يبدو أن منتخب الكاميرون يمتلك قدرة استثنائية على تحويل الأزمات إلى وقود للنجاح، وهي سمة رافقته تاريخيا في المحطات الكبرى.
وفي نسخة كأس أمم إفريقيا الحالية، يتجدد المشهد مجددا، بعدما نجح "الأسود غير المروضة" في بلوغ الدور ربع النهائي، ليطرح سؤالا مشروعا حول إمكانية ولادة لقب قاري سادس من قلب الفوضى والارتباك.
عبور صعب يعيد الأمل
أعاد الفوز الصعب على جنوب إفريقيا بنتيجة 2-1 في الدور ثمن النهائي، بعضا من الهيبة المفقودة للمنتخب الكاميروني،
ومنح الفريق دفعة معنوية كبيرة بعد مرحلة مضطربة. الانتصار أبقى الآمال قائمة في مواصلة المشوار، ليس فقط لتعزيز السجل القاري، بل أيضا لمداواة جراح الإخفاق في بلوغ كأس العالم 2026، الذي ظل حاضرا في أذهان اللاعبين والجماهير.
وقال لاعب الوسط الشاب كارلوس باليبا عقب المباراة إن الغياب عن المونديال كان "خذلانا كبيرا"، مؤكدا في الوقت ذاته أن المنتخب يعيش مرحلة انتقالية تقودها مجموعة شابة ما زالت في طور البناء والتطور، وتبحث عن إثبات الذات على أعلى مستوى.
صراع إداري أنهك المنتخب
لم تكن معاناة الكاميرون كروية فقط، بل إدارية بامتياز.
فعلى مدار نحو 18 شهرا، عاش المنتخب حالة شد وجذب بين الاتحاد المحلي لكرة القدم برئاسة الأسطورة صامويل إيتو ووزارة الرياضة، التي تولت ملف التعاقد مع الجهاز الفني.
هذا الصراع بلغ ذروته مع تعيين المدرب البلجيكي مارك بريس رغم اعتراض إيتو، ما خلق انقساما واضحا داخل المنظومة.
وانعكس هذا التوتر بشكل مباشر على النتائج، حيث فشل المنتخب في التأهل إلى كأس العالم، بعد تعثره في التصفيات وخسارته الملحق أمام الكونغو الديمقراطية.
ومع ذلك، تغيرت المعادلة سريعا، إذ تمت إقالة بريس قبل أسابيع قليلة من انطلاق النهائيات، وتكليف المدرب المغمور ديفيد باغو بالمهمة.
مفاجآت فنية ورهان على الروح
قرار باغو إبعاد أسماء بارزة، على رأسها القائد فينسنت أبو بكر والحارس أندريه أونانا، بدا صادما في توقيته، لكنه عكس توجها جديدا يقوم على ضخ دماء مختلفة والتركيز على الانضباط والروح القتالية.

وفي ظل هذه الظروف، لم يكن كثيرون يضعون الكاميرون ضمن دائرة الترشيحات، غير أن الأداء في الأدوار الإقصائية أعاد الاعتبار للفريق.
مدرب جنوب إفريقيا هوغو بروس، الذي سبق له قيادة الكاميرون إلى لقب 2017 (آخر تتويج للكاميرون)، وصف منافسه بأنه فريق "يلعب بقلب كبير وروح عالية"، مؤكدا أن قوته البدنية وشراسته الذهنية تجعله خصما بالغ الصعوبة، حتى عندما يكون خارج الحسابات.
تاريخ من التحدي والمفاجآت
العودة من قلب الأزمات ليست جديدة على الكاميرون.
في مونديال 1990، تجاوز المنتخب خلافات داخلية واستعدادات متعثرة ليصبح أول فريق إفريقي يبلغ ربع النهائي، مستعينا آنذاك بعودة تاريخية لروجيه ميلا.
كما سبق له التتويج القاري عام 1988 في المغرب، رغم ظروف مشابهة، في نسخة يتذكرها الكاميرونيون كنموذج للانتصار على كل العوائق.
اليوم، ومع وصوله إلى ربع النهائي، يقف منتخب الكاميرون مرة أخرى أمام مفترق طرق. فإما أن تتحول الأزمات إلى دافع يقوده لمنصة التتويج، أو تظل مجرد قصة صمود دون نهاية سعيدة.
لكن المؤكد أن "الأسود غير المروضة" لا يمكن تجاهلهم أبدا، خاصة عندما يلعبون تحت الضغط، حيث اعتادوا أن يكونوا في أخطر حالاتهم.