تحمل توقعات الآفاق الاقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، التي تضم أغلب الدول العربية، دلالات على صمود نسبي في رحلة التعافي وسط بيئة عالمية محفوفة بالتحديات خلال 2025، وفق أحدث تقارير صندوق النقد الدولي، والذي أجرى الصندوق تعديلات على تقديراته لنمو اقتصادات المنطقة لعامي 2025 و2026، ما يعكس تحسنًا في المؤشرات الاقتصادية الأساسية مقارنة بالسنوات الماضية.
نمو الناتج المحلي الإجمالي
بحسب تقرير صندوق النقد الدولي المنشور في أكتوبر 2025، من المتوقع أن يرتفع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى 3.3% في عام 2025، ومن ثم إلى نحو 3.7% في 2026، بفضل تحسن أسعار النفط وتسارع النشاط الاقتصادي في بعض الدول الرئيسية.
التوقعات المتفائلة للاقتصاد العربي في 2026، وخصوصًا في دول الخليج مدفوعًا بعوامل عدة، من بينها انتعاش إنتاج النفط في بعض الأسواق، وزيادة النشاط في القطاعات غير النفطية في دول عربية أخرى مثل مصر وبعض دول شمال إفريقيا، إلى جانب مؤشرات استهلاك واستثمار أفضل من المتوقع في اقتصاديات عربية عدة، بحسب محمود كاظم رئيس وحدة دراسات الخليج في مركز التعاون والاتحاد للدراسات والأبحاث خلال حديث مع "المشهد".
ورفّع الصندوق تقديراته لنمو اقتصاد السعودية، مع استمرار دوره كمحرك اقتصادي أساسي في المنطقة العربية لتسجل 4% خلال العام المقبل، والإمارات العربية المتحدة سجلت توقعات قوية للنمو مع تقديرات بنحو 4.8% في نهاية 2025 و5% في 2026، ما يبرز دور القطاعات غير النفطية في دعم التعافي الاقتصادي، بحسب تقرير موسع لصندوق النقد الدولي حول آفاق النمو.
الاقتصادات غير النفطية
الاقتصادات غير النفطية مثل المغرب ومصر سجلت توقعات نمو إيجابية للعام المقبل، فقد عدّل صندوق النقد تقديره لنمو مصر إلى مستويات أعلى في الأعوام المقبلة عند 4.5% في 2026، في ظل مؤشرات أداء اقتصادي أفضل والاستفادة من القطاعات السياحية والتحويلات المالية وعودة انتظام الملاحة في قناة السويس عقب توقف الحرب في غزة.
ويعلق الباحث محمود كاظم، أنّ التفاؤل بشأن توقعات الاقتصاد للعام المقبل لا تعني غياب المخاطر، وعدد بعض التحديات التي لا تزال قائمة منها:
- استمرار الضغوط التضخمية حول العالم والتي تطال الدول العربية.
- التوترات الجيوسياسية والتلويح بتصعيد عسكري في فنزويلا.
- حجم الديون في الدول العربية قياسًا على الناتج المحلي والتي تتفاوت بحسب احتياجات كل دولة والتي تصل 90% كحد أقصى و 29% كحد أدنى.
- حجم الطلب الخارجي على الصادرات العربية يمثل أيضًا تحديًا للدول العربية.
- استمرار احتمالية اشتعال التوترات التجاية مرة أخرى.
وأشار "كاظم" إلى أنّ اقتصادات الدول العربية حققت في 2025 زخمًا إيجابيًا مقارنة بالسنوات الماضية، مع آفاق أكثر تفاؤلًا لعام 2026، وهو ما يتطلب مواصلة الإصلاحات لتعزيز النمو وتعظيم الفرص الاستثمارية عبر القطاعات المختلفة، مؤكدًا أنّ التحديات لا تزال قوية في دول مثل لبنان وسوريا والسودان.
تباطؤ الاقتصاد العالمي
وقال المستشار السابق لدى مؤسسة التمويل الدولية الدكتور هاني قداح، إنّ الأداء الاقتصادي للدول العربية خلال عام 2025، يعكس درجة أعلى من المرونة مقارنة بالسنوات السابقة، رغم استمرار الضغوط العالمية المرتبطة بتباطؤ الاقتصاد العالمي بنسبة نمو متوقعة بنهاية العام الجاري 2.6% مقابل 2.9% خلال 2024.
وأوضح في حديث مع "المشهد"، أنّ هناك "تحسنًا حقيقيًا في عدد من المؤشرات الأساسية لبعض الدول العربية منها مصر والمغرب والجزائر، بالإضافة إلى سوريا التي بدأت أيضًا تدخل مرحلة أكثر هدوءًا بعد إلغاء العقوبات عليها وهو ما قد ينعكس في 2026.
وأشار إلى أنّ زيادة الإنفاق الاستثماري في بعض الاقتصادات الرئيسية بعدد من الدول العربية في 2025، ساهم في تحقيق معدلات نمو موجبة، وأنّ النظرة الإيجابية لعام 2026 تستند إلى مسارين متوازيين، الأول يتعلق باستقرار نسبي في أسواق الطاقة، والثاني بقدرة عدد من الدول العربية على مواصلة برامج الإصلاح الاقتصادي وتنويع مصادر النمو الاقتصادي والحد من الاستدانة الخارجية وإدارة الموارد دون اهدار.
خلق فرص العمل
وأشار إلى أنّ الاقتصادات التي حققت تقدمًا في بيئة الأعمال وجذب الاستثمارات الأجنبية، ستكون الأكثر استفادة من هذه المرحلة ومنها الإمارات التي لامست نمو مرتفع 4.5% بفعل استمرار تحسن بيئة الأعمال وجذب استثمارات ضخمة في القطاعات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي.
وأكد أنّ التحدي الحقيقي خلال الفترة المقبلة للدول العربية، لا يقتصر على تحقيق معدلات نمو أعلى، بل يرتبط بجودة هذا النمو وقدرته على خلق فرص عمل مستدامة وتعزيز دور القطاع الخاص.
ولفت إلى أنّ استمرار الإصلاحات الهيكلية، إلى جانب سياسات مالية أكثر انضباطًا، سيكون عاملًا حاسمًا في تحويل التوقعات الإيجابية لعام 2026 إلى واقع اقتصادي ملموس لدول مثل لبنان وبعض دول شمال إفريقيا.
تحديات 2026 للاقتصادات العربية
ذهب الدكتور أنور القاسم، المحلل الاقتصادي، إلى الحديث عن بعض العقبات التي قد تحدّ من وتيرة الانتعاش الاقتصادي، مشيرًا إلى أنّ أحد أبرز التحديات يتمثل في حالة عدم اليقين الاقتصادي العالمي، حيث تشير تقديرات المؤسسات الدولية إلى تباطؤ النمو في الاقتصادات الكبرى مثل أميركا والصين وزيادة المخاطر المرتبطة بالتجارة الدولية وأسواق المال حال نشوب حرب جديدة.
وأضاف لـ"المشهد"، أنّ التوترات الجيوسياسية والتغيرات في السياسات الاقتصادية العالمية، مثل التوترات التجارية والضغوط التضخمية في الأسواق المتقدمة، يمكن أن تؤدي إلى انعكاسات سلبية على حركة رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية الواردة للمنطقة العربية.
كما لفت القاسم إلى أنّ التحديات الهيكلية داخل بعض الدول العربية نفسها تُشكل ضغطًا مستمرًا، من بينها مستويات الدين العام المرتفع، فضلًا عن الحاجة إلى تعزيز قدرة القطاع الخاص الذي تراجع لدى عدد من الدول ومنها مصر.
وأكد أنّ التحول الرقمي وتبني التكنولوجيا مثل الذكاء الاصطناعي، يمثل فرصة كبيرة، لكنه في الوقت نفسه يتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية والتعليم والتدريب، من أجل تحقيق أقصى استفادة للبلاد العربية.