بينما تُصارع دول العالم التأثيرات المتزايدة لتغيّر المناخ، أصبحت الحاجة إلى تعبئة موارد مالية كافية أمرا ملحا للانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون، ومنح المجتمعات الضعيفة القدرة على الصمود في وجه الكوارث الطبيعية.
خيارات التمويل على رأس اهتمامات كوب 28 في دبي، وتركز خطة القمة على التمويل المناخي باعتباره العامل الأكثر فعالية للانتقال من مرحلة وضع الأهداف إلى تنفيذها.
وعلى سبيل المثال فتحويل طموح خفض الانبعاثات إلى واقع يتطلب استثمارات ضخمة، وإن كان يصعب تحديد التكاليف الدقيقة لتحويل الأنظمة الصناعية في العالم بالكامل بحلول عام 2050 إلى أنظمة صديقة للبيئة، فإن التقديرات الصادرة عن بنك غولدمان ساكس، تبيّن أن التكلفة الإجمالية تصل إلى 4 تريليون دولار سنويا على مدى العقد المقبل، أي ما يعادل نحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي للاقتصاد العالمي.
تريليونات الدولارات هذه تتجاوز ميزانيات الحكومات في ظل أولويات أخرى تجعل قضية الاحترار العالمي تتذيل القائمة، ليكون الرهان الأكبر على مصادر التمويل الخاصة مثلا صناديق الاستثمار الخاصة التي تتميز بنوع من المرونة للانخراط في أهداف طويلة الأمد.
ورغم أن المستثمرين يرغبون بشكل متزايد في الإنفاق على الاقتصاد الأخضر، فإن أكثر من 80% من تدفقات رأس المال إلى الطاقة النظيفة في عام 2022 ذهبت إلى قطاع التكنولوجيا بشكل خاص، على سبيل المثال:
- الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
- البنية التحتية الخضراء.
- الإمدادات والتقنيات المرتبطة بالسيارات الكهربائية خصوصا في ظل ارتفاع الطلب عليها.
الهيدروجين الأخضر
وقد لا يظهر حاليا تأثير الاستثمار في تكنولوجيا الطاقة النظيفة على المسبب الرئيسي للتغير المناخي، خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الذي لا يزال في مستوياته القياسية، الأمر الذي يتطلب تغيرات أكبر في أنظمة الصناعة والطاقة.
ويرى خبراء اقتصاد أن التغييرات في مجال الصناعة تتوقف على هدفين:
- أولا، التحول إلى طاقة خالية من الكربون، والمعروفة باسم "الإلكترونات النظيفة" (مثل تلك الناتجة عن الطاقة المتجددة).
- ثانيا، إيجاد بدائل للوقود الأحفوري التقليدي مثل الديزل ووقود الطائرات، والتي يطلق عليها غالبا اسم "الجزيئات النظيفة".
وتتطلب إزالة الكربون من قطاع الطاقة نشر أنظمة الطاقة الكهربائية أكثر من مجرد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وهي مصادر متقطعة للطاقة.
أما فيما يخص الجزيئات النظيفة، هناك العديد من التقنيات الواعدة، من ضمنها احتجاز الكربون من الوقود التقليدي بعد حرقه.
ويرى آخرون أن التحول الصناعي بعيدا عن الوقود الأحفوري قد يتم من خلال تصنيع أنواع وقود جديدة مثل الهيدروجين، والأمونيا، والديزل الاصطناعي، أو الميثانول بطرق لا تسبب التلوث.
وخلال العام الماضي، شكل الاستثمار في مشاريع الهيدروجين الأخضر من الاستثمار العالمي نسبة 1%.
في السياق، يقول رئيس اتحاد الجمعيات البيئية بالأردن عمر الشوشان إن "الاقتصاد العالمي مركب بشكل هيكلي على برميل النفط والغاز الطبيعي والفطام عن الوقود الأحفوري يأتي في الاستثمار بطاقة المستقبل مثل الهيدروجين الأخضر وجعل تنافسيته أعلى من خلال الاستثمار بالتقنيات الذكية وتطويرها بشكل متسارع وعادل حتى تتمكن كافة الدول في امتلاكها وتوطينها".
الاستثمار الخاص في الاقتصاد الأخضر
ويضيف الشوشان في حديث لمنصة "المشهد" أن التحول إلى اقتصاد أخضر يواجه تحديات مالية كبيرة مع محدودية ميزانيات الحكومات، وهذا يأتي متزامنا في ظل الأزمات المركبة من الركود الاقتصادي من جهة وعدم الاستقرار السياسي والأمني العالمي من جهة أخرى. فضلاً عن غياب الإرادة الجامعة الدولية.
ولكن كافة المؤشرات تؤكد أننا "لسنا في المسار الصحيح"، وفقا للخبير الاقتصادي، موضحا أن هناك زيادة مضطردة للانبعاثات الغازية في السنوات الأخيرة بالرغم من البدء في الاستثمار بالطاقة الخضراء خصوصا في الدول الإفريقية.
وشدّد شوشان على ضرورة وجود إرادة سياسية جامعة لدول العشرين الكبرى تحديدا في تحقيق كتلة في الانتقال العادل للاقتصاد الأخضر خصوصا في قطاع الطاقة العالمي كونها تحتل 80% من مسببات الأزمة المناخية العالمية.
ويوضح المصدر ذاته أن الاستثمار الخاص يلعب دورًا حيويًا في تعزيز مشاريع الطاقة النظيفة على مستوى العالم، حيث:
- تسهم صناديق الاستثمار الخاصة في دعم تطوير التكنولوجيا وتحفيز التنمية المستدامة.
- يمكن تحقيق التمويل من خلال شراكات مع القطاع الخاص، ودور الصناديق السيادية للدول الغنية، واستخدام آليات تمويل مبتكرة.
- مما يساهم في بناء اقتصاد أخضر يقلّل من آثار التغير المناخي.
أما فيما يخص المخاطر التي تواجه المستثمرين في الاقتصاد الأخضر، فيعدّدها الشوشان في: "عدم اليقين في السوق، والتشريعات غير المواتية، وعدم جاذبية العائد المالي"، مشيرا إلى أن تحفيز التمويل، يتطلب تقليل هذه المخاطر من خلال تحسين البيئة التنظيمية وتوفير حوافز للمستثمرين.
صندوق "الخسائر والأضرار"
وفي تقدم تاريخي سُجّل في كوب 28، تمّ تبنّي قرار تشغيل صندوق "الخسائر والأضرار" المناخية للتعويض على الدول الأكثر تضررًا من تغيّر المناخ، في خطوة إيجابية في اتجاه تخفيف التوترات المتعلقة بالتمويل بين دول الشمال والجنوب.
ويرى الشوشان أن تفعيل صندوق "الخسائر والأضرار" في كوب 28 يمثل خطوة إيجابية نحو مواجهة تداعيات التغير المناخي.
ويعتبر المتحدث ذاته أن تقديرات الكلفة السنوية التي يحتاجها العالم لمواجهة تداعيات التغير المناخي تعتمد على التزام الدول وتنفيذ الإجراءات المتخذة، مؤكدا على أن التزام الدول ضروري لتفادي تكرار مصير صندوق المناخ الأخضر الذي تم الالتزام بتقديم 100 مليار سنويًا أثناء مؤتمر باريس ولم يحصل إلا على الجزء اليسير من بعض الدول الملتزمة.
ويذكّر الشوشان بأن الخسائر والأضرار الناجمة عن كارثة فيضانات باكستان مثلا قُدّرت بما يقارب 30 مليار دولار و"هذا يعود بنا للمربع الأول مواجهة تداعيات التغير المناخي أفضل طريقة لتجنبها وهو الالتزام بخفض الانبعاثات الكربونية" على حد تعبيره.