في قلب مدينة الصدر ببغداد، تتجول فتيات صغيرات بوجوه طفولية بين محال متواضعة مضاءة بأضواء النيون يرتدين عباءات سوداء استعدادا لاستبدالها قريبا بفساتين زفاف اختارتها لهن أمهاتهن.
ومن بينهن، أماني البالغة من العمر 12 عاما، التي ستلتقي بخطيبها البالغ 17 عاما لأول مرة ليلة الزفاف، في زواج رتبته العائلة دون أخذ رأيها بعد أن اعتبر رجل دين محلي بلوغها الجسدي كافيا لإتمام العقد، بحسب صحيفة "التايمز".
في يناير الماضي، أقر العراق تعديلا على قانون الأحوال الشخصية يسمح للمواطنين باللجوء إلى محاكم دينية لإبرام عقود الزواج، وهو ما اعتبره ناشطون تراجعا عن الحماية القانونية التي وفرها القانون المدني منذ خمسينيات القرن الماضي.
وأتاح التعديل تطبيق الفقه الجعفري الذي يجيز الزواج ابتداء من سن الـ9، ما أثار انتقادات واسعة واتهامات للدولة بـ"تقنين زواج الأطفال".
سوق سوداء
يؤكد ناشطون أن التعديل فتح الباب أمام سوق سوداء، حيث تزَوج الفتيات القاصرات مقابل المال أو المكانة الاجتماعية.
في المقابل، يشهد قطاع حفلات الزفاف في بغداد انتعاشا ملحوظا، حيث أبلغ مصورو الفيديو وفنانو المكياج عن زيادة في الطلب على خدماتهم من قبل عرائس صغيرات السن حتى أن محتوى منصات التواصل الاجتماعي بات يعرض بشكل متكرر صورا وفيديوهات لفتيات لا تتجاوز أعمار بعضهن 10 أعوام وهن يرتدين فساتين الزفاف.
ويقود ائتلاف "188" الذي يضم محاميات وصحفيات وناشطات، منذ العام الماضي حملة ضد القانون، محذرا من تداعياته على حقوق النساء والفتيات.
لكن الاحتجاجات التي ينظمها الائتلاف في ساحة التحرير ببغداد تراجعت بعد تصاعد الترهيب والاعتقالات.
وتحدثت جنة الغيزي، وهي إحدى مؤسسات الائتلاف، عن ملاجئ تستقبل فتيات هربن من زيجات قسرية مؤكدة أن الفقر والتشجيع الديني يغذيان هذه الظاهرة.
أرقام مقلقة
تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن 28% من الفتيات في العراق يتزوجن قبل سن 18، وأن 22% من الزيجات غير المسجلة تشمل فتيات دون 14 عاما. كما سجل المجلس الأعلى للقضاء زيادة ملحوظة في عقود الزواج خلال عام 2025 مقارنة بالعام السابق.
وعلى منصات مثل "تيك توك" و"إنستغرام"، تحصد فيديوهات العرائس القاصرات ملايين المشاهدات، ما دفع ناشطين للتحذير من أن هذه الحسابات تحقق أرباحا من محتوى يوصف بأنه "استغلال للأطفال".
عدد من الناشطات مثل زينا جواد وقمر السمرائي، تعرّضن للاستبعاد من الانتخابات الأخيرة أو اضطررن للفرار إلى إقليم كردستان بحثا عن الأمان، فيما تحدثت جواد عن تعرضها للاعتقال والتهديد بسبب نشاطها ضد القانون.
ورغم ذلك، يؤكد أعضاء "ائتلاف 188" أنهم سيواصلون الضغط لإلغاء التعديل، معتبرين أن حماية الفتيات مسؤولية وطنية لا يمكن التراجع عنها.
مشهد إنساني مؤلم
في مراكز إعادة التأهيل ببغداد، تحاول منظمات محلية مثل "حرية المرأة في العراق" إعادة دمج الفتيات اللواتي نجحن في الهروب من زيجات قسرية أو مسيئة.
وبينما يتبادلن الضحكات في فترات الاستراحة، يبقى المشهد شاهدا على معركة طويلة بين واقع اجتماعي قاس وجهود حقوقية تسعى لحماية الطفولة من أن تختزل في فستان زفاف مبكر.