في خطوة تعد قفزة تاريخية في عالم الفلك، كشفت أقوى كاميرا رقمية في العالم، عن أولى صورها للكون، مقدّمة لوحات كونية ساحرة تنبض بالمجرات المتلألئة، والسدم الملونة، والنجوم التي تتلألأ كما لو كانت تنبض بالحياة في فضاء لا نهائي.
هذه الصور المذهلة هي ثمرة عمل مرصد "فيرا سي روبين" الفلكي (Vera C. Rubin Observatory)، الذي يُعد تحفة تكنولوجية فريدة في مجال استكشاف الفضاء.
المرصد، الواقع في تشيلي، يتميّز بقدرته غير المسبوقة على مسح السماء ليلًا بشكل متواصل، من دون انقطاع، وهو ما يفتح نافذة جديدة على فهم أعمق وأدق لأسرار الكون، وتاريخه، وحركته الدائمة.
فيلم كوني
لا تتوقف الطموحات العلمية عند حدود الصور الجميلة التي التقطتها الكاميرا.
ويعمل العلماء حاليا على تطوير نظام مراقبة رقمي متقدم، يحوّل البيانات الفلكية إلى ما يشبه "فيلم كوني" يمكن إعادة تشغيله، ما قد يتيح للباحثين تتبّع حركة الأجسام السماوية، ورؤية تحولات الفضاء عبر الزمن بطريقة لم يكن من الممكن تخيلها سابقا.
دقة مذهلة
الكاميرا الخارقة التي يقود هذا الإنجاز العلمي الكبير تبلغ دقتها 3200 ميغابكسل، أي ما يعادل تقريبًا 70 ضعف دقة أحدث كاميرا هاتف آيفون متوافرة في الأسواق.
ولتوضيح مدى دقتها، فإنها قادرة على التقاط صورة واضحة لجسم صغير بحجم كرة الغولف على سطح القمر! إنجاز لا يمكن تصوّره قبل سنوات قليلة، ويُعتبر بمثابة قفزة نوعية في عالم الرصد الفضائي.
ورغم أنّ الصور المبهرة التي كشفتها الكاميرا قد أسرت أنظار هواة الفلك ومحبي الجمال الكوني، إلا أنّ الأهمية الحقيقية لهذا المشروع تتجاوز الجانب البصري، وتحمل وعودًا علمية ضخمة.
إذ تهدف الكاميرا إلى حل بعض أكبر الألغاز التي حيّرت البشرية لعقود، مثل تتبع الكويكبات التي قد تشكّل خطرًا على الأرض، ورسم خرائط تفصيلية للمجرات، وفهم بنية الكون، والأهم من ذلك، كشف أسرار المادة المظلمة، التي تشكّل وفق النظريات الحالية ما نسبته 85% من مادة الكون، ولكن لم تُرصد بشكل مباشر حتى الآن.
كنز خفي
في هذا السياق، علّق البروفيسور بنيامين يواكيمي من جامعة كاليفورنيا، على الصور الأولى التي التقطتها الكاميرا قائلًا: "ما نراه في المقدمة هو مجرات جميلة قريبة منا في الفضاء، لكنها ليست الجوهر الحقيقي. الكنز يكمن في تلك النقاط الصغيرة من الضوء التي تنتشر في الخلفية… كل نقطة تمثّل مجرة بعيدة، وكل واحدة منها تساهم في رسم خريطة المادة في الكون، خريطة تحمل في طيّاتها بصمات المادة المظلمة والطاقة المظلمة".
هذه الرؤية العلمية الجديدة تمثل بداية فصل جديد في دراسة الفيزياء الكونية، إذ بات بإمكان العلماء مراقبة ملايين المجرات، وتحليل تفاعلاتها، وملاحظة تأثير القوى الخفية على شكلها وتوزيعها في الكون.
نافذة على المستقبل
إنّ إطلاق هذه الكاميرا العملاقة واستخدامها ضمن مشروع مرصد "فيرا سي روبين"، لا يعدّ فقط تقدمًا تقنيًا، بل يشكل نقطة تحوّل في علاقتنا بالفضاء وفهمنا له.
نحن أمام مرحلة علمية جديدة، تُرسي أسسًا لفهم أكثر عمقًا للكون، من خلال أعين أكثر دقة مما امتلكه الإنسان في تاريخه.
وبينما يمضي المشروع في توسيع رقعة الصور والمراقبة الليلية، يترقّب العلماء في جميع أنحاء العالم، ما سيكشفه "الفيلم الكوني" القادم، لعلّه يحمل الإجابات عن أسئلة لطالما بدت عصية، بل ربما يغيّر بالكامل نظرتنا لمكاننا في هذا الكون الشاسع.