تفاوض تحت الضغط
خلال 2025، اتسع استخدام الرسوم من كونها إجراء حمائيًا محدودًا إلى أداة لإدارة العلاقات الاقتصادية مع الشركاء، وتُرفع الرسوم لإحداث صدمة، ثم تُجمد لفتح مساحة للتفاوض، ثم تعود بصيغة أكثر انتقائية عبر إعفاءات أو سقوف ثابتة.
والنتيجة أنّ النفاذ إلى السوق الأميركي، أصبح أقرب إلى "تعاقد سياسي اقتصادي" منه إلى منافسة سعرية فقط.
التجارة كسلاح سيادي
وفي السياق، قال مستشار المركز العربي للدراسات والباحث في العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي أبو بكر الديب، إنّ حرب الرسوم الجمركية التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لم تكن حدثًا اقتصاديًا عابرًا ولا أداة ضغط قصيرة الأجل، بل شكلت تحولًا في فلسفة التجارة العالمية.
وأضاف الديب في تصريح لـ"المشهد"، إلى أنّ الإدارة الأميركية أعادت تعريف التجارة باعتبارها أداة سيادة تخدم الأمن القومي، وتُستخدم لإعادة ترتيب موازين القوة وفرض وقائع جديدة على الحلفاء قبل الخصوم.
ويؤكد الديب، أنّ أخطر ما حدث كان تآكل فكرة حيادية التجارة، فالسوق الأميركية تحولت، وفق رؤيته، من سوق محكومة بقواعد متعددة الأطراف إلى سوق مشروطة سياسيًا، ما أعاد إحياء منطق "التجارة العقابية" وفتح الباب أمام دول أخرى لتبني أدوات مشابهة.
ويربط الديب، ذلك بتفكيك سلاسل القيمة العالمية، إذ وجدت الشركات نفسها أمام معضلة تتجاوز الاقتصاد، الاستمرار في سلاسل توريد قائمة مع مخاطر سياسية متزايدة، أو إعادة توزيع الإنتاج جغرافيا لضمان نفاذ آمن إلى السوق الأميركي.
سلاسل الإمداد تدفع الثمن
يضع الديب، تفكيك سلاسل القيمة في قلب الحصاد، إذ ارتفعت كلفة الشبكات العابرة للحدود وتعقدت إدارتها، وفي هذه البيئة أصبح القرار الاستثماري مرتبطًا بتقييم المخاطر السياسية بقدر ارتباطه بالكلفة.
ومع كل موجة رسوم أو تهديد بتوسعتها، تتزايد حوافز نقل جزء من الإنتاج إلى دول أقل استهدافًا، أو إعادة توزيع مراحل التصنيع لتقليل التعرض للصدمات الجمركية.
فجوة العجز والفوائض تفسر منطق التصعيد
من جهته، قال المحلل الأول المالي في شركة زيلا كابيتال هشام حمدي، إنّ ما قام به ترامب يمثل محاولة مباشرة لتغيير قواعد التجارة العالمية، عبر الاستفادة من ثقل السوق الأميركي كأكبر سوق استهلاكي في العالم.
ويرى حمدي، أنّ فهم التحولات يبدأ من وضع الولايات المتحدة داخل خريطة التجارة والديون العالمية، ثم ينتهي بكيفية استخدام الرسوم لإعادة توزيع الفوائض والعجوزات بين القوى الكبرى.
ويشير حمدي في حديثه لـ "المشهد"، إلى أنّ جذور الأزمة تظهر عند مقارنة مراكز اللاعبين، الاتحاد الأوروبي يحقق فائضًا تجاريًا يقدر بنحو 331 مليار دولار، والصين تحقق فوائض واسعة مع معظم شركائها، بينما تواجه الولايات المتحدة عجزًا تجاريًا يقدر بنحو 237 مليار دولار.
وفي الداخل الأميركي تتضاعف حساسية هذا الملف مع ضغط المالية العامة، إذ يقترب الدين العام الأميركي، بحسب حمدي، من 38 تريليون دولار بما يعادل تقريبًا 120% من الناتج المحلي الإجمالي، ويضيف أنّ ترامب استند إلى العجز التجاري المتراكم، لتبرير التصعيد.
ففي 2024، بلغ العجز في الميزان التجاري الأميركي نحو 918 مليار دولار، ويتحمل العجز مع الصين وزنًا خاصًا، إذ يقدر العجز الثنائي بين واشنطن وبكين بنحو 295 مليار دولار، ومن هنا يفسر حمدي، لماذا تحولت الصين إلى مركز الثقل في الحرب التجارية، ولماذا أصبحت الرسوم أداة لإعادة رسم ملامح التجارة بدل الاكتفاء بالاعتراض على اتفاقات بعينها.
وبحسب حمدي، فرضت واشنطن رسومًا، تتراوح بين 20% و25% على طيف واسع من الواردات الصينية، مع تصور لرفعها إلى مستويات تقارب 47% قبل أن تؤدي التفاهمات إلى تأجيل التصعيد لمدة عام حتى نوفمبر 2026، لتظل الرسوم الفعلية في نطاق 20% إلى 25% حاليا.
ويقول إنّ إحصائيات 2025 أعطت مؤشرًا أوليًا على الأثر، إذ بلغ العجز التجاري بين الولايات المتحدة والصين في أول 9 أشهر من 2025 نحو 160 مليار دولار مقارنة بنحو 295 مليار دولار في 2024 بالكامل، ما يعني انخفاضًا بأكثر من 100 مليار دولار تقريبًا، حتى لو لم يتغير المشهد جذريًا.
2025 على خط الزمن من قرارات سريعة إلى نظام رسوم دائم
بداية العام رسوم على كندا والمكسيك والصين
بدأت موجة 2025، بإجراءات ركزت على شركاء بعينهم، في مطلع فبراير أعلنت واشنطن رسومًا إضافية على واردات من كندا والمكسيك مع استثناءات محدودة، وبالتوازي، فرضت رسومًا إضافية على الواردات من الصين.
وقدمت الإدارة، هذه الحزمة باعتبارها جزءًا من ضغط مرتبط بملفات الحدود والفنتانيل إلى جانب الاعتبارات التجارية.
السلع الأساسية والمعادن تعيد تسعير الكلفة الصناعية
ومع اتساع دائرة التصعيد انتقلت الإدارة إلى مسار المعادن، ورفعت الرسوم على الصلب والألومنيوم في منتصف العام إلى مستويات أعلى، ما ضاعف الضغط على المصدرين، وأعاد ترتيب كلفة المواد الأولية في سلاسل التصنيع العالمية.
في الربيع، توسع المسار القطاعي أكثر عبر السيارات وقطع الغيار، دخلت رسوم السيارات حيّز التنفيذ مطلع أبريل، وتبعتها رسوم على قطع الغيار في مايو.
وجاءت هذه الخطوة، لتضع صناعة ذات حساسية سياسية عالية في قلب الحرب التجارية، خصوصًا مع تشابك سلاسل توريد السيارات بين أميركا وكندا والمكسيك وأوروبا وآسيا.
ثم جاءت لحظة التحول الأكبر في 2 أبريل، عندما أعلنت واشنطن نظام "الرسوم المتبادلة" بمعدل أساسي على غالبية الواردات، مع شرائح أعلى لدول محددة.
وبعد أسبوع واحد فقط، جرى تعليق الشرائح الأعلى لمدة 90 يومًا، ليبقى المعدل الأساسي قائمًا على معظم الدول، بينما اتجه التصعيد بقوة نحو الصين، في مشهد كشف عن استخدام الرسوم كورقة تفاوضية قابلة للرفع والخفض وفق مسار المحادثات.
الصين بين التصعيد والهدنة ثم إدارة الرسوم
الملف الصيني كان الأكثر حدة في 2025، بعد موجة تصعيد متبادل هددت بتحويل التجارة الثنائية إلى شبه حظر، توصّل الطرفان في مايو إلى هدنة لمدة 90 يومًا خفضت الرسوم الأميركية إلى 30% والرسوم الصينية إلى 10%، ثم مُددت الهدنة في أغسطس لتفادي قفزة جديدة في الرسوم خلال النصف الثاني من العام.
وفي الخريف، تحركت المحادثات في اتجاه أكثر تفصيلا، مع ظهور ملفات تتجاوز الرسوم إلى قيود المعادن النادرة وضوابط التصدير.
وفي 1 نوفمبر، أعلنت ترتيبات تضمنت خفضًا محددًا، لرسوم مرتبطة بالفنتانيل، وهو ما خفف متوسط العبء الجمركي الأميركي الفعلي على الواردات الصينية، مقارنة بما كان متوقعًا في ذروة التصعيد.
واتجهت واشنطن إلى تثبيت نموذج تسوية مع شركاء رئيسيين يقوم على سقف رسوم على معظم السلع مقابل تعهدات استثمارية ومشتريات، مع إبقاء ملفات المعادن تحت رسوم أعلى قابلة للتفاوض لاحقًا.
هذا النموذج، ظهر في الاتفاق الإطاري مع الاتحاد الأوروبي، وتكرر مع اليابان، كما ظهر في صفقة مع كوريا الجنوبية تضمنت التزامات استثمارية داخل الولايات المتحدة وترتيبات خاصة للسيارات.
آسيا الصاعدة بين فرص النفاذ ومخاطر الالتفاف
في جنوب شرق آسيا، برز خط مختلف. في فيتنام ثبتت الرسوم عند مستوى مرتفع مع تشديد على إعادة الشحن عبرها، ثم تحولت الاتصالات إلى إطار تفاوضي يفتح الباب، لإعفاءات انتقائية مقابل تسهيلات أوسع للسلع الأميركية وتعزيز التعاون ضد التهرب من الرسوم.
ودخلت إندونيسيا في مسار انتهى إلى خفض الرسوم، مقابل التزامات واسعة بإزالة عوائق جمركية وغير جمركية.
أما الهند، فواجهت تصعيدًا واضحًا في أغسطس عندما فرضت واشنطن رسومًا إضافية، مرتبطة بخيارات الطاقة، ما رفع الضغوط على بعض صادراتها ودفع العلاقات التجارية إلى مرحلة توتر.
على الجبهة الشمالية والجنوبية، كانت علاقة الرسوم أكثر تعقيدًا، بسبب تشابك سلاسل الإمداد واتفاق التجارة مع البلدين، وفي المكسيك، استمر نهج تمديد المهل.
وفي كندا، تعثرت المحادثات القطاعية، وبحلول منتصف ديسمبر، تراجعت فرص إغلاق الملف قبل ترحيله إلى مراجعة الاتفاق التجاري في 2026.
إعفاءات انتقائية وصفقات مؤجلة بمهلة زمنية
في أميركا اللاتينية، ظهر نهج الإعفاءات الانتقائية على بعض الواردات الزراعية، وسط حساسية أسعار الغذاء.
وفي أوروبا خارج الاتحاد، ظهر نموذج الصفقة المشروطة بمهلة زمنية لاستكمال النص النهائي، اقتصاديًا لم تكن حصيلة 2025، مجرد أرقام رسوم.
كانت الأثر الأوسع، هو انتقال العالم إلى مفهوم عولمة مختلفة، الشركات والدول باتت تقيس كلفة التجارة بميزانين في وقت واحد، ميزان السعر وميزان المخاطر السياسية.
فكلما ارتفعت قابلية الرسوم للتغير السريع، ازدادت قيمة المرونة في سلاسل الإمداد، واتسع دور الدول الوسيطة ومراكز إعادة التصدير، وتزايدت أهمية قواعد المنشأ والامتثال.
إلى أين وصل التفاوض حتى اليوم؟
حتى الخميس 18 ديسمبر 2025، يمكن وصف المشهد بـ3 طبقات. طبقة أولى هي اتفاقات تسوية مع شركاء رئيسيين، تقلل حالة عدم اليقين لكنها لا تغلق كل الملفات، طبقة ثانية، هي تفاوض مستمر مع دول ما زالت تبحث عن تثبيت مستويات أقل أو الحصول على إعفاءات انتقائية.
وطبقة ثالثة، هي ملفات مرشحة للترحيل السياسي إلى 2026، وفي مقدمتها كندا ضمن مراجعة الاتفاق التجاري، بينما يستمر الملف الصيني في مسار إدارة الرسوم عبر هدن وتمديدات وتفاهمات جزئية مرتبطة بملفات تتجاوز التجارة إلى عناصر أمن اقتصادي أوسع.