معركة لوبيات بين عمالقة التبغ تهدد مصير إعفاء ضريبي بمليارات الدولارات في مشروع ترامب الضريبي، فالسباق يحتدم بين "ألتريا" و"بريتيش أميركان توباكو" وسط انقسامات داخل الكونغرس الأميركي وتأثيرات محتملة على الانتخابات النصفية المقبلة.
وتخوض اثنتان من كبريات شركات التبغ في الولايات المتحدة معركة ضغط سياسي شرسة بشأن بند محوري في مشروع قانون الضرائب والإنفاق الضخم الذي يدعمه الحزب الجمهوري.
فقد تضمّن مشروع القانون الذي أقرّه مجلس النواب الشهر الماضي نصاً لإلغاء إعفاء ضريبي بقيمة 12 مليار دولار كانت تستفيد منه شركات التبغ – معظمها في ولاية نورث كارولاينا – لتقليل تكاليف تصدير منتجاتها. أما نسخة مشروع القانون التي يناقشها مجلس الشيوخ، فتبقي على الإعفاء دون تغيير.
ومع استمرار الجدل بين غرفتي الكونغرس حول الصيغة النهائية للتشريع، يجد السناتور الجمهوري "توم تيليس" من نورث كارولاينا – والذي يستهدفه الديمقراطيون في الانتخابات النصفية المقبلة – نفسه في قلب العاصفة.
التبغ في قلب أولويات المشرعين
في الوقت الذي تضخ فيه قطاعات التمويل والرعاية الصحية والطاقة النظيفة ملايين الدولارات في واشنطن للتأثير على قانون "One Big Beautiful Bill Act" الذي يُعدّ حجر الأساس في أجندة الرئيس دونالد ترامب لولايته الثانية، يبدو أن معركة التبغ الضريبية قد تكون من بين أكثر حملات الضغط تكلفةً هذا العام.
البند الخلافي المعروف باسم "استرداد الرسوم الجمركية" أو duty drawback يمنح الشركات الأميركية فرصة استرداد الضرائب والرسوم عند تصدير التبغ الخام، إذا ما تم تصنيع المنتج النهائي خارج الولايات المتحدة. وتستغل بعض الشركات ذلك بشراء التبغ المحلي، وإرساله إلى الخارج لتصنيعه، ثم إعادة استيراده كمنتج نهائي، ما يتيح لها استرداد جزء كبير من الضرائب الفيدرالية.
لكن شركات مثل "ألتريا" – الشركة الأم لـ "فيليب موريس" – والتي تُنتج معظم منتجاتها داخل أميركا ولا تصدرها، لا تستفيد من هذا الإعفاء، وهو ما يدفعها للضغط لإلغائه.
أرقام ضخمة وجدل اقتصادي
وفقاً لإفصاحات فيدرالية، أنفقت "ألتريا" نحو 5 ملايين دولار خلال النصف الأول من 2025 على الضغط السياسي في قضايا تشمل هذا الإعفاء الضريبي، في حين أنفقت "بريتيش أميركان توباكو" (المالكة لـ RJ Reynolds) و"جابان توباكو إنترناشونال" نحو 170 ألف دولار لكل منهما في الفترة نفسها.
وكانت إدارة ترامب الأولى قد حاولت إلغاء هذا البرنامج تنفيذيًا، لكن محكمة اتحادية أبطلت القرار. أما الآن، فبفضل جهود "تيليس"، أزال مجلس الشيوخ بند الإلغاء من مسودة القانون، ما يعني الحفاظ على الإعفاء.
ويحذر مكتب الميزانية في الكونغرس من أن مشروع القانون قد يزيد الدين العام الأميركي بنحو 3.3 تريليونات دولار خلال 10 سنوات، ما يجعل إلغاء أي إعفاء – مثل إعفاء التبغ – أمرًا جذابًا لتقليص كلفة المشروع.
في المقابل، أظهر استطلاع حديث لصحيفة واشنطن بوست بالتعاون مع إيبسوس أن غالبية الأميركيين يعارضون المشروع، خصوصًا البند المتعلق بتقليص برامج مكافحة الفقر والجوع لتمويل التخفيضات الضريبية.
"تيليس": الإعفاء يحمي المزارعين
السناتور "تيليس" أشار إلى ضرورة إيجاد بديل للإيرادات البالغة 12 مليار دولار التي ستخسرها الخزانة في حال استمرار الإعفاء، لكنه شدد على أن إلغاءه سيضر بمزارعي التبغ في ولايته. وبحسب "مؤسسة جون لوك" ذات التوجه المحافظ، يضخ قطاع التبغ نحو 31 مليار دولار سنويًا في اقتصاد نورث كارولاينا.
وقال تيليس: "رغم وجود خلاف حول هذه السياسة، فإنهم شركاء، إنها حالة من المنافسة-التعاونية الكلاسيكية"، مشيرًا إلى أن العديد من الشركات تتشارك المزارعين والموردين. وأضاف: "قلقي الأكبر هو التأثير على المزارعين".
مصالح متضاربة ومصير سياسي
ووصف متحدث باسم "ألتريا" الإعفاء بأنه "دعم نقدي مباشر من الحكومة الأميركية لشركات التبغ"، محذرًا من أن الإبقاء عليه سيشجع الشركات على استغلاله بشكل أوسع.
من جهتها، قالت "RJ Reynolds" إن إلغاء الإعفاء "يشكل تهديدًا خطيرًا لاقتصاد نورث كارولاينا، وقد يؤدي إلى عواقب مدمرة على المزارعين".
وتؤكد "كيمبرلي فولي"، المديرة التنفيذية لجمعية مزارعي التبغ، أن التبغ هو العمود الفقري الاقتصادي للعديد من المزارع، إذ يسمح للمزارعين بتمويل زراعات أخرى مثل البطاطا الحلوة والذرة والفواكه. لكن بدون الإعفاء، ستتراجع قدرة الشركات على شراء المحصول بأسعار مجزية، ما يهدد استدامة هذا النموذج الزراعي المتعدد.
وتوضح فولي: "التبغ هو ما يموّل كل شيء آخر. خسارة حجمه الإنتاجي إما تسلب المزارع مصدر دخلها الأساسي، أو تجعل تشغيلها غير مجدٍ اقتصاديًا".
معركة انتخابية تلوح في الأفق
من المتوقع أن يكون هذا الملف حاضرًا في سباق مجلس الشيوخ في نورث كارولاينا لعام 2026، الذي قد يحدد مَن يسيطر على الغرفة العليا بعد الانتخابات النصفية. ويُحاول الديمقراطيون استقطاب الحاكم السابق "روي كوبر" لخوض السباق ضد "تيليس"، بينما أعلن النائب الديمقراطي "وايلي نيكل" ترشحه بالفعل.
ووفقًا لمنصة OpenSecrets المتخصصة بتتبع الإنفاق السياسي، فإن لجان العمل السياسي وأفرادًا مرتبطين بـ"ألتريا" و"بريتيش أميركان توباكو" يُعدّون من أبرز ممولي حملة "تيليس"، حيث ساهمت "ألتريا" بأكثر من 77 ألف دولار، في حين بلغت مساهمة "BAT" أكثر من 44 ألف دولار بين عامي 2019 و2024.
ومع ذلك، فإن مزارعي التبغ، إلى جانب القيمة الرمزية للنبتة في تراث الولاية، يظلون قوة مؤثرة ووجهًا يحظى بالتعاطف في السياسة المحلية.
وقال "راي ستارلينغ"، مستشار تيليس السابق: "لا يزال التبغ يحتل مكانة ثقافية كبيرة في نورث كارولاينا. هناك جيل كامل من أبناء التبغ، ممن ساعدهم هذا القطاع في شراء أول حذاء رياضي لهم. هناك احترام واسع للقطاع وللعمل الجاد الذي يمثله".