تتعرض بيتكوين لموجة هبوط حادة دفعتها إلى ما يصفه المتعاملون بـ"المنطقة الحرجة"، في سوق تتسم بضعف السيولة وارتفاع الحساسية لأيّ ضغوط بيعية جديدة.
فقد تراجعت أكبر عملة مشفرة في العالم خلال تداولات الجمعة، بما يصل إلى 7.6% لتلامس مستوى يقارب 80,553 دولارًا، في موجة بيع محتها تقريبًا ربع قيمة بيتكوين خلال شهر واحد، ليبدو نوفمبر في طريقه ليصبح أسوأ شهر للعملة منذ سلسلة الانهيارات الكبرى في 2022 التي شهدت سقوط "تيرا" و"إف تي إكس" وكيانات عدة كبرى في قطاع الكريبتو.
بيع كثيف في السوق الفورية وخروج أموال من صناديق بيتكوين
يعود الجزء الأكبر من الهبوط الحالي إلى ضغوط بيعية في السوق الفورية، تشمل:
- عمليات استرداد من صناديق البيتكوين المتداولة في البورصة (ETFs).
- تحركات من محافظ قديمة "استيقظت" بعد سنوات من السكون وبدأت في بيع كميات من البيتكوين.
- تراجع شهية متعاملي الزخم (Momentum Traders) الذين كانوا يراهنون على استمرار موجة الصعود السابقة.
هذا المزيج قلّص جانب الطلب في السوق في وقت تتراجع فيه تدفقات الشراء المؤسسي عبر الصناديق المتداولة، ما أفقد السوق طبقة مهمة من الطلب كانت سابقًا تساعد على امتصاص الصدمات خلال موجات الهبوط السريعة.
"غاما" تضغط على صانعي السوق
رغم أنّ المحرك الأساسي للهبوط يبقى البيع في السوق الفورية، فإنّ سوق الخيارات على بيتكوين أضافت طبقة إضافية من التعقيد والتقلب.
عند مستوى 85 ألف دولار، كان هناك تركّز كبير في عقود بيع (Put Options)، ما وضع صانعي السوق (Market Makers) تحت التزام كبير بالتحوط ضد هذه العقود.
في مثل هذه الحالة يكون هؤلاء الوسطاء في وضعية تسمى "Short Gamma"، أي أنّ انخفاض السعر يزيد من مخاطرهم، فيضطرون إلى بيع المزيد من بيتكوين كلما هبط السعر للحفاظ على مراكزهم محايدة قدر الإمكان. هذا السلوك الفني يؤدي عمليًا إلى تسريع الهبوط بدلًا من تهدئته.
محللون أشاروا إلى أنّ بيتكوين "ما زالت عرضة لضغوط تقنية مستمرة، مع إمكانية تسارع الهبوط مدفوعًا بعوامل الجاما إذا كُسرت مستويات دعم رئيسية"، في إشارة إلى حساسية السوق لمثل هذه الترتيبات في المشتقات.
التحول عند مستوى 80 ألف دولار.. من بيع إجباري إلى شراء تحوّطي
تُظهر نماذج تسعير الخيارات، أنّ مستوى 80 ألف دولار يمثّل نقطة تحوّل فنية مهمة في سلوك صانعي السوق.
- قرب 85 ألف دولار: كان صانعو السوق في وضع Short Gamma، أي أنّ هبوط السعر يزيد المخاطر، فيدفعهم إلى بيع بيتكوين إضافية للتحوط.
- قرب 80 ألف دولار: تنقلب الصورة إلى Long Gamma، أي أنّ مزيدًا من الهبوط يقلل مخاطرهم، ويدفعهم بالعكس إلى شراء بيتكوين لإعادة مراكزهم إلى الحياد.
هذا التحول يعني أنّ استمرار الضغط البيعي تحت مستوى 80 ألف دولار، قد يقابله تدفقات شراء فنية من جانب صانعي السوق، ما يمكن أن يخفف حدة الهبوط، لكن دون ضمان ارتداد قوي في ظل استمرار نشاط البائعين الذين يتحركون مع الزخم الهابط.
عقود دائمة تحت الضغط وتصفيات إجبارية تعمّق الهبوط
لا يقتصر التوتر على سوق الخيارات؛ فسوق العقود الدائمة (Perpetual Futures) على بيتكوين يرسل إشارات مشابهة للضغط، ما زال حجم المراكز المفتوحة (Open Interest) مرتفعًا، كما أنّ العديد من المتداولين الذين راهنوا على استمرار الصعود أصبحوا عالقين في مراكز خاسرة، ومع استمرار الهبوط، بدأت التصفية الإجبارية للمراكز الممولة بالهامش، ما يطلق أوامر بيع تلقائية تزيد من سرعة التراجع.
في الوقت نفسه، كانت هناك أوامر شراء مكدّسة قرب القمة السابقة حول 98 ألف دولار في محاولة من المتفائلين لاقتناص أي هبوط محدود، لكنّ سقوط السعر بقوة أسفل 85 ألف دولار ترك تلك الأوامر "معلقة" بعيدًا عن السوق الفعلية.
سيولة أضعف وعمق سوق أقل.. ما يفاقم أثر أي موجة بيع
أحد أهم الملامح في الهبوط الحالي هو تراجع عمق السوق (Market Depth) على منصات التداول الكبرى. فمع انخفاض عدد أوامر الشراء القوية في مستويات الأسعار القريبة، تصبح أيّ موجة بيع حتى لو بحجم متوسط، قادرة على تحريك السعر لمسافات أكبر وأسرع مما كان يحدث في فترات السيولة المرتفعة.
هذا النمط ليس حكرًا على الكريبتو؛ إذ يذكر المتعاملون أنّ الخلطة نفسها من سيولة ضعيفة، وإستراتيجيات تحوط آلية، وتصفية مراكز مموّلة بالهامش.
يمكن أن تظهر في أسواق الأسهم والسندات والسلع عندما تصطدم تحركات سريعة في الأسعار بإستراتيجيات إدارة المخاطر لدى المؤسسات الكبيرة.