في خطوة اعتبرت محاولة لإعادة هيكلة القطاع المصرفي في سوريا، أصدر حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية توجيها يلزم البنوك التجارية بتكوين مخصصات مالية لمواجهة خسائرها المرتبطة بالانهيار المالي في لبنان، وتقديم خطط موثوقة لإعادة الهيكلة خلال مهلة لا تتجاوز 6 أشهر.
تزامن هذا القرار مع مرحلة تعاف هش تشهده سوريا بعد سنوات طويلة من الحرب، وفي ظل أزمة سيولة خانقة تركت آثارها الواضحة على النشاط الاقتصادي.
ومن شأن الخطوة، في حال نجاحها، إعادة تشكيل مشهد البنوك في سوريا بشكل جذري، خصوصا أن معظم البنوك المتأثرة لها جذور لبنانية أو علاقات مباشرة مع مصارف في بيروت.
انكشاف مالي يتجاوز 1.6 مليار دولار
القرار يُلزم البنوك السورية بالاعتراف الكامل بخسائرها المحتملة نتيجة تجميد ودائعها في المصارف اللبنانية، والتي تجاوزت قيمتها 1.6 مليار دولار.
وتشكل هذه الخسائر نحو ثلث إجمالي الودائع في القطاع المصرفي التجاري السوري، ما يكشف حجم الانكشاف (أي المبلغ الإجمالي الذي أودعته البنوك السورية في لبنان) الكبير على النظام المالي اللبناني.
ويهدف التوجيه إلى تصحيح الموازنات البنكية، وتعزيز الشفافية قبل المضي بأي إصلاحات هيكلية محتملة في القطاع المالي.
ويرى الخبير الاقتصادي السوري، د. محمود مفيد عبد الكريم أن الهدف من القرار:
- هو الاعتراف المحاسبي بالخسائر وإعادة تكوين رأس المال قبل الشروع بإعادة الهيكلة، لأن استمرار تعثر النظام المصرفي اللبناني وغياب اليقين بشأن استرداد الأموال، مع تراجع الناتج المحلي اللبناني من 52 إلى 23 مليار دولار بين 2019 و2021، يقلل احتمالات التعافي.
- وإدراج لبنان على القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالية زاد كلفة الامتثال وأضعف العلاقات المصرفية، ما جعل تكوين المخصصات خيارا احترازيا منطقيا.
يقول عبد الكريم في حديثه إلى "المشهد" إن "القرار يتيح مسارا منظما لإعادة الهيكلة والاندماجات وجذب مستثمرين جدد، ويهدف لإقفال ملف الانكشاف محاسبيا، وتقييم المصارف بدقة، ودفع البنوك الضعيفة لخطط اندماج، بدل إبقاء ميزانياتها مثقلة بأصول غير منتجة".
ووفق عبد الكريم فإن "تراكم الخسائر غير المعترف بها عطّل الوساطة المالية وعمّق أزمة السيولة، لذلك يسعى القرار لإنهاء الضباب المحاسبي، واستعادة الشفافية، وإعادة فتح قنوات الإقراض لدعم النشاط الاقتصادي وتقليل الاعتماد على السوق الموازية".
من جانبه يرى أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد في جامعة حماة السورية، د. عبد الرحمن، أن "إعادة الهيكلة البنكية في سوريا تواجه تحديات كبيرة. فالبنوك السورية تعاني من اختلالات هيكلية عميقة، وقد أثرت العقوبات الغربية والأزمة اللبنانية بشكل كبير على قدرتها على التعافي".
يقول د. عبد الرحمن "وفقا للبيانات، فإن البنوك تحتاج إلى تقييم رأس المال والسيولة والديون المتعثرة، مما يتطلب موارد وخبرات قد لا تكون متاحة محليا، لذلك فإن الدعم الخارجي، سواء كان ماليا أو تقنيا، سيكون ضروريا لتسهيل عملية إعادة الهيكلة وضمان نجاحها".
الانهياران التوأمان: لبنان وسوريا
شهد لبنان وسوريا أحد أسوأ الانهيارات الاقتصادية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، مع تهاوي عملتاهما وفقدان النظامان الماليان قدرتهما على أداء وظائفهما الأساسية.
ورغم اختلاف النموذجين السياسيين، لبنان ذو الاقتصاد الليبرالي المفتوح، وسوريا ذات الاقتصاد المركزي المحاصر بالحرب والعقوبات في زمن الأسد، فإن النتائج تطابقت لناحية التضخم المفرط، وفقدان الثقة المصرفية، وانهيار المستوى المعيشة في صورة تظهر التأثير الاقتصادي الواسع جداً بين البلدين بشكل متبادل.
مع انهيار المصارف اللبنانية، دخلت سوريا دوامة الانهيار بعد الحرب والعقوبات الغربية، وأدّى الارتباط المالي والتجاري بين البلدين إلى تشابك الأزمة، خصوصاً وأن لبنان شكّل رئة سوريا الاقتصادية، وانهياره سرّع الانكماش السوري.
إلى جانب الأزمة السياسية والأمنية التي تعاني منها البلاد، تعتبر الأزمة الاقتصادية، وخصوصاً تلك المتعلّقة بعملية إعادة الإعمار والدفع بعجلة الاقتصاد إلى الأمام، العقبة الأكبر التي لا يزال على حكومة الشرع المؤقتة مواجهتها، إذ تشير التقارير الدولية إلى أن كلفة إعادة الإعمار تتجاوز الناتج المحلي المتوقع لسوريا بأكثر من عشرة أضعاف، ما يكشف حجم الانهيار الاقتصادي.
كما أن العقوبات الغربية، وعلى رأسها قانون قيصر، تمنع الاستثمارات، وبينما تُقدّر الأصول السورية المجمدة بالخارج بـ120 مليار دولار، إضافة إلى ديون تتجاوز 60 مليارا لموسكو وطهران، تُعاني البلاد من أزمة ثقة استثمارية داخلية وخارجية.
يشير د. عبد الكريم إلى أهمّية "تعزيز مبادئ الحوكمة والشفافية وإدارة المخاطر داخل المصارف السورية، لضمان كفاءة الأداء ومنع تكرار الأزمات أو المفاجآت المالية مستقبلاً"، كمدخل لإعادة بناء الثقة بين السوريين والنظام المصرفي، سواء على مستوى المستثمرين أو حتى المودعين العاديين.
في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها سوريا، اتخذ مصرف سوريا المركزي خطوة مهمة بإصدار قرار يلزم المصارف بتقديم خطط لإعادة الهيكلة خلال 6 أشهر.
إن هذا القرار يأتي في وقت حساس، حيث تعاني البنوك من آثار الأزمة المالية اللبنانية، ويهدف إلى تعزيز الاستقرار المالي والثقة في النظام المصرفي. في هذا السياق، سنناقش إمكانية إعادة الهيكلة البنكية في سوريا بدون دعم خارجي، بالإضافة إلى فوائد هذه الخطوة على الاقتصاد السوري.....
من جانبه يرى د. عبد الرحمن أن "عادة هيكلة المصارف يمكن أن تكون لها فوائد كبيرة على الاقتصاد السوري. من خلال تحسين إدارة الأصول وتقليل المخاطر، يمكن أن تعزز هذه الخطوة الثقة في النظام المصرفي، مما يشجع على زيادة الاستثمارات المحلية والأجنبية. كما أن تحسين الشفافية والحوكمة في البنوك سيساعد في جذب المستثمرين، مما يساهم في دفع العجلة الاقتصادية".
يقول د. عبد الرحمن إن "معالجة الخسائر المرتبطة بالأزمة اللبنانية ستمكن البنوك من استعادة قدرتها على تقديم القروض، مما يعزز النشاط الاقتصادي ويؤدي إلى تحسين الظروف المعيشية للمواطنين، ونجاح هذه الخطوة يعتمد بشكل كبير على الدعم الخارجي والقدرة على تنفيذ خطط موثوقة. إذا تم التعامل مع هذه التحديات بشكل فعال، فإن إعادة الهيكلة يمكن أن تسهم في تحسين الوضع الاقتصادي في سوريا وتعزيز الثقة في النظام المصرفي".
هل المهلة كافية؟
انتقد بعض المصرفيين السوريين قصر مدة المهلة الممنوحة للامتثال لتوجيه تكوين مخصص. وقال أحد المصرفيين "القرار في حد ذاته مبرر، لكن المهلة ليست كذلك". وينفي المسؤولون السوريون وجود أي دوافع سياسية.
رغم اتفاق العديد من المصرفيين السوريين على منطقية القرار الصادر عن مصرف سوريا المركزي، إلا أن المهلة المحددة بـ6 أشهر لتنفيذ توجيهات تكوين المخصصات وتقديم خطط إعادة الهيكلة أثارت جدلاً داخل القطاع.
واعتبر عدد من المصرفيين أن الإطار الزمني "غير واقعي" بالنظر إلى حجم التعقيدات المالية والإدارية التي تواجهها البنوك، إضافة إلى حالة الغموض المستمرة في الملف اللبناني.
من جانبها، نفت الجهات الرسمية السورية وجود أي أبعاد سياسية خلف القرار، مؤكدة أن الخطوة تأتي ضمن جهود إصلاح شامل للقطاع المصرفي، وتهدف بالدرجة الأولى إلى حماية الاستقرار المالي وتعزيز الشفافية.
بالمقابل يرى عبد الكريم أن "اختيار مهلة 6 أشهر يهدف لإرسال رسالة بأن المصرف المركزي يتبنى نهج الشفافية والمساءلة، وأن القطاع المالي ينتقل من مرحلة الإنكار والتأجيل إلى الاعتراف والتنفيذ، ما يعزز الثقة بأن الجهات التنظيمية لن تتسامح مع التأخير ويدفع البنوك للتحرك بسرعة".
يقول عبد الكريم إن "حجم الانكشاف الكبير مقارنة بإجمالي ودائع القطاع يتطلب تحركا عاجلا لتجنب ضغوط السيولة وفقدان الثقة، لذا تُعد المهلة القصيرة محاولة لاحتواء الضرر بسرعة وتمكين البنوك من البدء بالإصلاح قبل تفاقم الأزمات".
لكن عبد الكريم يستطرد قائلاً إن "المهلة القصيرة قد تعقّد عملية إعادة الهيكلة، خاصة في بيئة صعبة ومحاصرة مثل سوريا. البنوك تحتاج لتطوير التكنولوجيا والإدارة والسياسات والتنسيق مع شركاء خارجيين، وهي أمور لا تُنجز خلال 6 أشهر. القرار مبرر لكن الوقت غير كاف، والمهلة وُضعت لتقديم خطة موثوقة لإعادة الهيكلة لا لتنفيذها الكامل".
ويشرح د. عبد الكريم أن "تكوين المخصّصات خلال فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز 6 أشهر قد يشكل ضغوطاً كبيرة على ربحية المصارف وقدرتها على توزيع الأرباح، ما قد ينعكس سلباً على ثقة المودعين. وإذا تراجعت معدّلات الإقراض أو توقفت كلياً، فإن المصارف قد تفقد جزءاً كبيراً من نشاطها الأساسي، الأمر الذي يؤدي إلى انكماش عام في القطاع المصرفي ويؤثر بالتالي على وتيرة النمو الاقتصادي".
يقول عبد الكريم "تُظهر الدراسات أن أي زيادة في رأس المال أو في حجم المخصّصات تنعكس سلباً على نمو الإقراض في الأجل القصير، فكل ارتفاع بنسبة 1% في رأس المال يقابله انخفاض بنحو 2% في نمو القروض. وفي ظلّ البيئة الاقتصادية السورية الحالية، التي تتّسم بالعقوبات وشحّ السيولة، يصبح من الضروري وجود تنسيق فعلي مع مصرف سورية المركزي، بحيث لا يقتصر دوره على فرض تكوين المخصّصات، بل يمتدّ إلى المساهمة في إيجاد حلول عملية تضمن استمرارية القطاع واستقراره".