تتزايد مخاوف متداولي العملات المشفرة حول العالم، مع تصاعد جرائم الخطف والاعتداءات العنيفة المرتبطة بسرقة الأصول الرقمية، في اتجاه يربطه مختصون بارتفاع أسعار بتكوين وتوسع قاعدة المستخدمين، إضافة إلى طبيعة السوق التي تعتمد على الحيازة الذاتية للمحافظ وغياب الحماية المؤسسية التي يتمتع بها مستثمرو الأصول التقليدية، بحسب ما نشرته "بلومبرغ".
وأصبحت منصات التواصل الخاصة بمجتمع الكريبتو، مثل مجموعات تيليغرام وديسكورد ومنتديات ريديت، ساحة مزدوجة التأثير. فهي من جهة مركز لتبادل الأفكار والصفقات والإنجازات، ومن جهة أخرى مصدر محتمل لتسريب إشارات تساعد مجرمين على ربط الهوية الحقيقية بمتداول يعمل باسم مستعار، خصوصًا مع انتشار نمط التباهي بالمكاسب واقتناء السلع الفاخرة كوسيلة لإظهار النفوذ والمصداقية داخل المجتمع الرقمي.
"هجمات المفك" تصعد مع موجة الأسعار
يشير رصد متخصصين في أمن العملات المشفرة إلى ارتفاع ما يعرف بـ"هجمات المفك"، وهي اعتداءات جسدية تهدف لإجبار الضحايا على تسليم مفاتيحهم الخاصة أو تحويل أموالهم تحت التهديد، وتتنوع بين خطف وضرب وعمليات تشويه.
وتم توثيق نحو 60 حادثة من هذا النوع عالميًا خلال 2025، مقارنة بنحو 40 في 2024، بينما يرجح خبراء أنّ الأرقام الفعلية أعلى بكثير بسبب إحجام الضحايا عن الإبلاغ.
وتضمنت حوادث بارزة خلال العام، اعتقال مشتبه بهم في مانهاتن بعد احتجاز متداول إيطالي رهينة، ومحاولة خطف فاشلة استهدفت ابنة مدير تنفيذي في قطاع الكريبتو في باريس، إضافة إلى واقعة اقتحام منزل في سان فرانسيسكو وسرقة أصول رقمية بقيمة 11 مليون دولار.
هدف جديد.. الحيازات المتوسطة
لا يقتصر خطر هذه الهجمات على كبار الأثرياء فقط، إذ تشير قراءات بحثية إلى أنّ العديد من الضحايا يمتلكون مدخرات متوسطة بالمعايير الاستثمارية، تتراوح بين آلاف وعشرات آلاف الدولارات، لكنها قد تبدو كافية لمجرمين يبحثون عن "أهداف أقل تحصينًا" مع زيادة إجراءات حماية أصحاب الثروات الكبرى.
وتتوقع جهات أمنية، أن يزداد التركيز خلال الفترة المقبلة على حاملي محافظ أصغر نسبيًا لكنها لا تزال ذات قيمة، باعتبار أنّ الاستهداف سيتحرك حيث تقل الحواجز وتزداد سهولة التتبع عبر الأخطاء الرقمية أو الإفراط في مشاركة تفاصيل الحياة اليومية.
شركات أمن تدخل على خط الكريبتو
على وقع هذه المخاطر، يتجه متداولون إلى الاستعانة بشركات أمن خاصة وخدمات متخصصة في تقليص البصمة الرقمية وإزالة البيانات الشخصية من مواقع الإنترنت والسجلات المتاحة للجمهور.
وتقوم بعض الشركات بفحص شامل لتسرب المعلومات، يبدأ من سجلات العقارات وخرائط المنازل المعروضة سابقًا على مواقع التسويق العقاري، وصولًا إلى الصور العائلية التي قد تكشف موقعًا أو نمط حياة أو شبكة علاقات يمكن استغلالها.
ويقول مختصون إنّ سلوكيات كانت شائعة في ذروة صعود السوق، مثل نشر لقطات محافظ ضخمة أو صور مشتريات فاخرة، أصبحت اليوم عامل خطر مباشر، بما دفع بعض المتداولين إلى مراجعة حضورهم العلني وتغيير نمط تفاعلهم مع الشبكات الاجتماعية.
فجوة حماية بين الكريبتو والقطاع المصرفي
وتبدو الفجوة الأكبر في أنّ كثيرًا من حاملي العملات المشفرة يعتمدون على "الحيازة الذاتية"، أي إدارة المفاتيح الخاصة من دون وسيط.
ورغم أنّ هذا النهج يمنح استقلالية أعلى، فإنه يقلل مظلة الحماية مقارنة بالتحويلات البنكية التقليدية، حيث يمكن للمؤسسات المالية أن تتحرك لإيقاف أو تتبع عمليات مشتبه بها، وقد تُلزم بتعويض الضحية في حالات محددة.
أما في عالم الكريبتو، فإنّ طبيعة التحويلات وسرعة تنفيذها ومحدودية القدرة على الاسترجاع، تزيد من حساسية المشهد الأمني وتمنح المجرمين حافزًا أكبر لاستخدام التهديد الجسدي كأداة ضغط.
في المقابل، بدأت تتسع دائرة الحلول الوقائية التي تحاول سد جزء من هذه الثغرة.
من أبرزها المحافظ متعددة التوقيع، التي تتطلب أكثر من مفتاح لإقرار التحويل، مع توزيع المفاتيح في مواقع مختلفة أو بين أشخاص موثوقين. كما ظهرت حلول "إطالة زمن التحويل" عبر آليات تؤخر التنفيذ أيامًا عدة بعد بدء العملية، ما يوفر فرصة للتدخل عند وقوع ابتزاز أو اختراق.
وتبرز أهمية هذه الأدوات في حالات اختطاف شهدتها أوروبا، حيث ساعدت الإجراءات الوقائية على كسب وقت حاسم مكّن السلطات من تتبع جزء كبير من الأموال واستعادتها، وصولًا إلى إنقاذ الضحايا وتوقيف متهمين.
معادلة جديدة للأمان
تعكس هذه التطورات تحولًا مهمًا في ثقافة مجتمع الكريبتو، من مرحلة الاحتفاء العلني بالمكاسب إلى مرحلة أكثر حذرًا في إدارة السمعة الرقمية والوجود الواقعي.
وفي ظل استمرار تقلبات السوق وصعود الأسعار على فترات متقطعة، يرجح مراقبون أن يصبح "الأمان الشخصي" جزءًا لا يتجزأ من قرار الاستثمار في الأصول المشفرة، لا باعتباره ترفًا، بل كتكلفة ضرورية لحماية الثروة في بيئة تتقاطع فيها التكنولوجيا مع المخاطر الميدانية.