hamburger
userProfile
scrollTop

سوق الانتقالات.. و"تجربة ليون"

ريان شرقي آخر المواهب التي غادرت ليون هذا الصيف (أ ف ب)
ريان شرقي آخر المواهب التي غادرت ليون هذا الصيف (أ ف ب)
verticalLine
fontSize

اقتربت منافسات الموسم 2026-2025 من الدوريات الأوروبية لكرة القدم، من خط الانطلاق، غير أنّ الصراع الفعليّ بين الأندية بدأ منذ فترة طويلة مع فتح باب الانتقالات الصيفية للاعبين، والتي ثمة من يرى بأنها شوّهت اللعبة.

هؤلاء ما فتئوا يؤكدون بأنه من شأن السياسة الحالية لـ "الانتقالات" أن تُبعد المتابع عن جوهر كرة القدم، أي المنافسات.

ولا شك في أنّ ما عرفته السنوات الأخيرة من صرف الملايين في السوق يضيف الكثير من السلبية إلى المشهد العام، فقد بات بإمكان أيّ نادٍ، بين موسم وآخر، استبدال لاعبيه كافة بعناصر جديدة من أندية أخرى، بعيداً عن هوية مستقرة لفريق اعتاد عليه جمهور.

هي مسألة تسابق مالي لإبرام صفقات وفرض قوى لنفسها بالقوة.

تحوّلت سوق الانتقالات إلى ساحة صراع، حتى بين المشجعين، يراقبونها، كما المباراة، ويحققون عبرها انتصارات وهمية.

ترى هذه الفئة بأن حركة الانتقالات بعيدة عن الروح الرياضية وتشكل أبرز مظاهر التجاوزات في اللعبة، خصوصاً أنّ السوق، في معظم الدول، تبقى مفتوحة لفترة، حتى بعد انطلاق المنافسات.. هذا ما يعتبره المعارضون أمراً سخيفاً.

أضف إلى ذلك سوق الانتقالات الشتوية خلال يناير من كل عام، والتي يراها كثيرون فترة لـ "ترقيع" الفرق، ولا ننسى ظاهرة الإعارة الآخذة في التوسع والتي تُستغل أحياناً للتلاعب على قاعدة اللعب المالي النظيف.

"الانتقالات" بالشكل الحالي لها تأثير سلبي على استقرار تشكيلات الفرق، تشهد مبالغة في الأسعار وتستغل الشباب، تفتح المجال للمضاربات المالية، وتقضي على العدالة التنافسية، عدا عن كونها تشكل ضغطاً نفسياً على اللاعبين الملاحَقين بالعروض.

"زعيم السوق"

تبدو "الانتقالات" الراهنة بعيدة كل البعد عن تجربة نادي ليون الذي احتكر لقب بطل الدوري الفرنسي بين 2002 و2008 وكان بحق زعيم "السوق" في أوروبا.

عُرفت مدينة ليون الراقية حتى العام 2000 بمكان "ولادة السينما" و"المطبخ الجديد" وليس بكرة القدم التي، إن رغب أحدهم بها، ما كان عليه سوى القيام برحلة ليست بالطويلة إلى مقر الغريم، نادي سانت إتيان الذي قال رئيسه يوماً: "عندما يأتي الحديث عن كرة القدم، كانت تعتبر ليون إحدى ضواحي سانت إتيان".

اعتاد سكان ليون الإقبال على تذاكر مباريات الفريق إن كانت أوضاعه جيدة. وفي حال تراجع النتائج، طالبوا من المدرجات برحيل الرئيس أو المدرب أو نصف اللاعبين.

الإعلام لم يكن مهتماً بالنادي الذي أقبل عليه اللاعبون فقط لأن المدينة هادئة، لا ضغوطات ولا مطاردات إعلامية.

رئيس ليون السابق جان ميشيل أولاس (أ ف ب)

رئيس ليون السابق جان ميشيل أولاس (أ ف ب)

في 1987، كان ليون ينشط في الدرجة الثانية مع ميزانية تقدّر بنحو 3 ملايين دولار فقط. وصل جان ميشال أولاس إلى رئاسة النادي في تلك السنة قادماً من قطاع البرمجة الإلكترونية.

احتاج النادي بعض الوقت قبل التتويج بلقب الدوري 7 مرات بين 2002 و2008 وفرض نفسه كزعيم لسوق الانتقالات.

في 2007، كشف أولاس بأنه لم يتوقع القيام بكل هذا التغيير، وبأنه قرر المضي في مشروعه خطوة بخطوة وتحديد هدف سنوي للتطور رياضياً وتطوير المداخيل.

أضاف: "كان قاطنو المدينة من الميسورين، ما سمح لنا بالحصول على زبائن أعمال وليس فقط زبائن شعبيين"، وتابع: "كلما حقق النادي، أي نادٍ، أموالاً، كلما فاز بمباريات. وكلما فاز بمباريات، كلما حقق أموالاً أكثر".

توج ليون بلقب بطل دوري الدرجة الثانية بلا هزيمة في الموسم 1989-1988. بداية مشجعة. وعندما فاز باللقب الأول في دوري الدرجة الأولى عام 2002، لم يأبه كثيرون. لكن عندما اعتاد التتويج باللقب بصفة سنوية حتى 2008، بدأ كثير من الفرنسيين بالاهتمام بالنادي.

زادت شعبية الفريق وارتفعت المداخيل من حضور الناس إلى المدينة. ومن هذه الأموال، تمكن النادي من شراء لاعبين أفضل.

وكشف أولاس أن النادي باع في 2006 نحو 110 آلاف قميص مقابل 200 ألف في 2007، كما بات في 2006 الأكثر شعبية في البلاد وفق إحدى الدراسات، متفوقاً على مرسيليا.

4 مداميك

سوق الانتقالات كانت السبب في "قيامة ليون" واستندت إلى 4 مداميك.

تمثّل المدماك الأول في "حكمة الحشود"، فإذا أراد النادي ضم لاعب ما، كان عدد من الرجال يجلسون معاً للتباحث قبل اتخاذ القرار، بينهم رئيس النادي، المدرب، مدربون آخرون والمدير الرياضي. يقول أولاس: "في إنجلترا، يقوم المدرب بالمهمة بمفرده. في فرنسا، يؤديها المدير الفني. أما في ليون، فإن المجتمعين يأخذون القرار معاً".

يتمثل المدماك الثاني في قناعة بأن أفضل توقيت لشراء اللاعب هو عندما يكون في أوائل العشرينيات من عمره. قامت سياسة أولاس على ضم عناصر صغيرة السن لكن مع إمكانيات. يكون هؤلاء الأفضل في بلادهم على أن تتراوح أعمارهم بين 20 و22 سنة.

وبحسب صحيفة "ليكيب" الفرنسية، صرف النادي في الموسم 2008-2007 نحو 31% فقط من الميزانية على رواتب اللاعبين.

المعدل كان الأضعف في الدوري الممتاز حينها. وعلى منوال نوتنغهام فوريست الإنجليزي مع المدرب "الأسطوري" براين كلاف،

اتّبع ليون منحًى سحرياً للتتويج بالألقاب من دون دفع رواتب "غبية".


وتمثّل المدماك الثالث في ضرورة مساعدة اللاعب الجديد على التموضع في البيئة الجديدة. ذكر رئيس سابق لأحد الأندية الفرنسية: "لا يختار ليون اللاعبين فقط وفق إمكانياتهم، بل بحسب قدرتهم على التأقلم".

من جهته، قال اللاعب الدولي العاجي السابق ديدييه دروغبا: "في ليون، يهتم المترجم باللاعبين البرازيليين. يساعدهم على إيجاد منزل وجلب الحاجيات. يحاول أن يخفف قدر المستطاع من الآثار السلبية للانتقال إلى بيئة جديدة. حتى في تشلسي (الإنجليزي الذي لعب له دروغبا)، لم يكن ذلك موجوداً".

المدماك الرابع يقوم على ضرورة بيع أيّ لاعب يُدفع فيه سعر أعلى من قيمته الفعلية. يقول أولاس: "شراء وبيع اللاعبين ليسا تحركاً لتطوير الأداء. هما حركة تجارية. إذا وصل عرض للاعب بمبلغ أعلى من القيمة الفعلية، عليك ألا تحتفظ به".

اللافت أن ليون كان مستعداً بشكل دائم لخسارة لاعبيه لحساب أندية أوروبية كبرى، لذا كان يعوضهم قبل رحيلهم.

أزمات حادة

عانى ليون، في السنوات الأخيرة، من أزمات مالية حادّة، إدارة متعثرة، حظر انتقالات، نتائج سيئة، تجاوزات، وتوترات بين جماهيره. كان مهدداً بالهبوط، خلال الصيف الحالي، بسبب مشاكل مادية ضخمة نتيجة تراكم ديون تجاوزت 500 مليون يورو وعدم التزامه بخطة إصلاح مالي.

لكن مع استئناف القرار، حصل على حكم يسمح له بالبقاء في الدرجة الأولى، خصوصاً بعد تغيير الإدارة.

سحابة سوداء لا يمكنها أن تُنسي العالم "تجربة ليون" بين 2002 و2008. تجربة بعيدة جداً عمّا يشهده سوق الانتقالات في السنوات الأخيرة من اعتماد لغة واحدة تتمثل في أن "من يدفع كثيراً... هو المؤهل ليكسب أخيراً".