قبل الـ"كلاسيكو" الأخير بين ريال مدريد وبرشلونة ضمن الدوري الإسباني لكرة القدم، أصاب نجم التنس كارلوس ألكاراز في توقعه فوز "الملكي" بنتيجة 1-2. ليس هذا فحسب، بل أصاب أيضاً في تحديد هوية صاحبَي الهدفين، الفرنسي كيليان مبابي والإنجليزي جود بيلينغهام.
شعور عام غلب الأجواء بأنّ الفريق المدريدي سينتصر في لقاء القمة رغم أن ثمة قرباً بين القيمة التسويقية لعديد كل من الجانبين (ريال مدريد: 1.39 مليار يورو، وبرشلونة: 1.1 مليار يورو).
"ريال" تفوّق، ليس بسبب قوته وتشكيلته المدججة بالنجوم، بل نتيجة مشاكل تعصف ببرشلونة، هذا في العام. أما في الخاص، وهنا بيت القصيد، فإن من يتحمل المسؤولية كاملة هو المدرب الألماني هانسي فليك رغم كونه السبب المباشر لتتويج فريقه بالثلاثية المحلية (كأس السوبر والدوري والكأس) في الموسم الماضي.
ماذا حصل وكيف انقلب السحر على الساحر؟
معروف عن فليك عناده القائم على التمسك بـ"الدفاع المتقدم"، وهو أسلوب تكتيكي يهدف إلى الضغط على الخصم في مناطقه المتقدمة، وإجباره على ارتكاب الأخطاء أو استعادة الكرة بالقرب من مرماه. يتطلب هذا الأسلوب لاعبين ذوي مهارات فنية عالية وقدرة تكتيكية وتركيزاً، وهو مناسب للفرق التي تسعى للسيطرة على المباراة ومواجهة الفرق التي تعتمد الهجمات المرتدة.
اعتمد فليك هذا "السلاح" خلال فترته الذهبية في بايرن ميونيخ الألماني حين حقق "السداسية التاريخية"، علماً بأن اللقب الأهم في تلك الحقبة تمثل بدوري أبطال أوروبا عندما تغلب رجاله على باريس سان جرمان الفرنسي الزاخر بأسماء لامعة من أمثال مبابي، البرازيلي نيمار داسيلفا والأرجنتيني أنخيل دي ماريا.
توقع كثيرون أن يعدل فليك عن "الدفاع المتقدم" في النهائي بسبب بطء مدافعيه في عملية الارتداد في مقابل سرعة عناصر الهجوم لدى الخصم. أصرّ على موقفه، وأثمر ذلك تتويجاً بافارياً عزيزاً.
فليك ليس الوفيّ الوحيد لـ"نمط تكتيكي" معين يعتمده أينما حلّ وارتحل. مثال صريح، الإيطالي أنتونيو كونتي الذي يزجّ بثلاثة لاعبين في الخلف بأسلوب دفاعي متحفظ، مهما كانت هوية الخصم.
تتحوّل هذه الأساليب إلى هوية خاصة بكل مدرب، ويُعتبر التنازل عنها، بعد سلسلة من سوء النتائج، بمثابة "راية بيضاء" قد تفقده ثقة الجميع به. ومن هنا الإصرار على ما يمكن اعتباره "وجهة نظر رياضية فنية".
مرونة فنية
"تكتيك فليك" يستوجب عناصر معينة للتنفيذ، ولا شك في أن رحيل إينيجو مارتينيز إلى النصر السعودي، أثّر بالسلب على التطبيق بشكل كبير، وبالتالي كان يتوجب على الألماني أن يتمتع بمرونة فنية معينة ويضع خطة بديلة كي لا يدفع ثمن تمسكه بأسلوب غير مأمون الجانب.
بدأ المباراة بالرباعي الدفاعي المكون من الفرنسي جول كوندي، باو كوبارسي، إريك جارسيا وأليخاندرو بالدي، قبل أن يستبدل الثلاثي الأخير في الدقائق 74 و83 و90 عبر لاعبَي دفاع ولاعب خط وسط، علماً أن ريال مدريد تقدم 1-2 مند الدقيقة 43.
تبديلات وُصفت بالـ"عشوائية"، فيما اعتبر آخرون بأن المدرب الألماني لم يكن يملك في الدكة عناصر قادرة على صنع الفارق في ظل غياب دانيال أولمو، البولندي روبرت ليفاندوفسكي، البرازيلي رافينيا، الألماني مارك-أندريه تير شتيجن، الدنماركي أندرياس كريستينسن، جافي وإريك جارسيا.
كانت المباراة مناسبة سانحة لفليك الذي تابعها بعيداً عن الدكة بسبب الإيقاف، كي يؤكد تفوقه على ريال مدريد بعد 4 انتصارات متتالية حققها عليه في 4 مباريات منذ وصوله إلى "كامب نو"، خصوصاً أن الـ"كلاسيكو" الأخير استعاد البريق بعد سنوات من البهتان لأسباب عدة أبرزها التّوق المدريدي لكسر سلسلة الهزائم أمام الغريم، والتصاريح النارية العائدة إلى لامين يامال، والذي استفز فيها "الملكي" قبل أيام من "الموقعة"، عبر الحديث عن وجود حالات سرقة من قبل الأخير، في إشارة إلى الفوز بالحكام ثم الشكوى بعد ذلك.
وأفادت صحيفة "سبورت" الكتالونية بأن عدداً من نجوم ريال مدريد طلبوا اللعب على الجهة اليسرى لمواجهة يامال نتيجة تصريحاته الاستفزازية.
حتى إدارة برشلونة رأت بأن تصريحات اللاعب كانت سبباً في الخسارة لأنها حفزت الخصم ومنحته دافعاً إضافياً، مؤكداً أنه سيتابع سلوك يامال عن قرب خلال الفترة المقبلة لتجنب المزيد من التصريحات المتهورة وغير المسؤولة.
في الأساس، بدا يامال في المواجهة وكأنه لم يحضر. غاب تركيزه عن "الموقعة" نتيجة أمور أخرى لا علاقة لها بالمباراة، أضف إلى ذلك حياته الشخصية الصاخبة، الأمر الذي كلف برشلونة جهوده التي اعتمد عليها كثيراً لتحقيق الانتصارات سابقاً.
قريبة وبعيدة
بدا كل شيء واضحاً في المباراة. كالعادة، ذهب الاستحواذ لبرشلونة بنسبة 68% مقابل 32% لريال مدريد الذي كان أكثر إنتاجيةً، فقد أنجز لاعبوه 10 تسديدات بين الخشبات مقابل 6 للخصم. كما تفوق في الركلات الركنية (12 مقابل 4)، لكن الأفضلية كانت للمدرب تشابي ألونسو الذي تفوق على فليك.
رؤية بيدري الخلوق، وقد غزاه العَرَق، وهو ينال البطاقة الصفراء الثانية ويُطرد، تعكس واقع برشلونة، بنظرتين، إحداهما قريبة والأخرى بعيدة.
فقد أمسك النجم الشاب بقميص الفرنسي أوريليان تشاوميني وألقاه أرضاً بعدما انسلّ الأخير بالكرة وكان متجهاً لبناء هجمة واعدة. لن نتحدث في النوايا، لكن الأكيد أن بيدري كان يخشى على "الدفاع المتقدم" أن يُخرق، فأقدم على فعلته التي لم يتسبب بها تهوره، بل "تكتيك فليك".
اللقطة نفسها تفرض "نظرة بعيدة" تشير إلى أن استمرار برشلونة على الوضع الحالي، تكتيكياً لجهة تمسك المدرب الألماني بأسلوبه الذي كلفه الكثير منذ انطلاق الموسم، وعناصرياً لجهة ظاهرة الإصابات المتتالية للاعبيه، سيجعله، طيلة الموسم الراهن، في دور اللاهث خلف ريال مدريد وليس العكس.
كان ألكاراز على حق في رهانه على فوز "الملكي". لكن كثيرين كانوا يدركون قبل الـ"كلاسيكو" بأن الـ"ريال" سيسجل، وبأن مبابي سيكون صاحب الهدف.. والأهم كيف سيسجل مبابي الهدف، طالما أنه يتمتع بسرعة خرافية قادر من خلالها على إحداث خرق في "دفاع متقدم" هشّ.
يوم الأحد، سيكون إلتشي في ضيافة برشلونة بعناصره، وفليك بالعقلية ذاتها.. إلا إذا تراجع، وهو لن يتراجع.