hamburger
userProfile
scrollTop

القصة الكاملة.. فضيحة مراهنات تضرب الدوري الأميركي لكرة السلة

فضيحة مراهنات كبرى تضرب الدوري الأميركي للمحترفين (أ ف ب)
فضيحة مراهنات كبرى تضرب الدوري الأميركي للمحترفين (أ ف ب)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • الكشف عن تورط نجوم دوري كرة السلة الأميركي في شبكة مراهنات مرتبطة بالمافيا الإيطالية.
  • التحقيقات أثبتت تلاعبهم بألعاب بوكر ومباريات لتحقيق أرباح بملايين الدولارات.
  • الفضيحة هزت سمعة الدوري الأميركي وأعادت تاريخ المافيا مع الرياضيين.

في واحدة من أكبر القضايا التي هزّت الرياضة الأميركية، كشفت السلطات الفيدرالية عن تورط عدد من نجوم الدوري الأميركي لكرة السلة (إن بي إيه) في شبكة مراهنات غير قانونية مرتبطة بعائلات المافيا الإيطالية في نيويورك، من بينهم المدرب الحالي لفريق بورتلاند ترايل بلايزرز تشونسي بيلابس، واللاعب السابق دامون جونز، ولاعب ميامي هيت الحالي تيري روزيير.

القضية التي أعلنت تفاصيلها مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي)، طالت أكثر من 30 شخصاً، بينهم رجال عصابات ومشاهير من عالم الرياضة، في ما وصفه مسؤولون بأنه "قصة تشبه أفلام هوليوود، لكنها حقيقية بالكامل".

الوسيط الذي فتح الباب للمافيا

تبدأ خيوط القصة بشخص يُدعى روبرت لورانس ستراود، البالغ من العمر 67 عاماً من ولاية كنتاكي، والذي يحمل تاريخاً جنائياً حافلاً.

في عام 1994، أطلق النار على رجل وقتله خلال جلسة قمار في منزله بمدينة لويفيل، بحسب ما ذكرته وسائل إعلام محلية.

وفي عام 2001، وعندما أوقفته الشرطة بسبب لوحة ترخيص منتهية، عثرت في سيارته على "بطاقات مراهنات رياضية ونرد وبطاقات لعب وسجلات لما بدا أنها رهانات مالية"، بحسب تقرير تلفزيون "ويف" المحلي.

كان ستراود؛ وفقاً للمدعين العامين، هو الشخص الذي جند بيلابس وجونز للمشاركة في ألعاب بوكر مزيفة تُدار بواسطة أفراد من عائلات الجريمة المنظمة في نيويورك، مثل بونانو وغامبينو وجينوفيزي ولوكّيسي.

استخدام الرياضيين كـ"أوراق رابحة"

وجاء في مذكرة التوقيف الرسمية أن: "ستراود جند عدداً من الرياضيين المحترفين السابقين، من بينهم المتهمان تشونسي بيلابس ودامون جونز، ضمن مؤامرة تهدف إلى استدراج ضحايا أثرياء للمشاركة في ألعاب البوكر. وبمقابل دورهما كـ‘أوراق رابحة’ في فرق الغش، تلقيا جزءاً من العائدات غير القانونية".

التحقيقات كشفت عن وجود قضيتين متداخلتين؛ الأولى تتعلق بمراهنات رياضية غير قانونية تعتمد على معلومات داخلية من مباريات دوري كرة السلة الأميركي، والثانية تتعلق بألعاب بوكر عالية الرهان تم التلاعب بنتائجها باستخدام أجهزة تقنية متطورة، ما تسبب في خسائر تجاوزت 7 ملايين دولار للضحايا.

وقد استخدمت الشبكة أدوات مثل طاولات بأشعة إكس ونظارات مزودة بعدسات خاصة تسمح برؤية البطاقات، وأجهزة خلط أوراق معدلة ترسل ترتيب الأوراق إلى مشغّل خارجي يوجّه الفريق من بعيد.

كيف نُفّذ الاحتيال؟

بدأ المخطط في أبريل 2019، حين أسس ستراود ومساعدوه آلية تقنية لتزوير ألعاب بوكر من نوع "تكساس هولدم" ضد لاعبين أثرياء يعرفون أن اللعبة غير قانونية، لكنهم ظنوا أنها عادلة.

أُخفيت الكاميرات في طاولات اللعب، وربطت الأجهزة بشخص يُسمى "المشغّل"، يرسل الإشارات إلى لاعب يُعرف بـ"قائد الطاولة"، والذي ينقل التعليمات إلى باقي فريق الغش باستخدام حركات دقيقة مثل لمس الذراع أو شريحة معينة من الرهان.

وفي إحدى الجلسات في ميامي عام 2024، كان اللاعب الملقب بـ"جون ماتزولا" يؤدي هذا الدور.

فعندما يملك أحد أفراد الفريق اليد الأقوى، يلمس ماتزولا شريحة معينة أو ذراعه ليشير إلى بقية اللاعبين بالاستمرار أو الانسحاب.


بل إن الفريق كان يسمح أحياناً للضحايا بالفوز عمداً في جولات محددة حتى يواصلوا اللعب ويخسروا لاحقاً مبالغ أكبر. وورد في إحدى الرسائل النصية بين أفراد العصابة أثناء اللعبة: "دعوه يفوز كي يظل جالساً معنا".

أما في إحدى جلسات أبريل 2019 التي شارك فيها بيلابس، فقد أشارت رسائل داخلية إلى أنه "فاز بيدين غير متوقعتين"، وهو ما دفع أعضاء العصابة إلى إدخال لاعب جديد "لخسارته أمامه عمداً حتى لا يُثار الشك حول التلاعب".

تورط المافيا الإيطالية في نيويورك

المستندات القضائية تشير إلى أن عائلات المافيا في نيويورك لم تكتف بتمويل هذه الألعاب، بل دمجت بعض جلساتها الخاصة بالمقامرة عالية الرهان مع شبكة ستراود.

في مانهاتن، كانت عائلة بونانو تدير لعبة في شارع "ليكسينغتون أفنيو"، بينما كانت عائلة غامبينو؛ بدعم من أحد أفراد جينوفيزي، تدير لعبة أخرى في شارع "واشنطن بليس".

وفي عام 2023، اندمجت اللعبتان تحت مظلة واحدة لتشغيل شبكة التلاعب باستخدام التكنولوجيا التي وفرها ستراود.

كما أقدمت العصابات على أعمال عنف وسرقة وابتزاز لتحصيل الديون الناتجة عن هذه الألعاب، إذ ورد في وثائق المحكمة أن أحد الضحايا تعرض للضرب بعد تأخره في سداد دين قيمته 10 آلاف دولار، بينما جرى الاستيلاء على جهاز خلط أوراق معدل تبلغ قيمته أكثر من 10 آلاف دولار.

وفي الوقت ذاته، تولى أحد المتهمين ويدعى أنتوني شنايدرمان عملية غسل الأموال الناتجة عن هذه الأنشطة عبر شركات وهمية وتحويلات نقدية وعملات رقمية.

وقال ريكي باتيل، رئيس مكتب التحقيقات في نيويورك التابع لوكالة الأمن الداخلي: "بوجود 3 من عائلات لا كوزا نوسترا (المافيا الإيطالية)، ومدرب في الدوري الأميركي للمحترفين، ولاعب سابق في قاعة المشاهير، إلى جانب رياضيين محترفين آخرين، فإن نتائج هذا التحقيق تبدو وكأنها من فيلم هوليوودي، لكنها واقعية تماماً".

وأضاف كريستوفر رايا، مساعد مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي: "باستخدام إغراء المكاسب الضخمة ووعد اللعب إلى جانب نجوم معروفين، تمكن هؤلاء المتهمون من خداع ضحاياهم وسرقة ملايين الدولارات، وتأسيس خط تمويل مباشر لعصابات المافيا".

اهتزاز سمعة الدوري الأميركي

الفضيحة أثارت جدلاً هائلاً في الأوساط الرياضية الأميركية، إذ يصعب على الجمهور تصديق أن لاعبين ومدربين يتقاضون عشرات الملايين من الدولارات يمكن أن يتورطوا في مثل هذه المخططات.

فـتيري روزيير، نجم ميامي هيت، يتقاضى أكثر من 24.9 مليون دولار سنوياً، بينما يحصل تشونسي بيلابس على نحو 4.7 ملايين دولار سنوياً كمدرب لبورتلاند، في حين جمع دامون جونز أكثر من 22 مليون دولار خلال مسيرته كلاعب، لكنه سبق أن أعلن إفلاسه مرتين عامي 2013 و2015، وكانت من بين ديونه مبلغ 47 ألف دولار لصالح كازينو "بيلاجيو" في لاس فيغاس.

أحد الخبراء السابقين في مكتب مكافحة الجريمة المنظمة بديترويت، كيث كوربيت، علّق على الأمر قائلاً: "من الصعب فهم السبب وراء هذه الانزلاقات، لكن الحقيقة أن كثيرين من المقامرين وقعوا في شباك المافيا لأنهم مدمنون على الإثارة والمخاطرة".

ماضي المافيا في استهداف الرياضيين

تاريخ الجريمة المنظمة مع الرياضيين الأميركيين ليس جديداً.

في الستينيات، تعطلت مسيرة لاعبين أسطوريين مثل كوني هوكينز وروجر براون بعد ثبوت ارتباطهم بشخص يُدعى جاك موليناس، أحد أبرز الوسطاء المرتبطين بالمافيا في تلك الحقبة.

وفي موسم 1978-1979، جنّد هنري هيل وجيمي "النبيل" بيرك؛ المرتبطان بعائلة لوكّيسي، عدداً من لاعبي جامعة بوسطن للتلاعب بنتائج المباريات، في فضيحة شهيرة عُرفت لاحقاً باسم "قضية بوسطن كوليدج".

كما شهدت سنوات الألفية الجديدة فضيحة الحكم تيم دوناغي الذي اعترف بالمراهنة على مباريات كان يديرها بنفسه، وتزويد المقامرين بمعلومات داخلية مقابل المال.

الموقف القانوني والإجراءات المقبلة

أعلن مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل في مؤتمر صحافي بتاريخ 23 أكتوبر أن أكثر من 30 شخصاً أُوقفوا ضمن تحقيقين متوازيين حول المراهنات غير القانونية في كرة السلة وألعاب البوكر.

وقد مثل تشونسي بيلابس أمام محكمة نيويورك الشرقية، وتم الإفراج عنه بكفالة كبيرة مع تسليم جواز سفره، على أن يمثل مجدداً أمام المحكمة في 24 نوفمبر المقبل.

وأصدر محاميه كريس هايوود بياناً أكد فيه "أن موكله بريء وسيدافع عن نفسه بقوة أمام القضاء".


أما حجم الخسائر الموثقة في القضية، فقد بلغ؛ بحسب أوراق المحكمة، 7.15 ملايين دولار على الأقل، إذ خسر أحد الضحايا وحده 1.8 مليون دولار خلال جلستين في يونيو ويوليو 2023.

تحليل الخبراء.. لماذا يقع الرياضيون في الفخ؟

يقول الخبير في شؤون المافيا سكوت بيرنشتاين إن العصابات كثيراً ما تبدأ بناء علاقاتها مع الرياضيين منذ المراحل المبكرة في بطولات الهواة، مضيفاً: "هذه البطولات الشبابية تُقام أحياناً بتنظيم أشخاص على صلة بعالم الجريمة، فيُكوّنون علاقات يمكن استغلالها لاحقاً."

أما مايكل فرانسيزي، وهو عضو سابق في عائلة كولومبو الإجرامية تحول لاحقاً إلى محاضر في أخلاقيات الرياضة، فقال: "ما لا يفهمه البعض هو أن المقامرة بالنسبة للرياضيين امتدادٌ لروح المنافسة لديهم، إنهم يريدون رفع سقف التحدي، فيخسر بعضهم آلاف الدولارات في رحلة واحدة بالطائرة."

ويختم فرانسيزي بقوله: "المافيا اليوم أقل عنفاً لكنها أكثر ذكاءً. ربما لم تعد في ذروة قوتها كما كانت، لكنها لم تختفِ. وستبقى المقامرة غير القانونية دائماً منجمها المربح".