يبقي البنك المركزي المصري أسعار الفائدة الأساسية عند 24% على الإيداع و25% على الإقراض لليلة واحدة بعد خفضين متتاليين بإجمالي 325 نقطة أساس منذ بداية 2025؛ وهو أول تراجع للفائدة منذ أكثر من أربع سنوات ونصف، بحسب تقرير "BMI – Fitch Solutions" الذي حصلت المشهد على نسخة منه.
ويدخل البنك المركزي المصري النصف الثاني من 2025 وهو أقرب إلى تيسيرٍ محسوب يدعمه تباطؤ التضخّم وتماسك الجنيه، لكن اختبار أكتوبر في تسعير الوقود واستحقاقات الخريف في أدوات الدين سيقرّران هامش المناورة.
إن نجحت المعادلة، خفض تدريجي للفائدة مع احتواء الأسعار واستمرار التدفقات، فستتّسع نافذة التمويل الأرخص دون التضحية باستقرار السوق.
توقعات السوق
استطلاعات الرأي تُشير إلى ترجيح خفض جديد في اجتماع لجنة السياسة النقدية غدًا الخميس 28 أغسطس. متوسط توقعات استطلاع "رويترز" لثمانية محللين يرجّح خفض 100 نقطة أساس ليصبح سعر الإيداع 23% والإقراض 24%.
مرتكزات الخفض تبدو أقوى مما كانت عليه مطلع العام، وأبرزها مسار تضخّمي يتراجع أسرع من المتوقع، تدفّقات محافظ أجنبية متماسكة، وانحسار نسبي في ضغوط التسعير العالمي.
تقرير "BMI – Fitch Solutions" يدعم هذه الرؤية؛ إذ يتوقع استمرار دورة التيسير بخفض إضافي خلال النصف الثاني من 2025 ثم خفض أكبر في 2026 مع هبوط التضخّم ودعم تدفّقات المحافظ.
بعد مفاجأة هبوط يوليو إلى نحو 13.9% على أساس سنوي، خُفّض متوسط توقعات 2025 إلى قرابة 14.4%.
من المرجّح استمرار الانحسار في أغسطس وسبتمبر، مع ارتفاع محدود في الربع الرابع نتيجة تعديلات تعرفة الكهرباء في أكتوبر وأسعار الوقود في نوفمبر، وعلى المدى الأبعد، يُرجَّح دخول التضخّم نطاق 5–9% المستهدف من البنك المركزي بحلول الربع الرابع 2026.
سعر الصرف.. مكاسب مشروطة
عزّز الجنيه مكاسبه منذ بداية العام بنحو 5% ليتداول قرب 48.3 جنيهًا للدولار، مستفيدًا من تدفّقات المحافظ وتراجع عجز الحساب الجاري وضعف الدولار عالميًا.
في السيناريو الأساسي، من المتوقّع أن يتحرّك في نطاق 48 إلى 50 جنيهًا للدولار قصيرًا، مع بقاء الهشاشة قائمة بسبب حيازات أجنبية تتجاوز 20 مليار دولار في أدوات دين قصيرة الأجل واستحقاقات كبيرة في سبتمبر وأكتوبر 2025 قد ترفع التذبذب إذا تبدّلت شهية المخاطرة.
ما بعد أغسطس.. مسار 2025–2026
يتوقّع التقرير استكمال التيسير في النصف الثاني من 2025 بخفضٍ تراكمي إضافي، ثم تسارع الخفض في 2026 مع نزول التضخم وتراجع الفائدة الحقيقية من نحو 11% إلى قرابة 8% بنهاية 2025.
ورغم ذلك ستبقى الفائدة الحقيقية من بين الأعلى عالميًا، ما يُبقي أدوات الدين بالجنيه جاذبة للمستثمرين الأجانب.
ما الذي يعنيه ذلك للمودعين والمقترضين؟
بالنسبة للمودعين، تبقى العوائد الاسمية جذّابة وإن كانت مرشحة للتراجع تدريجيًا مع كل خفض لاحق.
أمّا المقترضون، خاصة القطاعات كثيفة الاقتراض، فسيستفيدون من تكلفة تمويل أدنى على الهامش مع أي خفض جديد، وإن ظلّت التكلفة تاريخيًا مرتفعة. سيبقى الإيقاع رهين بيانات التضخم واستدامة التدفّقات الأجنبية واستقرار سعر الصرف.
تحدّيات مؤجلة حتى أكتوبر.. تسعير الوقود
تأجيل مراجعة يوليو، أبقى سعر البنزين في مصر، كما هو موعد لجنة التسعير في أكتوبر. وتعتمد الآلية الرسمية على متوسطات خام برنت وسعر الصرف وتكاليف الإنتاج والنقل، مع اعتبارات اجتماعية للفئات الأكثر تأثرًا؛ وهو ما يبرّر نهجًا أكثر حذرًا قبل تمرير أي تعديل للسوق.
توضح وزارة البترول أن قرارات أبريل جاءت لمعالجة اتساع الفجوة بين التكلفة وسعر البيع مع الإبقاء على دعم البوتاجاز والسولار وبعض فئات البنزين؛ لذلك يُفضَّل تثبيت الأسعار حتى المراجعة المقبلة، وأي تحريك محتمل سيكون متدرّجًا مع استمرار دعم السولار لارتباطه المباشر بالنقل والسلع الأساسية.
سياسة الدعم في الموازنة
تظهر أرقام مشروع موازنة 2025/2026 استمرار إعادة هيكلة دعم الطاقة مع توجيه الموارد لمستحقيها؛ إذ تُقدَّر مخصصات دعم المواد البترولية بنحو 75 مليار جنيه مقابل نحو 154 مليارًا في العام السابق.
هذا المسار يُخفّض كلفة الدعم تدريجيًا لكنه يُبقي مظلات الحماية الأساسية، ويقلّص جانبًا من مخاطر "تمرير الأسعار" على التضخّم.