أطلقَت تركيا في نهاية 2021 برنامج الودائع المحمية من تقلبات سعر الصرف (KKM) كأداة إسعافية لاحتواء أزمة الليرة التركية وتهدئة سعر الصرف. وخلال أقل من أربعة أعوام، تمدّد البرنامج بسرعة، ثم تقلّص بوتيرة أسرع حتى إعلان البنك المركزي التركي في 23 أغسطس 2025 وقف فتح أو تجديد هذه الحسابات تمهيدًا لإنهائه.
تقدّم منصة "المشهد" في هذا التقرير القصة الكاملة: الخلفيات، وآلية العمل، والأثر على العملة، والكلفة، وتطور الحجم، وتقييمات الخبراء، وأسباب الإنهاء، مع مقارنة موجزة بتجارب دولية.
خلفية الإطلاق.. أزمة الليرة في 2021
شهدت تركيا في 2021 تراجعًا حادًا في قيمة الليرة إثر سياسة نقدية غير تقليدية قامت على خفض الفائدة رغم التضخم المرتفع. وخسرت العملة نحو 44% من قيمتها ذلك العام ولامست في ديسمبر مستويات قياسية قرب 18.36 ليرة للدولار. في هذا المناخ، وللحد من الدولرة وكبح موجة الهلع، أعلنت الحكومة أداة استثنائية: برنامج KKM الذي يَعِدُ المودعين بالتعويض عن أي خسائر ناتجة عن هبوط الليرة بما يفوق عائد الفائدة.
كيف يعمل برنامج KKM؟
يتيح البرنامج للأفراد ثم للشركات فتح ودائع بالليرة لآجال بين 3 و12 شهرًا. عند تاريخ الاستحقاق يحصل المودع على إمّا الفائدة المصرفية المتفق عليها، أو تعويض يُعادل فارق تراجع سعر الصرف خلال مدة الإيداع (أمام الدولار/اليورو)، أيهما أعلى.
بهذا صارت الدولة، عبر الخزانة و/أو البنك المركزي التركي، تتحمّل فارق الهبوط بدل المودع.
لاحقًا، نُقلت الكلفة بالكامل إلى البنك المركزي. ومع التحول إلى التشدد النقدي في 2023 فُرض سقف لعائد ودائع KKM (نحو 40% من سعر الفائدة الرسمي)، ما قلّل جاذبيتها مقارنة بالودائع العادية مع ارتفاع الفائدة.
أثر البرنامج على الليرة في 2022–2023
أوقف KKM حالة "السقوط الحر" وأبطأ وتيرة التراجع في 2022؛ إذ هبطت الليرة بنحو 29% فقط مقارنة بانهيار 2021، مع انحسار حدّة التقلبات. كما ارتفعت حصة الودائع بالليرة في الجهاز المصرفي بعدما جذبت الحماية المودعين بعيدًا عن الدولار.
لكن في 2023، ومع تحرير تدريجي لسعر الصرف عقب الانتخابات وبدء دورة رفع فائدة قوية، ظهر التراجع المؤجّل دفعة واحدة تقريبًا، وخسرت الليرة نحو 37% خلال العام. وكانت النتيجة أن البرنامج وفّر استقرارًا مؤقتًا دون معالجة الجذور (التضخم، عجز الحساب الجاري، الثقة).
الكلفة على الخزينة والبنك المركزي
كان ثمن "التأمين على سعر الصرف" باهظًا. تشير التقديرات إلى أن الفاتورة التراكمية قاربت 60 مليار دولار حتى نهاية 2024، مع قفزات كبيرة للمدفوعات في أشهر تراجع الليرة الحاد بعد الانتخابات.
انعكس ذلك على نتائج البنك المركزي التركي الذي سجّل خسائر استثنائية في 2023 بفعل كلفة التعويضات إلى جانب أثر رفع الفائدة. عمليًا، نقل البرنامج خسائر الصرف من جيوب المودعين إلى المالية العامة، بما يحمله ذلك من آثار تضخمية وعجز مالي.
من الذروة إلى الانكماش
بلغت ودائع KKM ذروتها أواخر 2022 ومطلع 2023 بنحو 3.4 تريليون ليرة (حوالي 130–140 مليار دولار آنذاك)، أي ما يناهز ربع ودائع النظام المصرفي.
ومع التحول السياسي/النقدي في منتصف 2023 بدأت خطة خروج تدريجي عبر وقف ودائع الشركات، إلغاء أهداف تحويل الودائع، رفع جاذبية البدائل بالليرة.
بحلول منتصف 2025 تراجع الرصيد إلى قرابة 478 مليار ليرة (نحو 12 مليار دولار)، أي حوالي 2% فقط من إجمالي الودائع، ثم هبط إلى ما يقارب 11 مليار دولار عشية قرار الإنهاء.
بين الانتقاد والإشادة.. ماذا قال الخبراء؟
اعتبره اقتصاديون مسكّنًا أجّل الضغوط بدل علاجها، شوّه آلية السياسة النقدية، عمّق المخاطر الأخلاقية بتأمين عوائد شبه خالية من مخاطر الصرف، وحمّل المجتمع كلفة عالية لتعويض أصحاب الودائع الكبيرة.
في حين يرى فريق آخر، أنه منح الاقتصاد "هدنة" أثناء ذروة الهلع ومنع انهيارًا أعمق لليرة والنظام المصرفي، وحمى المدخرين من خسائر فادحة، وكبح الدولرة لفترة عبر رفع وزن الودائع بالليرة.
مع ذلك، تراجعت الإشادات مع انكشاف الكلفة وعودة التركيز على السياسة النقدية في تركيا بمقاربات تقليدية.
لماذا أُنهي البرنامج في أغسطس 2025؟
رغم التلميح سابقًا إلى الإنهاء بختام 2025، عجّل البنك المركزي التركي بإنهائه اليوم، لخمسة أسباب رئيسية:
- ضمور الفائدة وارتفاع الكلفة المحتملة: الحجم صار هامشيًا، والإبقاء عليه يبقي “شيكًا مفتوحًا” إذا تراجعت الليرة فجأة.
- تعزيز مصداقية التحوّل: رسالة واضحة بانتهاء الحقبة غير التقليدية والعودة لأدوات السوق الشفافة.
- تحسّن البيئة الكلية نسبيًا: تباطؤ التضخم مقارنة بذروته ووجود احتياطيات وسياسات أكثر اتساقًا.
- إطلاق يد الفائدة: إزالة عائق كان يقيّد تمرير قرارات السياسة النقدية إلى الاقتصاد.
- تبسيط الأطر التنظيمية: إنهاء تشوهات الاحتياطي والعمولات وتسعير الودائع المزدوج.
مقارنة دولية.. حالة استثنائية أكثر منها نموذجًا
قلّما ضمنت دولة على نطاق واسع سعر الصرف لودائع العملة المحلية. أقرب السوابق كانت حسابات الليرة القابلة للتحويل في تركيا سبعينيات القرن الماضي، وتجربة تعويض محدودة في كازاخستان 2015.
في العادة، تلجأ الدول إلى تحرير العملة مع رفع الفائدة، أو القيود المؤقتة على رؤوس الأموال، أو تمويل خارجي. لذلك تُعد KKM حالة فريدة، حماية مؤقتة عالية الكلفة، تصلح كدرس في إدارة أزمات العملة أكثر من كونها وصفة قابلة للتعميم.
كبح مؤقت للدولرة
جاء برنامج KKM كابتكار تركي تحت ضغط الأزمة؛ نجح في تهدئة التقلبات وكبح الدولرة مؤقتًا، لكنه راكم كُلفة باهظة ونقل المخاطر إلى المالية العامة.
مع تبدّل النهج نحو سياسات تقليدية صارمة، تقلّص البرنامج سريعًا إلى أن انتهى فعليًا في أغسطس 2025. الدرس الأوضح، أنه لا غنى عن سياسة نقدية متسقة وشفافة وإصلاحات هيكلية لاستدامة استقرار الليرة التركية بعيدًا عن الأدوات الاستثنائية.