على مدار عقود طويلة، تصر إسرائيل على البقاء في الجولان السورية، فلماذا هذا الاهتمام بتلك المنطقة، هل للجولان أهمية اقتصادية بالنسبة لإسرائيل أم أن المنطقة لا تمثل سوى عمق إستراتيجي وأمني فقط؟، وكيف تصبح هذه النقطة المحورية محطة مهمة لاستثمارات في قطاعات حيوية؟
ترامب: الجولان = تريليونات الدولارات
وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في خطاب العيد اليهودي أمس، "إنني وقّعتُ على منح إسرائيل حقوق هضبة الجولان، عملوا على ذلك 70 عامًا ولم ينجح أحد، لكنني فعلتها وبسرعة، ثم اكتشفتُ قيمتها، تريليونات الدولارات. عندها قلت: ربما كان يجب أن أطلب منهم شيئًا بالمقابل".
هضبة الجولان موقعها الجغرافي يقع في الجزء الجنوبي الغربي من سوريا وتحدها غربا فلسطين (نهر الأردن وبحيرة طبريا) ومن الشمال الغربي لبنان ومن الجنوب المملكة الأردنية الهاشمية، ويبلغ طول حدود الجولان مع فلسطين مسافة 80 كيلومترا، الأمر الذي يجعل من يسيطر عليها له الغلبة في ملف المياه والزراعة بالإضافة إلى احتياطات نفطية وغازية لم تبح الأرض عنها حتى الآن.
بحسب عدد من المواقع السورية المهتمة بالاقتصاد السوري، فإن الجولان تحتل المرتبة الأولى بين المحافظات السورية من حيث خصوبة التربة وغناها الطبيعي وتوفر المراعي على امتداد السنة، بالإضافة إلي وجود المياه عن طريق الأمطار والأنهار مثل نهر الأردن ونهر بنياس الذي يشكل ثاني روافد نهر الأردن، ونهر اليرموك الذي يبلغ طوله 57 كيلومترًا يسير منها 47 كيلومترًا داخل الأراضي السورية معظمها في الجولان، ونهري زاكية ومسعدية اللذين يصبان في بحيرة طبريا، إضافة إلى هذه الأنهار هناك الكثير من الينابيع والعيون، كما تبلغ مساحة الجولان 1,850 كيلومترا.
الأهمية الاقتصادية لهضبة الجولان
ترى الباحثة في مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، ميان الهيمي، أن هضبة الجولان تمثل أهمية إستراتيجية للأمن المائي والغذائي في المنطقة، فالأهمية الاقتصادية للهضبة تجاوزت قيمتها التاريخية لتصبح مركزا إستراتيجيا للطاقة المتجددة والتكنولوجيا المناخية، إضافة إلى أنها قد تصبح سلة غذاء كبيرة للمنطقة في حالة توسع العمليات الزراعية.
وأوضحت في حديث مع "المشهد" أن السيطرة على موارد الجولان المائية، التي تغذي بحيرة طبريا ونهر الأردن، تمنح الطرف المسيطر نفوذاً اقتصاديا، خصوصًا في ظل أزمات الشح المائي العالمية، لذلك فإسرائيل تدرك البعد الاقتصادي لهذه المنطقة بالإضافة إلى أهميتها جغرافيًا وأمنيًا كامتداد يخدم إسرائيل.
كما أشارت إلى أن التوجهات الاستثمارية في الأعوام الماضية تركز بشكل مكثف على استغلال المرتفعات الجبلية في مشروعات طاقة الرياح العملاقة، وهو ما يعزز من القيمة الإنتاجية للهضبة كقطب اقتصادي متكامل يجمع بين الثروة الزراعية الفريدة والابتكار في مجال الطاقة النظيفة.
استثمارات في الجولان
وبحسب أحدث المعلومات المتاحة عن الاستثمارات الإسرائيلية في الجولان فقد خصصت حكومة إسرائيل بالإجماع في منتصف ديسمبر 2024 استثمارات بقيمة تزيد على 40 مليون شيكل (نحو 11.2 مليون دولار) لتعزيز التوسع السكاني في هضبة الجولان.
وتهدف الخطة إلى تشجيع "النمو الديمغرافي" في مستوطنات الجولان وكتسرين، عبر تقديم حوافز مالية وتطوير البنية التحتية والخدمات في المنطقة التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967، في خطوة وصفتها تل أبيب بأنها تعزز الاستقرار والأمن بالهضبة.
الصناعات المعدنية
الخبير الاقتصادي الدكتور خالد الشافعي، يرى أن هضبة الجولان منذ عام 1967 تتمتع بأهمية اقتصادية كبيرة إلى جانب بعدها الأمني والإستراتيجي، وأن الموقع الجغرافي المرتفع يمنحها إمكانات واسعة في التحكم بالمياه والزراعة والصناعات المعدنية، ما يجعلها منطقة ذات قيمة اقتصادية عالية.
وأكد الشافعي أن استغلال الثروات الطبيعية المتوفرة في الجولان، بما في ذلك الموارد المعدنية، يمكن أن يضيف قدرات اقتصادية ملموسة لأيّ دولة تسيطر عليها، سواء في زيادة الإيرادات أو في تطوير قطاعات صناعية وزراعية إستراتيجية.
مشاريع النشاط الزراعي والطاقة
وأشار الخبير إلى أن الاستثمارات الإسرائيلية في المنطقة تركز على تطوير البنية التحتية للمستوطنات، وتشجيع النشاط الزراعي والصناعات الصغيرة والسياحة، بما يعكس البعد الاقتصادي إلى جانب الدور الأمني، مضيفا أن هذه المشاريع تساهم في تحويل الجولان إلى منطقة مربحة من الناحية الاقتصادية.
وتابع أن هناك عددًا من التحديات القانونية الدولية حول وضع الهضبة، مما يحول دون استثمارها الكامل، وكذلك صعوبة جذب شركات عالمية كبيرة للاستثمار هناك.
ودشنت تل أبيب مشروع "رياح بيريشيت" (Genesis Wind)، الذي يُصنف كأضخم محطة لإنتاج الكهرباء من الرياح في المنطقة بقدرة تصل إلى 207 ميغاوات، باستثمارات ضخمة تهدف لتغطية احتياجات قرابة 70 ألف منزل ولا تقتصر الرؤية الاقتصادية على الرياح فحسب، بل تمتد لتشمل استثمارات واسعة في الطاقة الشمسية الهجينة "Agro-voltaic" التي تدمج بين الإنتاج الزراعي وتوليد الكهرباء فوق المساحات الخضراء، مدعومة بموافقة حكومية على خطط لإنتاج 250 ميغاوات إضافية جنوبي الهضبة، وفق مواقع متخصصة في قطاع الطاقة.
وتتكامل هذه الاستثمارات مع خطة تل أبيب لتطوير شبكة نقل الكهرباء بتكلفة تقديرية تبلغ 7.2 مليارات دولار بحلول عام 2030، لضمان ربط فائض الإنتاج من الجولان بالمركز الصناعي للبلاد.
ورغم الإمكانيات الاقتصادية الهائلة التي تمتلكها هضبة الجولان من ثروات معدنية وزراعية وسياحية، يبقى الاستثمار المباشر فيها محفوف بالمخاطر، إذ تخشى الشركات متعددة الجنسيات والمستثمرون من التعرض لملاحقات قضائية أو حملات مقاطعة دولية، ما يحصر الاستفادة الاقتصادية غالبا ضمن المشاريع المحلية الاسرائيلية.
هذا التوازن بين الفرص الاقتصادية الكبيرة والمخاطر القانونية والسياسية يجعل الجولان، بموارده وقدراته، ليس مجرد منطقة إستراتيجية أمنية لإسرائيل، بل أيضا أداة اقتصادية حيوية لترسيخ الوجود الإسرائيلي في قلب المنطقة.