في مايو 1993، كان ميلان يحتفل بتتويجٍ ثانٍ على التوالي بلقب بطولة الدوري الإيطالي لكرة القدم. ورغم تفوقه على المنافسين المحليين كافة وتحقيق عشرة انتصارات متتالية قادته إلى نهائي كأس الأندية الأوروبية (دوري أبطال أوروبا حاليًا) في ميونيخ (ألمانيا)، جاء مرسيليا الفرنسي ليحقق المفاجأة الكبرى ويحرم الـ "بيج ميلان" من "العرش القاري" بهدف رأسي شهير للمدافع الأسمر بازيل بولي.
كانت تلك المرة الأولى والأخيرة التي يحرز فيها فريق فرنسي اللقب القاري الأسمى.
بعيد إطلاق الحكم صافرة النهاية، وفي خضم الاحتفالات المجنونة للاعبي وإداريّي مرسيليا بإنجاز تحقق على حساب الفريق الأقوى في "القارة العجوز"، جثا مهاجم ميلان، الفرنسي جان بيار بابان، على ركبتيه متحسّرًا على ضياع الحلم، في وقتٍ أسرع فيه رئيس النادي الفرنسي، الراحل برنار تابي، نحوه حرصًا على مواساته.
علاقة وطيدة جمعت بين الرجلين قبل انفصالهما صيف 1992 عندما قرر اللاعب الالتحاق بصفوف ميلان، كاشفًا حينها: "وقّعت لسببين رئيسيين: اللعب إلى جانب (الهولندي) ماركو فان باستن.. والفوز بكأس الأبطال" بعدما عانده اللقب الأوروبي مرارًا، وتحديدًا في 1991 عندما سقط فريقه مرسيليا بمفاجأة كبرى أمام النجم الأحمر الصربي (اليوغوسلافي سابقًا) بركلات الترجيح في النهائي بعد تعادل سلبي في الوقتين الأصلي والإضافي.
حقبة مجيدة
خسارة النهائي كانت بمثابة نهاية حقبة مجيدة لميلان، ومن توابعها انتقال الهولندي رود خوليت إلى سمبدوريا الإيطالي، وعودة مواطنه فرانك رايكارد إلى أياكس أمستردام. في الوقت نفسه، تفاقمت إصابة الهولندي الآخر فان باستن الذي لم يلعب بعد ذلك.
يقول بابان: "كان ميلان الطرف الأفضل في ذاك اليوم، لكنّ النهائي يشتمل على مباراة واحدة، لذا يبقى كل شيء واردًا"، وأوضح في مناسبة أخرى: "لعبتُ إلى جانب فان باستن بضع مرات فقط. كان يوضع دائمًا على الهامش بسبب كثرة الإصابات. وعندما أصبح لائقًا، فضّل المدرب فابيو كابيلو الزجّ بلاعبين اعتاد الاعتماد عليهم خلال فترة غياب الهولندي".
لم يحقق بابان كامل الهدف الذي من أجله وصل إلى إيطاليا، وما أضفى مزيدًا من الأسى على خسارة اللقب الأوروبي لصالح فريقه السابق في موسمه الأول مع فريقه الجديد، اضطراره في الموسم التالي (1994) إلى متابعة تتويج ميلان نفسه بالكأس القارية على حساب برشلونة الإسباني بقيادة المدرب الهولندي الراحل يوهان كرويف، من مدرجات "الملعب الأولمبي" في العاصمة اليونانية أثينا بسبب لوائح الاتحاد الأوروبي للعبة التي لم تكن تسمح بوجود أكثر من 3 لاعبين أجانب في تشكيلة الفريق الواحد.
في ذلك الحين، كان كابيلو، الساعي إلى لملمة جراح "مفاجأة مرسيليا"، قد أجرى ثورة في النادي اللومباردي، واضعًا ثقته في الثلاثي، المونتينيغري ديان سافيسيفيتش، الكرواتي زفونيمير بوبان والفرنسي مارسيل دوسايي.
المهم أنّ بابان نجح أخيرًا في وضع يديه على الكأس ذات الأذنين، لكن ليس بالملابس الرياضية.. بل بملابس مدنية كونه لم يشارك لا كأساسي ولا كبديل حتى.
تبادل أدوار
بعدما ندرت مشاركات بابان الحاصل على "الكرة الذهبية" عام 1991، قرر البحث عن خيارات أخرى. انتقل إلى بايرن ميونيخ الألماني مطلع الموسم 1995-1994، بيد أنه أبدى ندمًا على مغادرة "سان سيرو" بعد موسمين فقط فيه. يقول: "في ذلك الوقت، لم أكن بمفردي في ميلان، بل كان هناك لاعبون آخرون من طراز رفيع، منهم فان باستن، دانييلي ماسارو، ماركو سيموني، جيانلويجي لنتيني، (الدنماركي) مايكل لاودروب، و(الروماني) فلورين رادوتشويو. كنا نتبادل الأدوار والمشاركة، وكان الأمر مقبولًا. لكن بعد ذلك، قرر كابيلو الاعتماد بشكل أكبر على سافيسيفيتش، بوبان ودوسايي"، وتابع: "خضت 63 مباراة مع ميلان وسجلت 31 هدفًا، لكني كنت شابًا وأردت المشاركة بصورة أكبر. بالنظر إلى الماضي، أعتقد أنه ما كان يجب عليّ الرحيل أبدًا لأني كنت قادرًا على تقديم المزيد للفريق. بعد سنوات، التقيت كابيلو، هو أيضاً يعتقد بأنني تسرعت في اتخاذ قراري".
بعد 32 سنة على "نهائي ميونيخ" الشاهد على خيبة بابان، يستعد إنتر ميلان لمواجهة باريس سان جرمان في نهائي دوري الأبطال 2025 في ميونيخ أيضًا. طرفا النهائي، كما في 1993، إيطالي وفرنسي. قد تكون صدفة. لكن في حال توّج سان جرمان للمرة الأولى في تاريخه كما فعل مرسيليا، فلن يكون لاعبو إنتر الوحيدين الذين سيضربون كفًا بكفٍ ضياع الحلم. ثمة لاعب فرنسي سيتحسّر، من جانبه، على سخرية القدر: كيليان مبابي الذي سعى كثيرًا للتتويج باللقب القاري مع سان جرمان، النادي الذي جمعه بالبرازيلي نيمار داسيلفا والأرجنتيني ليونيل ميسي بغية غزو أوروبا، لكن دون جدوى.
نيمار رحل. ميسي رحل. بقي مبابي موسمًا إضافيًا في العاصمة الفرنسية أملًا في تتويج قاري عمل عليه الملاك القطريون للنادي منذ 2011. فشل، قبل أن يقرر الالتحاق بريال مدريد الإسباني مطلع الموسم الحالي على أمل الفوز أخيرًا بالكأس الأوروبية والاقتراب بالتالي من الغنم بـ"الكرة الذهبية".
صحيح أنّ مبابي أضاع في 2020 فرصة سانحة لانتزاع لقب الـ"تشامبيونز ليغ" على حساب بايرن ميونيخ إثر الخسارة أمامه في النهائي، لكن إن كُتب لباريس سان جرمان دخول التاريخ في 31 مايو الجاري من خلال الوقوف على النقطة الأعلى من منصة التتويج الأوروبي، فإنّ ذلك، بلا شك، سيفرض مرارة لدى كيليان.
هو لن يجثو على ركبتيه باكيًا في منزله، كما فعل مواطنه قبل ثلاثة عقود فوق عشب "أولمبيا شتاديون" (الملعب السابق لنادي بايرن ميونيخ)، غير أنّ "حفنة من مشاعر بابان في 1993" ستزوره.. رغمًا عنه.