على ما يبدو أنّ قطاع الرياضة في مصر سيعاني بشكل كبير خلال الفترة المقبلة، خصوصا مع تفاقم ظاهرة "تجنيس اللاعبين" التي باتت شبحا يهدد مستقبل هذا القطاع، الذي ينتمي تحت لوائه الملايين من الشباب داخل الدولة، فهروب الرياضيين المصريين الموهوبين لبلدان أخرى لتمثيلها بعد الحصول على جنسيتها واللعب باسمها، هي القضية الأبرز في الوسط الرياضي في الفترة الأخيرة.
فالمواهب الرياضية داخل أكبر بلد عربي به تعداد سكاني، بدأت تتساقط واحدا تلو الأخر في تغافل كبير من جانب المسؤولين والاتحادات الرياضية، وسط حالة من الإهمال وعدم تقدير المواهب والأبطال وهو ما أثار حالة من الغضب والاستهجان الشديدين داخل الشارع المصري من المواقف المخزية لدى المسؤولين.
آخر الأبطال المصريين الذين سعوا خلف التجنيس وفضلوا اللعب باسم بلد أخر غير مصر، كان لاعب منتخب مصر للإسكواش مروان الشوربجي والمصنف السادس على العالم، حيث سار على درب شقيقه الأكبر محمد الشوربجي، وقرر الدفاع عن علم إنجلترا بعد الحصول على جنسيتها، وبات الاثنان يمثلان أول حالتين لتجنيس الرياضيين المصريين بالجنسية الإنجليزية، حيث سبقهما العديد من الرياضيين في ألعاب أخرى بجنسيات مختلفة.
ففي عام 2015 رفض رئيس الاتحاد المصري للمصارعة، تحمّل نفقات علاج اللاعب طارق عبد السلام، بحجة أنه ليس أساسيا بالمنتخب ولا يعوّلون عليه كثيرا، على الرغم من أنّ عبد السلام كان قد فاز قبلها بعدد من الميداليات منها ذهبية في دورة الألعاب الإفريقية، ومع تعنّت الاتحاد معه قرر اللاعب الاعتزال والسفر إلى بلغاريا للعلاج على نفقته الخاصة، والبحث عن عمل وبدء حياة جديدة، وعندما علم زملاؤه أنه بطل رياضي ساعدوه في رحلة العلاج، وبدأ التدرب لمدة عامين حتى استطاع التتويج ببطولة أوروبا عام 2017 تحت العلم البلغاري.
ولم يكن طارق عبد السلام المصارع المصري الوحيد الذي مثّل دولة أخرى، بل سبقه الأولمبي محمد عبد الفتاح بوجي، عندما مثّل البحرين في بطولة آسيا، ومحمد فوزي الذي مثّل منتخب الولايات المتحدة.
منصة "المشهد" حاولت الخوض في أعماق تفاصيل ما يحدث مع اللاعبين المصريين وخروجهم من وطنهم، وتمثيل دول أخرى، حيث التقت ببطل الفروسية سامح الدهان الذي يمثّل الآن المنتخب الانجليزي.
الدهان: تعرضت لظلم كبير
يحكي سامح الدهان قصة تجنيسه، فيقول: "كنت أتعرّض لظلم كبير جدا داخل مصر، من قبل مسؤولي اتحاد الفروسية، وكنت أواجه صعوبات صعبة لدرجة أنني فكرت بشكل جدي في التوقف عن ممارسة اللعبة والاعتزال، ورغم ذلك لعبت أكثر من 10 أعوام تحت مظلة اتحاد الفروسية المصري، ولكن عندما بلغ هذا الظلم مراحل متقدمة تجاهي لدرجة أنه تم استبعادي من أولمبياد طوكيو 2020 لأسباب غير معلنة، قررت هنا فقط بأن أترك البلد وأهاجر بحثا عن مستقبل أفضل، ولضمان مشاركة أوسع في مختلف المحافل الرياضية الدولية الخاصة بالفروسية".
ويقول بطل الفروسية سامح الدهان، إنه دخل في حالة من الإحباط والاكتئاب الشديدة بسبب الضغوط التي مارسها مسؤولو الاتحاد المصري للفروسية عليه، وما إن وجد فرصة السفر للخارج حتى ذهب وقرر الفارس اللعب تحت علم إنجلترا.
ويؤكد الفارس سامح الدهان لـ"المشهد" أنه يعشق وطنه مصر حتى النخاع، وأنّ قرار التجنيس لم يكن بيده ولا بإرادته على الإطلاق، لكنّ المتسبب الوحيد في ذلك هو الاتحاد المصري للفروسية، الذي قرر استبعاده من المنتخب المصري وعدم مشاركته في البطولات، مشيرّا إلى أنه لم يعد بإمكانه مواصلة مسيرته المهنية إلى المستوى الذي يريده، وهو تحت سيطرة الاتحاد المصري للفروسية.
وكشف الدهان عن أنه كان ينفق على نفسه من أمواله الخاصة، سواء في شحن الخيول أو دفع ورسوم الاشتراك، وكان يمارس رياضة الفروسية بالكامل على نفقته، ما عدا المبالغ الضئيلة التي كان يحصل عليها من الاتحاد.
وأوضح الدهان أنه منذ التحاقه بالاتحاد الإنجليزي للفروسية، لم يستطع الانضمام إلى المنتخب الانجليزي للفروسية واللعب فيه، لكن فقط كنت أشارك بشكل فردي في البطولات الدولية للفروسية، وذلك بسبب قانون الاتحاد الدولي الذي يمنع أيّ لاعب تجنس من اللعب والمشاركة باسم الدولة الذي لجأ إليها خلال عامين متتاليين، وأكد أنه يستطيع الآن الالتحاق بالمنتخب الانجليزي واللعب باسمه، بعدما انتهت مدة العامين حيث كان آخرها شهر مايو الماضي.
مطالب بإقالة مسؤولي الاتحاد المصري للاسكواش
أما رشا محمود والدة لاعبة المنتخب المصري للاسكواش أمينة عرفي، والتي تبلغ من العمر 16 عاما فتقول لـ"المشهد" إنّ ابنتها تعاني معاناة شديدة ومضايقات عديدة من قبل مسؤولي اللعبة، وإنّ كل الممارسات غير اللائقة في التعامل التي واجهها البطل المصري مروان الشوربجي، وكانت سببا في تجنيسه، تتعرض لها نجلتها الآن، وطالبت بإقالة كل أعضاء الاتحاد المصري للاسكواش في أقرب وقت، حتى لا تتفاقم الأمور ويهرب الكثير من اللاعبين للتجنيس.
والدة اللاعبة أمينة عرفي أكدت أنّ تكاليف لعبة الاسكواش مرتفعة للغاية، وأنّ الذي يتحمل مصاريف ومستلزمات اللعبة كافة، هي ابنتها فقط، ولا يوجد أدنى دعم مادي من قبل الاتحاد، وأشارت إلى أنّ الاتحاد يحابي بعض اللاعبين ويفرق بينهم في موضوع الدعم المادي وأشياء أخري كثيرة، نظراً للمصالح الشخصية لمسؤولي الاتحاد.
وزارة الشباب والرياضة: قمنا بإعداد دراسة كاملة لظاهرة التجنيس
من جانبه، أوضح أحد المسؤولين بوزارة الشباب والرياضة لمنصة "المشهد"، رفض الوزارة التام لظاهرة التجنيس لخطورتها الشديدة، وأكد أنّ الوزارة عكفت مؤخرا على دراسة أسباب ظاهرة تجنيس اللاعبين خصوصا بعد تزايدها خلال السنوات القليلة الماضية، وتوصلت إلى أنّ أبرز هذه الأسباب تتمثل في وجود إغراءات مالية الكبيرة من قبل الدول الأخرى، التي يتعرض لها أبطال الرياضة، وعدم القدرة المادية من قبل اتحادات بعض الألعاب خصوصا الفردية منها، للإنفاق على أبطال هذه اللعبات، ما يجعلهم عرضة للعب باسم أيّ دولة أخرى سواء بالتجنيس أو الحصول على الجنسية إضافة إلى التهميش، وعدم الاهتمام الإعلامي الكافي لبعض الألعاب الفردية.
قطر أكثر الدول جذبا للاعبين المصريين
ووفقا لهذه الدراسة بحسب مسؤولي وزارة الشباب والرياضة، فإنّ عدد المجنسين في الألعاب الجماعية (كرة القدم واليد والسلة)، وصل إلى 21 لاعبا فيما جُنّس من الألعاب الفردية 24 لاعبًا خلال السنوات القليلة الماضية، وتعدّ دولة قطر الأكثر جذبا للاعبين المصريين، حيث اتجه إليها نحو 25 لاعبا، وفيها 55% من المجنسين، وتأتي خلفها الولايات المتحدة بـ9 لاعبين بنسبة 20%.
الجشع المادي وراء هروب بعض اللاعبين
وللوقوف عند وجهة النظر الأخرى لمسؤولي اتحادات الألعاب الرياضية والمتهمين دائما بالتقصير وعدم تحمّل المسؤولية، التقت "المشهد" رئيسي الاتحاد المصري للمصارعة والاسكواش، حيث قال اللواء عصام نوار رئيس الاتحاد المصري للمصارعة، إنّ أبرز الأسباب التي تدفع إلى لجوء بعض اللاعبين للهروب من الاتحادات التابعين لها، والسفر خارج أوطانهم، هو الاستعجال الشديد في الحصول على الأموال وهم في عمر صغير. والهروب من مستوياتهم الاجتماعية بالإضافة إلى مقارنة أنفسهم بزملائهم في الألعاب الأخرى، التي تعطي لاعبيها أموالا طائلة كلعبة كرة القدم وكرة الطائرة على سبيل المثال، وأكد عصام النوار أنّ جميع اللاعبين الذين قاموا بالهروب من أوطانهم إلى بلدان أخرى، لم يحققوا أيّ نجاحات على الاطلاق، سواء على الصعيد المادي أو صعيد البطولات، بل بالعكس أصبح حالهم أقل شأنا من ذي قبل.
وطالب رئيس الاتحاد المصري للمصارعة مختلف الشباب بعدم استعجال النجاح والحصول على الأموال، والنظر إلى أبطال مصر في لعبة المصارعة الذين حققوا نجاحات كبيرة، أمثال اللاعب محمد إبراهيم "كيشو"، واللاعبة سمر عامر، واللاعب عبد اللطيف منيع، وهم أباطرة المصارعة حاليا ويتقاضون الكثير من الأموال، وهم يمثّلون مصر في هذه اللعبة.
موقف دولي لحماية اللاعبين المصريين
أما عاصم خليفة رئيس الاتحاد المصري للاسكواش، فقد عبّر لـ"المشهد" عن استغرابه الشديد لقرار لاعب الاسكواش الدولي مروان الشوربجي للعب في صفوف الاتحاد الانجليزي، وأكد أنه سوف يتوجه بمذكرة إلى الاتحاد الدولي للعبة، من أجل اتخاذ موقف بخصوص تكرار تجنيس اللاعبين المصريين من دول أخرى.
وأضاف عاصم خليفة، أنّ اللاعب المصري متميز وزكي وقادر على اللعب بالفطرة، ولديه إمكانات عالية غير موجودة في أيّ لاعب آخر في العالم، وهناك فارق كبير بين اللاعب المصري وأيّ لاعب أجنبي أخر.
وتمتلك مصر قاعدة عريضة من اللاعبين الأبطال، خصوصا في الرياضات القتالية والبدنية، ولكن في ظل عدم الاهتمام المطلوب والكافي، يلجأ هؤلاء الأبطال إلى الهروب والتجنيس من أجل اللعب لصالح دول أخرى، لتحقيق ما فشلوا فيه داخل مصر.