ازداد التساؤل حول من هو دو كوون، بعدما أثار الكثير من الجدل في عالم العملات الرقمية، وتحول من وجه بارز في الابتكار المالي إلى نموذج صارخ لمخاطر المضاربة والاحتيال في سوق الكريبتو.
وتعكس تجربته مع مشروع تيرا لونا، كيف يمكن لفكرة تبدو ثورية على الورق أن تنتهي بانهيار عنيف يهز ثقة المستثمرين، ويُسرع تدخل الجهات التنظيمية حول العالم.
من هو دو كوون في عالم العملات الرقمية؟
الإجابة على تساؤل من دو كوون، فهو رائد أعمال كوري جنوبي في منتصف الثلاثينيات، شارك في تأسيس شركة "تيرافورم لابس" التي طورت شبكة "تيرا" على البلوكتشين، وصعد نجمه سريعًا مع الترويج لنظام مالي رقمي متكامل يعتمد على عملة مستقرة خوارزمية وعملة رئيسية داعمة، ليصبح خلال فترة وجيزة واحدا من أشهر الأسماء في قطاع العملات الرقمية على مستوى العالم.
وقدم كوون نفسه كصوت واثق ومتمرد على النظام المالي التقليدي، وروج لعملة تيرا المستقرة باعتبارها بديلًا رقميًا مبتكرًا يوفر استقرار السعر مع عوائد مرتفعة عبر بروتوكولات التمويل اللامركزي، قبل أن يتضح لاحقا هشاشة هذا النموذج أمام ضغوط السوق وفقدان الثقة.
صعود تيرا لونا كنموذج جديد في العملات الرقمية
قام مشروع تيرا على عملتين أساسيتين داخل المنظومة، العملة المستقرة "تيرا يو إس دي" المرتبطة نظريًا بسعر 1 دولار، وعملة "لونا" التي تمتص الصدمات وتحافظ على استقرار النظام.
واعتمد التصميم، على خوارزمية تعدل المعروض من العملتين تلقائيًا للحفاظ على ثبات السعر.
في ذروة النجاح، وصلت القيمة السوقية المشتركة لتيرا يو إس دي ولونا لعشرات المليارات من الدولارات، وأصبح المشروع من أكبر منظومات العملات الرقمية بعد بيتكوين وإيثيريوم.
وساهم بروتوكول "أنكور" الذي وفّر عوائد مرتفعة على الإيداعات في جذب سيولة ضخمة من المستثمرين الباحثين عن دخل ثابت داخل عالم الكريبتو عالي المخاطر.
انهيار 2022 وتأثيره على سوق العملات الرقمية
في مايو 2022، فقدت تيرا يو إس دي ارتباطها بالدولار، وبدأت موجة بيع واسعة، لتدخل المنظومة فيما عُرف بـ"دوامة الموت".
ومع محاولة الخوارزمية الدفاع عن سعر العملة المستقرة، جرى إصدار كميات هائلة من عملة لونا، ما أدى إلى تضخم جنوني في المعروض وانهيار السعر تقريبًا إلى الصفر خلال أيام قليلة.
النتيجة كانت اختفاء نحو 40 مليار دولار من القيمة السوقية في فترة وجيزة، وتسجيل خسائر فادحة لعشرات الآلاف من المستثمرين حول العالم.
هذا الانهيار لم يضرب مشروع تيرا فحسب، بل ساهم في موجة صدمة أوسع داخل سوق العملات الرقمية، وزاد من حذر المؤسسات المالية والجهات التنظيمية تجاه المنتجات المعقدة مثل العملات المستقرة الخوارزمية.
من رائد في العملات الرقمية إلى مدان بالاحتيال
مع اتضاح حجم الخسائر، فتحت السلطات الأميركية والكورية الجنوبية سلسلة من التحقيقات ضد دو كوون وشركته.
وكشفت وثائق قضائية، أنه خلال أزمة سابقة في 2021، عندما فقدت تيرا يو إس دي ربطها بالدولار، تم دعم السعر سراً من خلال شركة تداول عالية التردد قامت بشراء كميات كبيرة من العملة، لإظهار أن الخوارزمية نجحت في استعادة الاستقرار، دون إبلاغ المستثمرين بهذه التدخلات.
اعتبرت الجهات الرقابية هذه التصرفات تضليلا متعمدا، وليس مجرد فشل تقني أو سوء تقدير للسوق. وفي قضاياها المدنية، اتهمت هيئة الأوراق المالية الأميركية دو كوون وتيرافورم لابس بتسويق أوراق مالية رقمية بطريقة احتيالية، والمبالغة في استقرار النظام وشراكاته واستخدامه في مدفوعات حقيقية.
انتهت هذه المسارات عام 2024 بتسوية مدنية ضخمة تجاوزت قيمتها 4.5 مليارات دولار، تضمنت غرامات مالية باهظة وحظرا شبه كامل على تعامل دو كوون مع مجال العملات الرقمية.
وفي 2025، اعترف أمام محكمة فدرالية في الولايات المتحدة بالتآمر للاحتيال والاحتيال الإلكتروني، لتصدر بحقه لاحقا عقوبة بالسجن لمدة 15 سنة، على خلفية ما وصفه القاضي بأنه "احتيال بحجم أسطوري" ألحق خسائر هائلة بالمستثمرين.
دروس لق المستثمرين في العملات الرقمية
تكشف تجربة دو كوون أن السؤال "من هو دو كوون" لا يمكن فصله عن بنية سوق العملات الرقمية نفسها؛ فهي سوق عالية المخاطر، تعتمد في جزء كبير منها على الثقة والسرديات التسويقية، وتتأثر بشدة بقرارات عدد محدود من المطورين والمؤسسين.
فكلما كان المشروع أكثر تعقيدًا وأقل شفافية، ارتفع احتمال تعرض المستثمرين لانهيارات مفاجئة.
من أهم الدروس المستفادة ضرورة التمييز بين العملات المستقرة المدعومة باحتياطيات واضحة ومعلنة، وبين العملات المستقرة الخوارزمية التي تعتمد على نماذج نظرية غير مجربة بشكل كاف في أوقات الضغط. كما تؤكد القصة أهمية تنويع المخاطر وعدم توجيه مدخرات كبيرة إلى مشروع واحد مهما كانت الوعود المعلنة جذابة.
تأثير قصة دو كوون على مستقبل العملات الرقمية
أدت قضية دو كوون وانهيار تيرا لونا، إلى تسريع وتيرة تدخل الجهات التنظيمية في أسواق العملات الرقمية، خاصة في ما يتعلق بالعملات المستقرة والمنتجات المرتبطة بعوائد مضمونة أو مرتفعة.
وأصبحت متطلبات الشفافية والإفصاح عن آليات الربط والاحتياطيات وإدارة المخاطر أكثر تشددا في العديد من الأسواق.
ورغم الضربة العنيفة التي تلقاها قطاع الكريبتو، فإن قصة تيرا تدفع الصناعة اليوم نحو مرحلة أكثر نضجا، يكون فيها النجاح مرتبطا بقدرة المشروعات على الجمع بين الابتكار التكنولوجي والانضباط التنظيمي، بحيث لا يتكرر السؤال "من هو دو كوون" باعتباره عنوانا لانهيار جديد، بل يصبح تذكيرا دائمًا بمخاطر تجاهل قواعد الحوكمة والإفصاح داخل عالم الأصول الرقمية.