شنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب حملة غير مسبوقة للهيمنة على الاحتياطي الفيدرالي، بلغت ذروتها بمحاولته إقالة العضو في مجلس الاحتياطي الفيدرالي ليزا كوك. لكن المفاجأة أن رد فعل وول ستريت كان أقرب إلى التثاؤب. هذه اللامبالاة قد تبدو صادمة، لكنها ليست مستغربة.
ووفقا لتقرير "بوليتيكو"، فإدارة ترامب الثانية تتمحور حول قضيتين أساسيتين:
- الوتيرة غير المسبوقة للهجوم على سيادة القانون والنظام الدستوري الأميركي.
- الضعف غير المسبوق في رد فعل المؤسسات الكبرى تجاه تلك الهجمات.
وسلوك وول ستريت السلبي إزاء اعتداء ترامب على استقلالية الفيدرالي هو أحدث مثال على هذه الظاهرة.
خلاف ترامب وجيروم باول
ويعتبر الاقتصاديون استقلال الاحتياطي الفيدرالي أمرًا شبه مقدس، باعتباره الضامن الأفضل لاستقرار الاقتصاد على المدى الطويل بعيدًا عن ضغوط البيت الأبيض والكونغرس.
غير أن ترامب ينظر إلى مؤسسة نقدية مستقلة كعدو له. فمنذ شهور، وهو يضغط على رئيس الفيدرالي جيروم باول لخفض أسعار الفائدة من أجل تحفيز الاقتصاد، رغم قناعة باول بأن الوقت لم يكن مناسبًا لذلك. بالنسبة لترامب، القادم من عالم العقارات، فإن الفوائد المنخفضة تعني هبة سماوية.
ورغم هذا التصعيد، ظل المستثمرون هادئين إلى حد كبير. حتى عندما هدد ترامب بإقالة باول نفسه، خطوة مشكوكًا في قانونيتها، لم تهتز الأسواق إلا قليلًا وسرعان ما تعافت.
لماذا لم ترتجف الأسواق؟
ووفقا لتحليل المجلة الأميركية، هناك أسباب عدة:
- ثقة مبالغ فيها بقدرة باول والفيدرالي على الصمود أمام ضغوط ترامب.
- ارتباك حقيقي في وول ستريت بشأن تداعيات خضوع الفيدرالي لسيطرة ترامب المباشرة.
- التجارب السابقة مع سياساته التجارية المتقلبة زرعت أوهامًا مهدئة لدى المستثمرين، خصوصًا مع المقولة الرائجة في وول ستريت: ترامب يتراجع دائمًا في النهاية.
كما أن الأسواق لا تعكس فقط المعلومات الجديدة، بل تحللها عبر منظور ما يظنه المتداولون أن أقرانهم يعتقدونه.
هذه الحكمة التقليدية في الأسواق صلبة بشكل مدهش، حتى أمام أحداث سياسية تبدو انفجارية لمن هم خارج دائرة المال. فمثلًا، حين فاز ترامب في انتخابات نوفمبر الماضي، كان الاعتقاد السائد أن ذلك جيد للأسهم، وبالفعل ارتفعت السوق.
مهاجمة الفيدرالي
وكررت جماعات الأعمال والمحافظون أن عدم اليقين الضريبي والتنظيمي يعرقل النمو ويهوي بالأسواق. هذه الحجة كانت محورًا أساسيًا في تفسير بطء التعافي بعد الأزمة المالية العالمية. لكن هذه الرواية لم تبدُ عبثية كما هي اليوم.
فترامب لم يكتفِ بمهاجمة الفيدرالي، بل قوض النظام التجاري العالمي وحوّل الرسوم الجمركية إلى أداة شخصية متقلبة، كما ركز سلطة غير مسبوقة على ميزانية الحكومة الفيدرالية، مدّعيًا حق عدم إنفاق الأموال التي يقرها الكونغرس.
كذلك وسّع نطاق سيطرته على الوكالات الفيدرالية بما فيها تلك المصنفة قانونيًا مستقلة، بل لجأ حتى إلى استخدام الجيش في مدن أميركية.
ومع ذلك، تظل الأسواق متماسكة، غير آبهة بحجم عدم اليقين المتزايد حول مستقبل الاقتصاد والسياسة في الولايات المتحدة.