حذر تقرير حديث صادر عن البنك الدولي من الآثار طويلة الأجل لارتفاع الأسعار وانعدام الأمن الغذائي للدول منخفضة الدخل في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إذ طالب باتخاذ إجراءات تستهدف معالجة التحديات الإنمائية طويلة الآجل قبل أن تخرج عن نطاق السيطرة في السنوات القادمة.
ويقول التقرير الذي يحمل عنوان "حين تتبدّل المصائر"، واطلعت عليه منصة "المشهد"، إن الاقتصادات المستوردة للنفط والمواد الغذائية في المنطقة واجهت ضغوطا متزايدة في عام 2022، لتزيد من سوء الأوضاع القائمة من قبل، خصوصا مواطن الضعف في المالية العامة بسبب ارتفاع مستويات الدين العام.
ويشير البنك الدولي في تقريره إلى أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية يجعل من الصعب على الأسر تلبية احتياجاتها الأساسية في المنطقة، كما أن التضخم يلحق الضرر بالفقراء بشكل أكثر خصوصا أنهم ينفقون معظم ميزانياتهم على الغذاء والطاقة.
ويعاني الاقتصاد العالمي من ارتفاعات كبيرة في معدلات التضخم منذ العام الماضي، إذ يقدر صندوق النقد الدولي ارتفاع التضخم العالمي بأكثر من الضعف خلال العام الماضي ليسجل نحو 8.7%.
انتشار انعدام أمن الغذاء
أيد الخبراء الاقتصاديون الذين تحدثوا لمنصة "المشهد"، التأثيرات غير المواتية لخطر انعدام الأمن الغذائي في المنطقة خلال الأعوام الماضية بفعل ارتفاع أسعار الغذاء بشكل مطرد خلال العام الماضي.
ووفق تقرير البنك الدولي فإن معدل انتشار انعدام الأمن الغذائي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا شهد ارتفاعا مطردا خلال السنوات الماضية، حيث سجل 17.6% في عام 2023، من حوالي 11.8% في عام 2006، مما يعني أن شخصا واحدا من بين كل 5 أشخاص في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا سيعاني على الأرجح من انعدام الأمن الغذائي في هذا العام.
مستشار وزير التموين والتجارة سابقا في مصر والخبير الاقتصادي مدحت نافع انتقد في حديثه مع منصة "المشهد" البنك الدولي وتقريره على الرغم من اتفاقه على معظم ما جاء فيه، إذ يقول: "هناك اختلال بين نماذج النمو بين دول شمال وجنوب الكرة الأرضية، وهذا الخلل يرسخه ويعززه البنك الدولي في تقاريره، ليخدم الغرب الغني، ويتم تمرير موجات التضخم وارتفاع الأسعار إلى دول الجنوب الأفقر، وذلك من خلال المغالاة في ارتفاع أسعار السلع والخدمات ذات الميزة التنافسية النسبية المصدرة من دول الغرب والتي تعتمد بشكل كبير على المواد الخام من دول المنطقة".
وتابع بالقول: "أزمة الغذاء دائما ما تُستغل للضغط على الدول الأقل تطورا لتخفيض فاتورة المواد الخام. في المقابل الدول الغنية لا تريد أبدا أن تخفض من فاتورة صادراتها".
لكن الخبير الاقتصادي المصري عاد ليشير إلى ما جاء في التقرير من أزمة قائمة تهدد المجتمعات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، قائلا: "بالتأكيد انعدام الغذاء حتى لو كانت أزمة مؤقتة وأقل حدة، ستتسبب في أضرار طويلة الأجل، خصوصا إذا ترتب عليها ارتفاع الديون".
وارتفع متوسط تضخم أسعار المواد الغذائية في المنطقة على أساس سنوي خلال الفترة بين مارس وديسمبر 2022 إلى 29%، وهي نسبة أعلى بكثير من التضخم العام البالغ 19.4%، بحسب ما جاء في التقرير.
ضغوط مالية
من المرجح أن يؤدي تشديد الأوضاع المالية إلى زيادة المديونيات الحرجة في اقتصادات الأسواق الناشئة، وفق ما ذكر البنك الدولي في تقريره، والذي يضيف أن ارتفاع التضخم لا يزال يشكل تحديا على المدى القصير خاصة في بلدان المنطقة التي شهدت انخفاضا في قيمة عملاتها المحلية.
ويعتبر المحلل الاقتصادي السعودي فيصل الدوخي في حديثه مع منصة "المشهد"، أن الدول غير المصدرة للنفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تأثرت بشكل أكثر حاد من الأزمات الاقتصادية المصاحبة للحرب في أوكرانيا، مؤكدا أن ارتفاع التضخم تسبب في زيادة التكاليف وأضعف القدرة الشرائية لمواطني تلك الدول مما زاد من مخاطر انعدام الأمن الغذائي.
ويضيف الدوخي: "إلى جانب ذلك هناك معضلة أخرى تواجه الدول المستوردة للنفط في المستقبل تتمثل في ارتفاع مستويات الديون، حيث يمكن أن يؤدي ذلك إلى تراجع الثقة في الاقتصاد وعدم الاستقرار المالي فيها، بما يزيد من مخاطر الأزمات المالية".
ووفق تقرير "حين تتبدّل المصائر" فإن ارتفاع مستويات الدين كنسبة مئوية من إجمالي الناتج المحلي يرتبط ارتباطا إيجابيا بالتضخم العام، إذ يشير إلى أن تقلبات أسعار الصرف قد تكون عاملا مهما في الصلة بين التضخم والديون في بلدان المنطقة، حيث تجد البلدان ذات المستويات الأعلى من الديون صعوبة أكبر في استخدام الموارد للتخفيف من الضغوط على عملتها، الأمر الذي من شأنه أن يزيد من احتمالية حدوث انخفاضات أكبر في قيمة العملة المحلية وتضخم في أسعار السلع المستوردة.
بدوره، أكد الخبير الاقتصادي الجزائري الدكتور مراد كوشي أن ارتفاع التضخم تسبب في ضغوط مالية على البلدان المستوردة للنفط، حيث يقول في حديثه مع منصة "المشهد": دول مثل مصر وتونس وغيرها من الدول المستوردة للنفط والغاز في المنطقة لجأت إلى الاستدانة، خصوصا أن التضخم العالمي جعل ميزانياتها تتحمل أعباء إضافية إلى جانب تأثر قطاعات تعتبر مصدرا للعملة الصعبة مثل السياحة".
ويضيف كوشي: "أعتقد أنه خلال الفترة المقبلة سوف تستمر معدلات التضخم في الارتفاع في الدول غير المصدرة للنفط وأيضا سوف تشهد الاقتصادات تباطؤا في النمو لأن أسباب الأزمة لا تزال سائدة (..) وكل المعطيات تشير إلى صعوبة وضع الدول المستوردة للنفط في المنطقة حال استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء عالميا".
وشكل ارتفاع التضخم وارتفاع أسعار المواد الغذائية تحديا لاقتصادات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بحسب البنك الدولي الذي يتوقع في تقريره أن يتباطأ معدل النمو الاقتصادي للمنطقة في 2023 إلى 3% بعد نموه بنسبة 5.6% في عام 2022.
ويعتبر الخبير الاقتصادي الجزائري أن مسار الأزمة الاقتصادية الراهنة لا يمكن التنبؤ به، ويضيف "أعتقد أن أزمة الغذاء والطاقة قد تزداد حدة في المستقبل".
ويتفق المستشار السابق لوزير التموين في مصر مع الخبير الاقتصادي الجزائري، معتبرا أن مسار الأزمة الحالية يمكن أن يأخذ شكلا أكثر استقرارا إذا ما هدأت الحرب في أوكرانيا، قائلا: "كلمات هدأت حدة الأزمة الروسية الأوكرانية سيكون لذلك انعكاس إيجابي على سلاسل الإمداد، وانتهاء وتيرة زيادة أسعار الفائدة في الولايات المتحدة".
فيما يؤكد المحلل الاقتصادي السعودي أن الأزمة الاقتصادية الراهنة، قد تستمر لفترة طويلة إذا لم يتم التعامل مع العوامل التي تسببت فيها بشكل فعال.
كيف نتجنب الآثار؟
بحسب ما قاله الخبراء الاقتصاديون في حديثهم مع منصة "المشهد" فإن تجنب آثار الأزمة الراهنة على مستقبل الأمن الغذائي يعتمد بشكل كبير على التعاون بين الدول النامية والإقليمية للبحث عن بدائل جديدة للحد من ارتفاعات أسعار المواد الغذائية ونقصها، حيث يقول مدحت نافع إن التكامل بين الدول النامية يتيح حلولا لهذه الأزمات، "وأعتقد أن نموذج تجمع دول بريكس إلى جانب مبادرة الحزام والطريق يمكن أن يقدما بدائل مؤثرة".
وتابع بالقول: "يمكن أن توفر الدول النامية إذا ما تعاونت معا بدائل فعالة. وهذا لا يعني أبدا الانعزال أو مقاطعة الدول المتقدمة، بل بالعكس إقامة تجارة على أساس من العدالة والتوازن، وهذا يحقق نوعا من الاستدامة، ويدفع نحو الخروج من الأزمة".
ويتفق مع ذلك الخبير الاقتصادي الجزائري، لكنه شدد في حديثه على أهمية التكامل العربي والاستغلال الأمثل للموارد المختلفة والمتنوعة بين بلدان المنطقة خصوصا في القطاع الزراعي والإنتاج الغذائي، مشيرا في ذات السياق إلى أن التكامل يجنب المنطقة أزمات اقتصادية واجتماعية كبيرة.
بدوره، يرى المحلل الاقتصادي السعودي أنه من الأهمية العمل على تخفيف تأثير الزيادة المؤقتة في الأسعار على المستهلكين والمنظومة الغذائية بصورة عاجلة، من خلال تنفيذ إجراءات مثل تحسين الإنتاجية الزراعية وتحسين إدارة الموارد الطبيعية بما يعزز الأمن الغذائي.
ويضيف: "من المهم العمل على تطبيق سياسات اقتصادية فعالة وتنفيذ إجراءات لتعزيز الاستثمار والتنمية الصناعية وتحسين الخدمات الاجتماعية وتعزيز التجارة الدولية للحد من تأثير الأزمة الاقتصادية والعمل على انحسارها، والحد من تبعاتها على الأمن الغذائي".
إلى ذلك، يعتبر تقرير البنك الدولي أن انعدام الأمن الغذائي يتسم بالتعقيد ولا توجد سياسة واحدة تناسب جميع الأحوال، لكنها أشار إلى أهمية تصدي واضعي السياسات لانعدام الأمن الغذائي قبل أن يصبح حادا ويتحول إلى مجاعة.