لا صوت في القارة السمراء يعلو فوق الحديث عن سد النهضة الإثيوبي، هذه المرة ليس بشأن التأثيرات على دول المصب، ولا التداعيات الاقتصادية على دول المنبع، لكن تزايد الحديث عن اتجاه أديس أبابا لبيع جزء من كهرباء السد الجديد لشركات تعدين العملات المشفرة، فما حقيقة هذه القصة؟، وهل ستقدم إثيوبيا على توقيع عقود مع شركات التعدين، وسط تزايد الضغوط الداخلية لتوفير الطاقة لجميع مناطق البلاد؟.
إثيوبيا تسعى إلى التحول لتصبح رقما في سوق الطاقة الرقمية، بعدما بدأت في تسويق جزء من الكهرباء المولَّدة من سدّ النهضة لشركات تعدين البيتكوين ومراكز البيانات الأجنبية، بحسب ما كشفت عنه بلومبرغ في تقرير لها.
ورغم أن الخطوة لم يتم إعلانها رسميًا من جانب أديس أبابا، إلا أن الهدف الذي كشفته بلومبرغ هو تحقيق عوائد بالعملة الصعبة للحكومة، وسط إيرادات أولية قدرتها تقارير صحفية بحوالي 290 مليون دولار خلال فترة قصيرة، لكنها في المقابل أثارت انتقادات واسعة بسبب الاستهلاك الكثيف للطاقة، وما يترتب عليه من ضغوط على شبكة التوزيع الوطنية، في دولة تعاني شحا في الكهرباء، إذ يعيش قرابة 60 إلى 70% من شعب إثيوبيا دون كهرباء.
عائدات بيع الكهرباء لشركات التعدين
وأفاد تقرير بلومبرغ، أنه "من المنتظر أن يستحوذ معدّنو العملات المشفرة على نحو 30% من الكهرباء التي يولدها أكبر سد كهرومائي بإفريقيا، إذ يتتجه نظام أبي أحمد لبيع الطاقة لمراكز بيانات العملات المشفرة لارتفاع العائد منها مقارنة بتوصيل الكهرباء إلى المنازل".
وأشار التقرير، إلى أن أديس أبابا تستهدف جمع 290 مليون دولار إيرادات من بيع الكهرباء لشركات تعدين البيانات، ما يعادل 69% من إجمالي الإيرادات المتوقعة لبيع وتصدير الكهرباء المولدة من السد بقيمة 427 مليونا، خلال السنة المالية الحالية التي تنتهي في يوليو 2026.
ورغم أن إثيوبيا تقول "إن هدف سد النهضة هو تزويد المنازل والصناعات في شرق القارة بالكهرباء، لكن التقرير المثير للجدل يكشف عن اتجاه واضح لتحقيق عوائد من توجيه جزء غير قليل من إنتاج سد النهضة لشركات تعدين العملات المشفرة".
كهرباء رخيصة الثمن
يقول أحد معدني البيتكوين السيد زيد، إن تعدين العملات المشفرة يحتاج أجهزة كمبيوتر متخصصة تحل "ألغاز تشفير" معقدة باستخدام خوارزمية "إثبات العمل" للتحقق من المعاملات وتجميعها في كتل جديدة تتم إضافتها إلى "سلسلة الكتل" المعروف باسم البلوك تشين، وبدون الخوض في تفاصيل تقنية، فإن توفير مورد ثابت ومستدام من الكهرباء يكون رخيص الثمن هو شرط أساسي لنجاح عملية التعدين.
ويسرد في حديثه مع "المشهد"، عددا من النقاط في مسألة استخدام كهرباء سد النهضة في عملية التعدين:
- تكلفة إنتاج بيتكوين واحد تختلف من دولة لأخرى حسب أسعار الكهرباء والضرائب والرسوم، وهنا إذا وفرت إثيوبيا الكهرباء بسعر أقل فقد تكون مركزا جاذبا للمعدنين.
- في الولايات المتحدة تصل تكلفة تعدين 1 بيتكوين قرابة 60 ألف دولار، وقد يتغير الرقم من حين إلى أخر.
- في إثيوبيا قد يصل تكلفة تعدين البيتكون 8000 - 12000 دولار وفق بعض المعلومات المتاحة –لم نتمكن من التأكد من التكلفة الحقيقة – وذلك لأن أديس أبابا تفرض ضرائب ورسوما شبه رمزية على عملية التعدين.
بحسب تقارير سابقة، أبرمت هيئة الكهرباء الإثيوبية (EEP) عقود شراء طاقة طويلة الأجل مع شركات تعدين عملات رقمية، بينها كيانات أجنبية من الصين وروسيا ودول أخرى، لتشغيل مزارع تعدين بالقرب من خطوط الشبكة الرئيسية، وهذه العقود، التي عُرفت باسم اتفاقيات شراء الطاقة (PPAs)، منحت الشركات حق الحصول على الكهرباء بأسعار تفضيلية مقابل مدفوعات نقدية أو بالعملة الصعبة.
هذه المعلومات أكدها موقع، cryptopolitan المتخصص في العملات الرقمية والمشفرة، والذي أفاد في تقرير نُشر بتاريخ 9 أغسطس 2025، كما كشف التقرير، أن شركات تعدين العملات المشفرة شرعت في إنشاء فروع لها في إثيوبيا خلال العام 2024 بسبب انخفاض تعريفة الطاقة، وبينما تسعى الحكومة أيضًا إلى استيعاب الاستثمار الأجنبي، فإن المخاوف بشأن زيادة احتياجات الطاقة دفعت رؤساء شركة الكهرباء الإثيوبية إلى إعادة النظر في الأمر.
إيقاف عمليات تعدين العملات في إثيوبيا
الموقع نفسه نقل عن شركة الكهرباء الإثيوبية المملوكة للدولة (EEP)، أنها تنوي إيقاف جميع عمليات تعدين العملات المشفرة في البلاد، ووفقًا للهيئة، هناك خطط للتوقف التدريجي عن جميع الأنشطة المتعلقة بتعدين العملات المشفرة وسط مخاوف متزايدة.
وأشارت شركة الكهرباء الإثيوبية، إلى أن هذه الخطوة أصبحت ضرورية بعد تزايد الضغط الشعبي على خلفية زيادة عبء الطاقة الذي تشكله مراكز البيانات المرتبطة بالعملات المشفرة، وقد أثار هذا التطور اضطرابات في البلاد، مما دفع عامة الناس إلى التعبير عن إحباطهم، بحسب cryptopolitan.
في تقرير "توقعات الطاقة الإثيوبية 2025" الصادر مؤخرًا، كشف، أن تعدين العملات المشفرة في طريقه إلى استهلاك نحو ثلث إجمالي إنتاج الطاقة في إثيوبيا هذا العام، أشار التقرير إلى أن هذا المستوى من الاستهلاك قد يعرّض القطاعات الأساسية للخطر، لا سيما المناطق التي لا تزال تعاني انقطاع التيار الكهربائي والاعتماد على الديزل.
ووفقًا للتقرير، الذي أعدته شركات مملوكة للدولة وهيئة البترول والطاقة في البلاد، فإن مراكز البيانات في طريقها لاستهلاك 8 تيراوات/ساعة من الكهرباء هذا العام، مما يثير التساؤلات حول مدى ملاءمة هذا الاستخدام.
يرى محلل الشأن الإفريقي مايكل فارس، أن "إثيوبيا تسعى من خلال هذه الصفقات إلى جذب استثمارات أجنبية، والحصول على عملة صعبة في ظل تحديات اقتصادية متزايدة، لكن الاعتماد على دخلٍ مرتبط بقطاع متقلب مثل تعدين البيتكوين قد يحمل مخاطر على المدى الطويل، خصوصًا مع تقلب أسعار العملات الرقمية عالميًا، فضلًا عن احتمالات زيادة الضغط على الشبكة الوطنية، بالإضافة إلى مشكلات فنية أخرى مرتبطة بتشغيل توربينات السد لتوليد الطاقة بانتظام للوفاء بالعقود والالتزامات مع شركات التعدين.
هيئة الطاقة الإثيوبية تؤكد لن نبرم عقودا جديدة
وفقًا لبيان صادر عن آشيبر بالشا، الرئيس التنفيذي لشركة EEP، خلال أغسطس، فإن هيئة تنظيم الكهرباء الاثيوبية، لن تُبرم عقودًا جديدة في مجال استخراج البيانات والتعدين.
وصرح بالشا خلال مراجعة الأداء السنوية التي عُقدت يوم الجمعة 7 أغسطس الماضي: "لن تُبرم أي عقود جديدة في مجال استخراج البيانات، ولسنا مهتمين بالاستمرار في العقود الحالية". وأضاف أن هذا القطاع لم يكن يومًا جزءًا من إستراتيجية EEP طويلة المدى.