العقوبات المفروضة على شركة النفط الحكومية (PDVSA) والبنك المركزي منذ عام 2019، وما جاء بعدها من تشديد الحصار البحري في أواخر عام 2025 تحت ذريعة مكافحة "ناركو-تيروريزم" (إرهاب المخدرات)، إلى شلل شبه كامل في قدرة الدولة على التصدير.
وقد وصفت مقررة الأمم المتحدة الخاصة، ألينا دوهان، في تقريرها لعام 2025 هذه الإجراءات بأنها عقوبات أحادية قسرية، انتهكت سيادة الدولة وتسببت في انهيار الخدمات الأساسية والبنية التحتية للطاقة.
ساهمت العقوبات والتي سبقها حصار شديد لقطاع النفط الفنزويلي، في دفع أكثر من 50% من السكان نحو الفقر العام، مع تزايد موجات الهجرة التي شملت نحو 8 ملايين شخص، ومن جانبه، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في مطلع يناير 2026، عن قلقه البالغ إزاء التصعيد العسكري والعمليات الأمنية التي رافقت هذه العقوبات، معتبراً إياها "سابقة خطيرة" تتجاوز أطر القانون الدولي.
226 مليار دولار خسائر مباشرة
الاقتصاد الفنزويلي يعيش تحت وطأة عقوبات أميركية صارمة فرضت منذ عام 2017، وهذه العقوبات حرمت البلاد من الجزء الأكبر من عوائدها النفطية، حيث تشير التقديرات إلى أن فنزويلا فقدت إيرادات تعادل نحو 213% من ناتجها المحلي الإجمالي خلال الفترة من 2017 إلى 2024، بما يقارب 226 مليار دولار من الخسائر المباشرة، مقارنة بما كان يمكن تحقيقه في حال استمرار الصادرات النفطية بصورة طبيعية.
وكانت فنزويلا حتى منتصف التسعينات تنتج قرابة 3.5 ملايين برميل يوميًا، ومع التصعيد الأميركي ضد قطاع النفط هناك، بالإضافة إلى تأميم هذا القطاع من قبل الحكومة، خرجت الشركات الكبرى وأصبح القطاع النفطي ينتج قرابة 800 ألف برميل يوميًا فقط، وتسيطر شركات من الصين وروسيا بالإضافة لشركات عالمية على الوضع في هذا القطاع.
الانخفاض الحاد لإنتاج النفط في فنزويلا، أدى إلى خروج كميات كبيرة من النفط الثقيل من السوق العالمية، وتسبب في فاقد سنوي من الإيرادات يتراوح بين 35 و45 مليار دولار، ما عمق العجز المالي، وحد من قدرة الحكومة في فنزويلا على الإنفاق العام، وهو ما يفسر سبب ترهل البنية التحتية في البلاد.
وتهالكت البنية التحتية الاقتصادية للبلاد، وهربت الاستثمارات الأجنبية، مع تضرر كبير لعدد من شركات النفط وتراكم مديونيات الشركات المستخرجة للنفط لسنوات عدة، جراء التضييق الأميركي.
التجارة الخارجية
فيما يتعلق بحركة التجارة الخارجية، ترتكز حركة التجارة على تصدير البترول، والذي يمثل عصب الميزان التجاري، كما تصدر كاراكاس سلعا أخرى وبعض المواد الخام، بشكل غير مؤثر في تجارتها الدولية، حيث مثل النفط 95% من الميزان التجاري الخارجي للبلاد، وتأتي الصين وروسيا بين أكثر الدول التي تمتلك حركة تجارية مع فنزويلا.
وبحسب Global Finance، فإن صادرات فنزويلا تبلغ 11.2 مليار دولار فقط وفق أحدث بيانات متاحة عن عام 2023 أبرزها النفط والذهب والكحوليات الصناعية بالإضافة إلى الحديد، في المقابل تقترب الواردات من 10 مليارات دولار أبرزها سلع غذائية مثل الأرز والذرة وفول الصويا والقمح بالإضافة لبعض السلع الصناعية، كما سجل الناتج المحلي للبلاد 102.3 مليار دولار.
وأشارت بيانات Global Finance، إلى أن فنزويلا تواجه تحديات جسيمة، تشمل التضخم المفرط، والنقص الحاد في السلع، والفساد والبيروقراطية، وارتفاع معدلات الجريمة.
مستويات البطالة
وقد دفعت مستويات البطالة والفقر وعدم المساواة غير المسبوقة ملايين الفنزويليين إلى البحث عن فرص في الخارج في ظل عدد سكاني يصل 24.5 مليون نسمة في حين يصل دخل الفرد البالغ 13.036 دولارا وفق Global Finance.
وكشف Global، عن إعاقة أنشطة ريادة الأعمال في ظل سيطرة الحكومة الواسعة على النشاط الاقتصادي في البلاد، والقصور في الإطار القانوني، وعدم اتساق تطبيق القوانين، إضافةً إلى ذلك، لا يزال الاقتصاد غير متنوع، ويفتقر تخصيص عائدات النفط إلى الشفافية والتخطيط الإستراتيجي، مما يخلق تحديات كبرى.
مستقبل اقتصاد فنزويلا
يقول رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية والإستراتيجية الدكتور خالد الشافعي، إن "فنزويلا تمتلك ثروات معدنية هائلة لم يتم الكشف عنها بعد لصعوبة دخول شركات التنقيب العالمية في ظل العقوبات التي تعرضت لها البلاد في السنوات الماضية، الأمر الذي يجعل من حدوث استقرار اقتصادي وسياسي في البلاد وانضباط التشريعات بداية لنهضة اقتصادية شريطة أن يتم إلغاء العقوبات".
ويضيف لمنصة "المشهد"، أن الحكم على مستقبل الاقتصاد يستدعي أولا معرفة الوضع السياسي المقبل في هذا البلد، هل ستكون هناك حكومة جديدة وكذلك السياسات الاقتصادية المرتقبة والقوانين المنظمة، وهذه الأمور تحتاج إلى سنوات حتى تتضح الرؤية الاقتصادية، كما أن الحديث عن دخول أميركي في إدارة البلد قد يقابله تصعيد كبير من الشعب، وهنا ستدخل البلاد في نفق مظلم.
تآكل الثقة في الاقتصاد
يرى أستاذ الاقتصاد الكلي الدكتور على الإدريسي، أن التضخم والانكماش الاقتصادي في فنزويلا تصاعد بقوة مع تراجع الإنتاج وانهيار العملة المحلية، وتشوه هيكل الأسعار، متوقعا أن يصل معدل التضخم في فنزويلا إلى 400% أو أكثر، في انعكاس مباشر لانهيار القدرة الإنتاجية وتآكل الثقة في الاقتصاد، وهو ما يجعل البلاد من بين أكثر الاقتصادات هشاشة على مستوى العالم.
وأضاف لـ"المشهد" أن التصعيد الواسع للأزمة الحالية هو السيناريو الأخطر، وقد يفرض توقفا شبه كامل للصادرات الفنزويلية وتوسع التوتر الجيوسياسي، وفي هذه الحالة قد تقفز مستويات التضخم بأكثر من نقطتين مئويتين عالميًا، وتزداد مخاطر الركود في عدد من الاقتصادات.
وأشار إلى أن الاقتصاد الفنزويلي هو اقتصاد نفطي في الأساس، فاستمرار وتفاقم الأزمة قد يمتد إلى أسعار الطاقة عالميًا ويؤثر على الاستقرار المالي العالمي، وكلما طال أمد التصعيد، تحولت الأزمة من صدمة نفطية محدودة إلى عبء ثقيل يهدد النمو الاقتصادي العالمي واستقرار الأسواق بصفة عامة بحسب وصفه.
هل تعود شركات النفط؟
وترى رويترز، أنه من غير المرجح أن تشهد فنزويلا زيادة ذات مغزى في إنتاج النفط الخام لسنوات حتى لو استثمرت شركات النفط الأميركية الكبرى مليارات الدولارات في البلاد كما وعد الرئيس دونالد ترامب بعد ساعات فقط من القبض على الرئيس الفنزويلي.
وقال محللون لرويترز، إن أي شركات قد ترغب في الاستثمار هناك ستحتاج إلى التعامل مع المخاوف الأمنية والبنية التحتية المتهالكة، والتساؤلات حول شرعية العملية الأميركية لإخراج مادورو من البلاد والاضطراب السياسي المحتمل على المدى الطويل.
وقال مارك كريستيان، مدير تطوير الأعمال في شركة كريس ويل للاستشارات، إن الشركات الأميركية لن تعود حتى تتأكد من أنها ستحصل على أموالها، وستحصل على الحد الأدنى من الأمن على الأقل، وأن الشركات لن تعود حتى يتم رفع العقوبات المفروضة على البلاد، كما سيتعين على فنزويلا تعديل قوانينها للسماح باستثمارات أكبر من شركات نفط أجنبية.
اهتمام أميركي بالنفط
قال توماس أدونيل، الخبير الإستراتيجي في مجال الطاقة والشؤون الجيوسياسية لرويترز "إذا تمكن ترامب وآخرون من تحقيق انتقال سلمي دون مقاومة تذكر، ففي غضون 5 إلى 7 سنوات ستكون هناك زيادة كبيرة في إنتاج النفط مع إصلاح البنية التحتية وترتيب الاستثمارات".
وأضاف أن النفط الخام الثقيل المنتج في البلاد يعمل بشكل جيد مع مصافي ساحل الخليج الأميركي، ويمكن أيضا مزجه مع النفط الأخف الناتج من التكسير الهيدروليكي، لكن ذلك يعتمد على أن الأمور ستسير بشكل صحيح، لكن هناك الكثير من الأمور التي يمكن أن تسوء.
وأضاف "يمكن أن يؤدي انتقال سياسي فاشل ينطوي على شعور مناوئ للهيمنة الأميركية إلى مقاومة قد تمتد على مدى سنوات" جماعات مسلحة من المواطنين وجماعات تعمل بأسلوب حرب العصابات في البلاد.
وقال فرانسيسكو مونالدي، مدير برنامج الطاقة في أميركا اللاتينية في معهد بيكر التابع لجامعة رايس في هيوستن، إن شركة شيفرون ستكون في وضع يمكنها من الاستفادة القصوى من أي انفتاح نفطي محتمل في فنزويلا.
وأضاف أن شركات النفط الأميركية الأخرى ستولي اهتماما كبيرا للاستقرار السياسي، وستنتظر لترى كيف ستتطور البيئة التشغيلية وإطار عمل العقود.
وقال مونالدي "الشركة التي من المحتمل أن تكون مهتمة جدا بالعودة هي كونوكو، لأن مستحقاتها تزيد عن 10 مليارات دولار، ومن غير المرجح أن تحصل على مستحقاتها دون العودة إلى البلاد". وأضاف أن شركة إكسون قد تعود أيضا، لكن مستحقاتها ليست بهذا الحجم.
الأنشطة التجارية
وقال متحدث باسم الشركة في تعليقات عبر البريد الإلكتروني لرويترز "تراقب كونوكو فيليبس التطورات في فنزويلا وآثارها المحتملة على إمدادات الطاقة العالمية واستقرارها، سيكون من السابق لأوانه التكهن بشأن أي أنشطة تجارية أو استثمارات مستقبلية".
واضطرت شيفرون، التي تصدر نحو 150 ألف برميل يوميا من الخام من فنزويلا إلى ساحل الخليج الأميركي، إلى التعامل بحذر ودبلوماسية مع إدارة ترامب في محاولة للحفاظ على وجودها في البلاد خلال العام الماضي.
وقال الرئيس التنفيذي مايك ويرث في ديسمبر الماضي، إنه تحدث مع إدارة ترامب حول ما قال إنه أهمية الحفاظ على الوجود الأميركي في البلاد مهما كانت الأوضاع السياسية وتحولاتها.
وتعمل شيفرون في فنزويلا منذ أكثر من 100 عام وقالت "إنها تركز على سلامة وأمن موظفيها، بالإضافة إلى سلامة أصولها بعد الأحداث الأخيرة.
وقال متحدث باسم شيفرون في رد عبر البريد الإلكتروني على الأسئلة: "مستمرون في العمل مع الامتثال الكامل لجميع القوانين واللوائح ذات الصلة".