في حديث مطوّل اتسم بالصراحة والعمق، قدّم النجم الأوروغوياني لويس سواريز شهادة شخصية نادرة عن حياته الرياضية والإنسانية، متناولًا رحلة المعاناة التي عاشها طفلًا، وروتينه الصارم الذي سمح له بالاستمرار في الملاعب حتى سن الـ38، إضافة إلى علاقته المتجددة مع ليونيل ميسي، وضغوط اللعب لبرشلونة، ورؤيته للدوري الأميركي.
انضباط يومي صارم
تحدّث سواريز بداية عن لياقته الحالية، موضحًا أنه يشعر بحالة بدنية ممتازة، وأن خبرته الطويلة أكسبته معرفة أدوات جديدة تساعده على العناية بجسده لتحقيق أفضل أداء ممكن.
وفي حديث مع صحيفة "سبورت" الإسبانية، أشار إلى أنه بات يعتمد على روتين خاص يبدأ قبل التدريب بمجموعة من التمارين الوقائية، ثم يواصل خلاله، وبعده يجري تدريبات إضافية تشمل الركض حافي القدمين على العشب، قبل أن يتوجه إلى صالة الألعاب الرياضية لفترة أخرى من العمل الفردي.
وقال إن هذا الروتين المتطور يجعله نشيطًا طوال اليوم، ويمنحه قدرة أفضل على إنهاء يومه دون إرهاق، مضيفًا أنه غيّر برنامجه السابق الذي كان يجعله يمضي ساعات طويلة في الخمول بعد التدريبات، وأن التعديل الذي أجراه سمح له بالبقاء في حالة حركة دائمة.
وأكد أن وصوله إلى المباريات بات مختلفًا تمامًا عن السابق، وأن النظام الجديد يمنحه راحة وثقة أكبر، موضحًا أنه يشعر بالرضا الكامل تجاه هذه الطريقة وأنه وجد فيها ما يناسبه في هذه المرحلة من مسيرته.

وتوقف عند التطور الكبير في كرة القدم المعاصرة، موضحًا أن الجيل السابق لم يحظَ بالأدوات المتاحة اليوم مثل برامج التغذية الدقيقة، والعمل الوقائي قبل وبعد الحصص التدريبية، والجلسات الإضافية التي يجريها اللاعبون، وأن هذه المستجدات جعلت كرة القدم أكثر احترافية، وساعدت اللاعبين الكبار على إطالة مسيرتهم بشكل ملحوظ.
روح التمرد.. الوقود الحقيقي لمسيرته
وصف سواريز نفسه بأنه يجسّد "روح المتمرد"، مؤكدًا أن مسيرته كانت سلسلة من المواجهات مع الانتقادات التي لاحقته منذ بداياته.
وأوضح أنه يُعد مثالًا في الإصرار والمرونة والقدرة على القتال المتواصل، لكنه يعترف أيضًا بوجود جوانب لا يُعد فيها قدوة.
واستعاد بداياته في نادي ناسيونال الأوروغواياني، حين تعرض لانتقادات لأنه أضاع فرصًا في أول ظهور له، مشيرًا إلى أن تلك المرحلة كانت الشرارة الأولى في رحلته لمواجهة الضغوط.
وأضاف أن الأمر استمر في هولندا حيث وُجهت له انتقادات بدعوى زيادة وزنه، ثم في ليفربول بسبب تصرفاته، ثم في برشلونة بسبب المرور بفترات تراجع تهديفي.
وأكد أنه في كل محطة من محطات مسيرته اضطر للدفاع عن نفسه أمام نفس النوع من الانتقادات.
وقال إن النقد لم يكن يومًا سببًا لإحباطه، بل مصدر قوة، لافتًا إلى أن كثيرين كانوا ينتظرون رؤيته منكسرا، لكنه كان دائمًا يعاند تلك الصورة بمحاولة إظهار القوة، معتبرًا أن هذا الأسلوب هو ما منحه الثبات طوال مسيرته.
طفولة قاسية.. أيام جوع صنعت شخصية لا تستسلم
في لحظة وجدانية مؤثرة، عاد سواريز إلى طفولته وعرّف أصل الروح القتالية التي طبعت مسيرته، قائلاً إنه نشأ في ظروف بالغة الصعوبة، وإنه كان مضطرًا للخروج بحثًا عن المال لتأمين طعامه وطعام أسرته عندما كان طفلًا بعمر 9 أو 10 سنوات.
وقال إن والديه كانا منفصلين، وإن والدته كانت تعمل وحيدة في مركز تجاري في تنظيف المرافق، وكان عليه أن يذهب ليحصل على النقود التي تكسبها ويقوم بشراء احتياجات المنزل.
وأوضح أنه اضطر لممارسة أعمال بسيطة مثل تنظيف السيارات لجلب المال، كما كان يجمع بطاقات الهواتف المستخدمة من الشوارع ليبيعها لأحد الهواة.
ووصف تلك المرحلة بأنها كانت "صراعًا يوميًا من أجل البقاء"، مؤكدًا أنه لا يشعر بأي ندم تجاه تلك التجارب لأنها علمته الإبداع في مواجهة الحياة.
وعن الشاب الذي كان في الـ16 أو الـ17، قال إنه لو عاد إليه الآن لنصحه بأن يستمر في القتال، لأن الظروف القاسية التي عاشها كانت هي التي مهدت له طريق النجاح.
وأشار إلى أن كثيرًا من الشباب الذين ينشؤون في ظروف مريحة لا يدركون قيمة الفرصة التي يقدمها لهم عالم كرة القدم، بينما هو وجد في اللعبة طريقًا للهروب من الفقر ووسيلة لبناء مستقبله.

علاقة خاصة مع ميسي
كشف سواريز أن علاقته مع ليونيل ميسي تطورت مع مرور السنوات، وأنهما أصبحا يعرفان طباع أحدهما الآخر بدقة، سواء داخل الملعب أو خارجه.
وأكد أن أطفالهما يعيشون اليوم أوقاتًا طويلة معًا في ميامي، وأنهما يعيشان مرحلة جميلة من حياتهما المهنية والشخصية، تتمثل في خوض آخر فصول مسيرتهما جنبًا إلى جنب كما كانا يحلمان منذ أيام برشلونة.
ووصف ميسي بأنه "لا يُشبِهه أحد"، مؤكدًا أنه لاعب فريد ومُلهِم، وأن روحه التنافسية ما تزال تدهشه.
وقال إن ميسي يغضب أحيانًا إذا لم يسجل زميل معيّن في المباراة، لأنه يضع لنفسه أهدافًا صارمة ويحترم كل تفاصيلها، مشيرًا إلى أن هذه الروح تنتقل إلى بقية اللاعبين.
كما أوضح أن رؤيته لميسي يضغط على الخصم رغم عمره وما حققه من إنجازات يجعل اللاعبين الصغار في الفريق بلا أعذار، لأن مثال ميسي يجبر الجميع على العمل بأقصى طاقة.
وعند سؤاله عن أفضل نسخة له، قال إن موسم 2013-2014 مع ليفربول كان مميزًا لأنه كان في قمة توهجه، لكن تجربة برشلونة منحته تطورًا نوعيًا لأنه تعلّم اللعب في مساحات صغيرة وبطريقة مختلفة تمامًا.
وأكد أن سنواته بين 2014 و2017 كانت الأفضل له مع النادي الكتالوني.
وتحدث أيضًا عن الضغوط الهائلة في برشلونة، موضحًا أن النادي يطلب من لاعبيه الحفاظ على مستوى بين 8 و10 كل 3 أيام، وأن مجرد هبوط بسيط يفتح باب التشكيك.
وضرب مثالًا بالمحادثات التي يجريها مع مواطنه رونالد أراوخو، قائلًا إنه ينصحه دائمًا بأن الجماهير لا تتذكر الأمس، وأن عليه أن يقدم أداءً عاليًا في كل مباراة دون توقف.
الدوري الأميركي.. أصعب مما يتصور البعض
اختتم سواريز حديثه بالحديث عن تجربته في الدوري الأميركي، قائلًا إنه فوجئ بعدد الرحلات الطويلة وكثرة المباريات، خصوصًا لأن إنتر ميامي ينافس في بطولات متعدّدة تمتد حتى الأدوار النهائية، ما يضاعف من عدد التنقلات.
وأشار إلى أن الرحلات الجوية لا تقل مدتها غالبًا عن ساعتين، لكنّه شدد على أنه لا يشتكي، بل يحاول الاستمتاع بما تبقى من مسيرته.
كما أوضح أن مستوى المنافسة في الدوري الأميركي أعلى مما يتخيله البعض، وأن المباريات ليست سهلة أبدًا.
وقال إن الفرق المنافسة تعتبر مواجهة إنتر ميامي "مباراة الموسم"، ولهذا يلعب الجميع أمامهم بأقصى طاقة ممكنة، مشيرًا إلى أن فريقه خسر أمام متذيل الترتيب وفاز أمام المتصدر في الموسم نفسه، وأن هذا دليل على صعوبة البطولة.
واستعاد أيضًا تجربة خروجهم من "البلاي أوف" رغم تصدرهم الدوري في الموسم الماضي، معتبرًا ذلك مثالًا آخر على توازن المنافسة داخل المسابقة.