في ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها قطاع تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي عالميًا، تبرز الإمارات العربية المتحدة كواحدة من أبرز اللاعبين الدوليين في مجال التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي، إذ تسعى الإمارات لتصبح مركزًا تقنيًا يعزز مكانتها كدولة رائدة في المنطقة بل والعالم.
وترجمت الإمارات مساعي تحولها إلى دولة تكنولوجية رائدة من خلال ضخ استثمارات ضخمة بمليارات الدولارات في قطاعات حيوية مثل صناعة الرقائق الإلكترونية والاستثمار في إنشاء مراكز البيانات لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، واقتحام صناعة حيوية للغاية في قطاع أشباه الموصلات، مما ستكون له نتائج اقتصادية إيجابية قوية على الاقتصاد الإماراتي بحسب الخبراء.
وجاءت زيارة الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، نائب حاكم إمارة أبوظبي، مستشار الأمن الوطني، إلى الولايات المتحدة الأميركية، لتؤكد على الدور الإستراتيجي الذي تلعبه الإمارات في تعزيز مكانتها كمركز تقني عالمي، ودعم موقعها الريادي في المنطقة، خصوصا وأن الزيارة شهدت لقاءات مهمة ركزت على الاستثمارات التقنية.
بصمة قوية
وبحسب وكالة الأنباء الإماراتية "وام"، فقد اجتمع الشيخ طحنون بن زايد، بعدد من قادة ورؤساء شركات عالمية، لبحث سبل بناء وتطوير شراكاتها مع دولة الإمارات العربية المتحدة، ودار خلال هذه اللقاءات حوار معمق حول مستقبل الذكاء الاصطناعي ودوره في تسريع عجلة النمو المستدام، وتعزيز الابتكار عالمياً، وتطوير البنية التحتية الرقمية، والارتقاء بالتعاون الصناعي وتحسين الإنتاجية وجودة الحياة.
وأكد الشيخ طحنون بن زايد، أن دولة الإمارات قطعت شوطاً مهماً في تهيئة بنيتها التحتية واقتصادها للاستفادة من التطورات العالمية المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي، في ظل ما يشهده العالم من تحول غير مسبوق تقوده التكنولوجيا المتقدمة، الأمر الذي سيُعيد هيكلة الاقتصادات بشكل قائم كلياً على الابتكار والإبداع.
وتتنوع الاستثمارات الإماراتية في القطاعات التكنولوجية الأميركية، ولعل أبرزها تمويل مشروع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي الذي تبلغ قيمته 100 مليار دولار، بالتعاون مع شركة "MGX" الإماراتية، وهو المشروع الذي أُعلن عنه خلال الأسبوع الأول لرئاسة دونالد ترامب.
وتعمل شركة "إم جي إكس"، ومقرها في أبوظبي، والتي تساهم في تمويل مشروعات ضخمة للذكاء الاصطناعي، على توسيع عملياتها في الولايات المتحدة، من خلال تعيين موظفين بارزين من شركات مثل "أبولو غلوبال مانجمنت".
وشاركت "إم جي إكس" في جولات تمويلية لعدد من أبرز شركات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك "أوبن إيه آي"، و"إكس إيه آي" المملوكة لإيلون ماسك، و"داتا بريكس"، وتسعى هذه الشركات إلى تأمين رؤوس أموال ضخمة لدعم خطط التوسع، وزيادة قدرات الحوسبة داخل مراكز البيانات.
وشهد العام الماضي، توقيع العديد من اتفاقيات الشراكة والاستثمار بين البلدين، في المجال التكنولوجي والذكاء الاصطناعي، ففي أبريل 2024 أعلنت كل من G42، الشركة القابضة الرائدة في مجال تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بدولة الإمارات، ومايكروسوفت عن استثمار إستراتيجي قدره 1.5 مليار دولار من مايكروسوفت في G42.
نموذج رائد بالشرق الأوسط
الخبير الاقتصادي الدولي الدكتور أنور القاسم تحدث مع منصة "المشهد"، من لندن، حول الدلالات الاقتصادية للاهتمام الإماراتي بالاستثمار في قطاع التكنولوجيا الأميركي والعوائد الاقتصادية المتوقعة للتوسع في مثل هذه الاستثمارات، وكذلك الزيارة الأخيرة للشيخ طحنون بن زايد إلى واشنطن.
وقال "القاسم"، إن هناك تعاونًا وشراكة قوية بين الإمارات والولايات المتحدة الأميركية في مجالات الاقتصاد والتنمية كافة، وهي نموذج رائد في الشرق الأوسط وكذلك على المستوى الدولي.
ويضيف، "الاتجاه نحو الشراكة في مجال الذكاء الاصطناعي، جاء تتويجًا لهذا التعاون في ظل العلاقات الطبية التي تربط الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع القيادة الإماراتية، وبالطبع زيارات المسؤولين من الإمارات من كافة المستويات لتعزيز هذا التعاون، ومن بينها الزيارة الأخيرة من نائب حاكم إمارة أبوظبي إلى واشنطن، وهو ما يدعم مستقبل التعاون المشترك في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجي.
وأكد أن "الولايات المتحدة تعتبر رائدة دوليًا في مجال الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والتقنيات المتطورة للرقائق الإلكترونية، والإمارات بدورها رائدة في منطقة الشرق الأوسط، وسيسهم هذا التوجه بين الجانبين نحو خلق نموذج إقليمي.
وشدد الخبير الاقتصادي، أن الشراكة الأميركية الإماراتية ذكية للغاية وتكشف عن مستقبل رقمي متطور، يستهدف تعزز الابتكار والتقدم التكنولوجي في المنطقة، كما يحقق الفائدة المستدامة للمجتمع الدولي لمواكبة التقدم التكنولوجي وتأثيره في بناء أسس جديدة لاقتصاد المنطقة يقوم على أسس جديدة عبر توظيف التكنولوجيا في كافة مناحي الحياة.
وأشار الخبير أنور القاسم، إلى أن خطوات الشراكة التكنولوجية والاستثمارات الإماراتية في واشنطن ستكون حجر الزاوية في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي في المنطقة بشكل آمن وموثوق.
قفزة كبيرة
بدورها ترى العميد الأسبق لكلية الحاسبات والمعلومات بجامعة القاهرة الدكتورة إيمان ثروت، أن "هناك نموًا مطردًا في الاستثمارات الإماراتية في التكنولوجيا الأميركية خصوصا المرتبطة بالاتجاهات الحديثة للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، مشيرة إلى أن ذلك تزامن مع قفزة كبيرة في سوق الذكاء الاصطناعي الإماراتي بما تصل نسبته 43.9% سنويًا خلال أخر 4 سنوات بحسب البيانات المتاحة.
وتقول، إن امتلاك تقنيات الذكاء الاصطناعي بإمكانيات اقتصادية هائلة تُحدث نقلة نوعية في مشهد الأعمال في الشرق الأوسط من خلال التوسعات الإماراتية في هذا القطاع الحيوي بالتعاون مع كبريات الشركات الأميركية.
وتوقعت، بأن تُكثّف الإمارات استثماراتها في أبحاث وتطوير الذكاء الاصطناعي مع ازدياد الطلب على هذه التقنيات في مختلف قطاعات الاستخدام النهائي، خصوصا بعد إعلان مشروع ستارغيت الأميركي العملات والذي تدخل فيه الإمارات بقوة.
وبدوره، كشف الباحث الاقتصادي بمركز "Arabia Inform" محمود كاظم، أن هناك مشروعا ضخما في الولايات المتحدة باسم ستارغيت باستثمارات 500 مليار دولار، وهو نتاج تعاون بين شركة OpenAI، مبتكرة تطبيق ChatGPT، مع عملاق تكنولوجيا أميركي آخر وشركة استثمار يابانية وصندوق ثروة سيادي إماراتي لبناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بقيمة 500 مليار دولار في الولايات المتحدة، وهو ما سيضع قدم الإمارات بقوة في واحدة من أكثر الصناعات تعقيدًا وتطوراً.
وقال كاظم لـ"المشهد"، إن مشروع Stargate سيكون الأهم في العالم خلال وقت قريب، وأن الشراكة الإماراتية في هذا العمل العملاق ستدعم التطور الهائل الذي تشهده الإمارات في مجالات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، موضحًا عددا من النقاط:
- مشروع Stargate سيوفر قرابة 100 ألف فرصة عمل.
- رصد 100 مليار دولار لهذا المشروع العملاق خلال 4 سنوات.
- المليادير آيلون ماسك يعتبر العقل المدبر لتطوير هذا المشروع.
- الإمارات سيكون لها دور كبير في ستارغيت وستحقق استفادة اقتصادية وتقنية كبيرة.
وشدد على أن الإمارات تدرك أن الولايات المتحدة هي بالفعل الرائدة عالميًا في مجالات الذكاء الاصطناعي، حيث تنفق مبالغ طائلة تتجاوز أي دولة أخرى، وقد قامت شركاتها التكنولوجية الكبرى باستثمارات ضخمة في مراكز البيانات في العام الماضي، مما سيحقق استفادة عظمى من الشراكة بين البلدين.