قد يعتقد البعض أنّ تلوث الغلاف الجوي أمر عادي وناتج عن عدد من العوامل التي تلعب دوراً في زيادة الانبعاثات الضارة، إلا أنّ كثيرين يجهلون في الحقيقة أن هذا الأمر يهدّد الحياة على الأرض ويشكّل خطراً، لا يمكن حجب النظر عنه، على كوكب الأرض.
ونظراً للخطر الكبير الذي يشكله التلوث علينا كبشر وعلى كافة المخلوقات الحية، ولأنّه يهدد استمرار الحياة على كوكبنا أمام أعيننا، نعرض في السطور الآتية للأسباب وأهمّ مصادر تلوث الغلاف الجوي إلى جانب الآثار والحلول.
تلوث الغلاف الجوي
يعتبر تلوّث الغلاف الجوي من أخطر المشاكل البيئية التي يواجهها الإنسان في عرصنا الحديث وخصوصاً في السنوات القليلة الماضية إذ أصبح الهواء الذي نتنفسه مليئاً بالغازات والمواد الضارة الناتجة عن الأنشطة الصناعية والبشرية المتزايدة.
ومنذ الثورة الصناعية شهد العالم زيادة كبيرة جداً في استخدام الوقود الأحفوري لتشغيل المصانع والسيارات وتوليد الطاقة ما أدى إلى انبعاث كميات ضخمة من ثاني أكسيد الكربون وغازات الدفيئة الأخرى في الهواء.
وقد تراكمت هذه الغازات في الغلاف الجوي ومع مرور الوقت ما تسبّب في ارتفاع درجات الحرارة حول العالم وهو ما نعرفه اليوم باسم ظاهرة الاحتباس الحراري.
إلا أنّ الأامر لا يقتصر على تغيّر المناخ فقط بل نتج عن ذلك أيضا ارتفاع واضح في انتشار الغبار والدخان وارتفاع معدلات الأمراض التنفسية والحساسية بين الناس. كما أثر هذا التلوث على النظام البيئي بأكمله ما أدى إلى اختلال في توازن الطبيعة وتراجع جودة الهواء الذي يعتبر من أساس الحياة.
ولذللك كله أصبح من الضروري أن تتضافر الجهود الدولية للحدّ من هذه الظاهرة عبر تبني مصادر طاقة نظيفة وتشجيع الوعي البيئي بين الأفراد للحفاظ على كوكب الأرض من المزيد من التدهور.

ما هو تعريف تلوث الغلاف الجوي؟
يعرف تلوّث الغلاف الجوي بأنه وجود مواد غريبة أو ضارة في الهواء بكميات تتجاوز المستويات الطبيعية ما يؤدي إلى إلحاق الأذى بالإنسان والكائنات الحية والبيئة بأكملها بشكل عام.
وتحدث هذه الظاهرة عندما تنبعث في الجو غازات ومواد كيميائية ملوثة ناتجة عن الأنشطة الصناعية واحتراق الوقود الأحفوري والممارسات البشرية اليومية فتتفاعل هذه المواد في الهواء وتسبب اضطرابا في التوازن الطبيعي.
من أبرز الملوثات هي ثاني أكسيد الكربون الذي يساهم في ارتفاع درجة حرارة الأرض وتغير المناخ إضافة إلى أكاسيد النيتروجين وثاني أكسيد الكبريت اللذان يتحدان لتكوين الأمطار الحمضية التي تؤدي إلى تلف التربة والنباتات وحتى المباني.
تجدر الإشارة إلى أنّ مصدر التلوث لا يقتصر على الإنسان فقط إذ تساهم بعض الظواهر الطبيعية كذلك في زيادته. ومن بين هذه الظواهر وأبرزها انبعاث الأمونيا من الماشية التي تساعد على تكوين الضباب الدخاني. ويعتبر هذا النوع من التلوث من أخطر التهديدات البيئية لأنه لا يمكن رؤيته بالعين المجردة ومع ذلك يترك آثارا كبيرة وواضحة على الصحة العامة مثل أمراض الجهاز التنفسي والحساسية فضلاً عن تأثيره السلبي على جودة الهواء والمناخ العالمي.
سبب تلوث الغلاف الجوي
لا يمكن حصر هذا النوع من التلوث بسبب واحد، إذ يعود التلوث إلى مجموعة من الأسباب التي تتداخل فيها العوامل البشرية مع الطبيعية إلا أنّ الأنشطة التي يقوم بها الإنسان تبقى السبب الأساسي والأهم وراء تفاقم هذه المشكلة في عرصنا الحديث.
ومن أبرز هذه الأسباب حرق الوقود الأحفوري كالنفط والغاز والفحم الذي ينتج كميات ضخمة من الغازات السامة مثل ثاني أكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين وثاني أكسيد الكبريت وهي غازات تلحق ضرارا جسيما في الهواء والمناخ والصحة العامة. كما تعتبر الانبعاثات الصناعية من المصانع ومحطات توليد الكهرباء أحد المصادر الكبرى للتلوث حيث تطلق في الجو جسيمات دقيقة يصعب رؤيتها لكنها قادرة على اختراق الجهاز التنفسي والتأثير على الإنسان مباشرة. ولا يقتصر التلوث على المصانع والمركبات إذ تساهم الأنشطة المنزلية كذلك في تلويث الهواء مثل استخدام المواد الكيميائية التي تحتوي على مركبات عضوية متطايرة أو الاعتماد بشكل كثيف على أجهزة التكييف من دون تهوية مناسبة ما يؤدي إلى تلوث الهواء الداخلي. إلى جانب ذلك تسهم المركبات الآلية وحرق النفايات والاستهلاك المفرط للطاقة والمنتجات في زيادة تركيز الملوثات في الجو خصوصاً في المدن الكبرى حيث يزداد عدد السكان وتكثر الأنشطة الصناعية والتجارية.
كما توجد مصادر طبيعية تساهم في التلوث مثل الرماد البركاني والدخان الناتج عن حرائق الغابات والعواصف الرملية غير أن تأثيرها يكون موقتاً مقارنة بالتلوث المستمر الناتج عن الإنسان.

أهمّ مصادر تلوّث الغلاف الجويّ
مصادر تلوّث الغلاف الجويّ متنوعة ومن أهمّها:
حرق الوقود الأحفوري: يعتبر المصدر الأساسي لتلوث الهواء إذ ينتج عن احتراق الفحم والنفط والغاز في محطات الطاقة والمصانع والمركبات كميات هائلة من الغازات الملوثة مثل ثاني أكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين وثاني أكسيد الكبريت.
الأنشطة الصناعية: المصانع ومصافي النفط والمنشآت الصناعية الأخرى تتسبب بملوثات ضارة تشمل الجسيمات الدقيقة والمعادن الثقيلة والغازات السامة.
حركة المركبات: السيارات والشاحنات والطائرات والقطارات تطلق انبعاثات ضخمة.
الأنشطة الزراعية: تساهم الزراعة في التلوث من خلال استخدام الأسمدة الكيميائية والمبيدات إضافة إلى حرق المخلفات الزراعية وانبعاث غاز الأمونيا من الماشية.
التدفئة المنزلية: يؤدي استخدام المواقد وأنظمة التدفئة المعتمدة على حرق الأخشاب أو الوقود إلى إطلاق الدخان والغازات الضارة تحديداً في المناطق الباردة أو الريفية.
حرائق الغابات: سواء كانت طبيعية أو بسبب ارتفاع درجات الحرارة تؤدي هذه الحرائق إلى تصاعد الدخان والرماد والجسيمات الدقيقة التي تلوث الهواء.
البراكين: تطلق الانفجارات البركانية كميات هائلة من الغبار والرماد والغازات مثل ثاني أكسيد الكبريت إلى الغلاف الجوي.
العواصف الترابية: تنقل الرياح القوية ذرات الغبار والرمال إلى الهواء فتزيد من تركيز الجسيمات العالقة وتقلل من جودة الهواء.
آثار تلوّث الغلاف الجوي
تنقسم آثار هذا التلوّث إلى أثار صحية تنعكس على صحة الناس وآثار بيئية:
- تغير المناخ: تعتبر غازات الاحتباس الحراري الناتجة عن التلوث الجوي سببا أساسياً في ظاهرة الاحتباس الحراري العالمي التي تؤدي إلى ذوبان الجليد في القطبين وارتفاع مستوى سطح البحر وظهور ظواهر جوية متطرفة كالعواصف والفيضانات.
- طبقة الأوزون: تسبب بعض الغازات الصناعية ثقبا في طبقة الأوزون المسؤولة عن حماية الأرض من الأشعة فوق البنفسجية ما يزيد من خطر الإصابة بسرطان الجلد ويؤثر على توازن الأنظمة البيئية.
- أمراض الجهاز التنفسي: يؤدي استنشاق الهواء الملوث إلى الإصابة بالربو والتهاب الشعب الهوائية وسرطان الرئة كما يزيد من نوبات السعال وضيق التنفس خصوصا لدى الأطفال وكبار السن.
- أمراض القلب والأوعية الدموية: تسبب الملوثات الناتجة عن حرق الوقود الأحفوري ضعف عضلة القلب وتزيد من احتمال الإصابة بتصلب الشرايين والجلطات والسكتات الدماغية.
- تأثيرات على الكبد والكلى: يؤدي التعرض الطويل للهواء الملوث إلى تراكم السموم في الجسم ما قد يسبب تلف الكبد والفشل الكلوي.
- الآثار العصبية: بعض الغازات السامة والمعادن الثقيلة تؤثر مباشرة على الجهاز العصبي مسببة القلق والاكتئاب واضطرابات النمو العصبي.
- الزراعة: يقلل تلوث الهواء من إنتاجية المحاصيل الزراعية ويضعف نمو النباتات كما يجعل الأشجار أكثر عرضة للأمراض والآفات.
- الحياة البرية: تتأثر الحيوانات البرية والبحرية بشكل مباشر بالملوثات التي تدخل أجسامها عبر الهواء أو الماء.
حلول أسباب تلوث الغلاف الجوي
تجمع حلول أسباب هذا التلوث بين دور الحكومات والمؤسسات ودور الأفراد في الحياة اليومية.
دور المؤسسات
تبدأ الحلول من التحول إلى الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح كبديل نظيف عن الوقود الأحفوري الذي يعتبر مصدراً أساسياً للانبعاثات الضارة. كما يمكن تحسين القطاع الصناعي من خلال تطوير تقنيات الإنتاج واستخدام أنظمة تنقية الهواء وإعادة تدوير النفايات للحد من الغازات السامة والجسيمات الدقيقة مع نقل المصانع بعيدا عن المناطق السكنية المزدحمة.
دور الحكومات
تلعب التشريعات البيئية دورا مهماً في الحد من التلوث إذ يجب على الحكومات فرض قوانين صارمة تنظم الانبعاثات الصناعية وتفرض ضرائب على الشركات التي تتجاوز النسب المسموح بها مع تقديم حوافز للمؤسسات التي تعتمد تقنيات صديقة للبيئة. كما أنّ الزراعة المستدامة تمثل جزءا من الحل من خلال تقليل استخدام المبيدات الكيميائية والاعتماد على الأسمدة العضوية. كما أنّ قطاع النقل يعتبر من أكثر القطاعات المسببة للتلوث لذا فإن تعزيز وسائل النقل العام وتطوير البنية التحتية للسيارات الكهربائية وتشجيع المشي وركوب الدراجات خطوات مهمة نحو بيئة أنظف.
دور الأفراد
أما على مستوى الأفراد فيبدأ الحل من الاستخدام الرشيد للطاقة كإطفاء الأجهزة غير الضرورية وتقليل الاعتماد على المكيفات والإضاءة المفرطة بالإضافة إلى تقليل استخدام السيارات الخاصة والاعتماد على وسائل النقل الجماعي أو المشاركة في استخدام السيارات (carpooling(. وعلى صعيد النفايات ينصح بإدارته بشكل جيد عبر تجنب حرقها في الهواء وتشجيع إعادة التدوير واستخدام المنتجات الصديقة للبيئة.
إلى جانب كل ذلك، يجب ألا ننسى أو نتجاهل أهمية زيادة المساحات الخضراء داخل المدن والقرى فهي بمثابة الرئة الطبيعية التي تمتص ثاني أكسيد الكربون وتنتج الأكسجين ما يساعجد في تحسين جودة الهواء ومقاومة آثار التلوث.
طرق الوقاية من تلوث الغلاف الجوي
من المهم اتباع طرق فعالة للوقاية من تلوث الغلاف الجوي والحدّ من أضراره. ومن أبرز هذه الطرق:
- تقليل استخدام السيارات الخاصة والاعتماد على وسائل النقل العام أو المشاركة في الرحلات.
- إجراء صيانة منتظمة للمركبات لتقليل الانبعاثات الضارة.
- الحد من استهلاك الكهرباء عبر الاستخدام الواعي للأجهزة والمكيفات.
- زراعة الأشجار والنباتات للمساعدة في تنقية الهواء.
- تجنب حرق النفايات.
- استخدام منتجات صديقة للبيئة.
- الامتناع عن التدخين داخل المنزل.
مخاطر تلوث الغلاف الجوي
يجب ألا نستهين بمخاطر تلوث الغلاف الجوي الذي يمثل أحد أخطر التهديدات التي تواجه الإنسان والبيئة خصوصاً في السنوات الأخيرة إذ تتعدى آثاره حدود الهواء لتطال صحة البشر واستقرار النظم البيئية. فهو يسبب أمراضا خطيرة في الجهاز التنفسي مثل الربو والتهاب الشعب الهوائية وسرطان الرئة كما ذكرنا سابقاً، كما أنه يؤثر على القلب والأوعية الدموية ويسبب السكتات الدماغية إلى جانب أضراره على الجهاز العصبي حيث يؤدي إلى مشاكل في النخاع الشوكي والتخلف العقلي لدى الأطفال. ولا تقتصر آثاره على الإنسان فحسب، بل تمتد لتشمل البيئة أيضا إذ يسهم في استنزاف طبقة الأوزون ما يسمح بمرور الأشعة فوق البنفسجية الضارة إلى الأرض ويتسبب في تراجع إنتاجية المحاصيل الزراعية وتلفها فضلا عن دوره في تسريع وتيرة التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة العالمية، وهو أمر تعاني منه الدول وتجد صعوبة في مواجهته.
نتائج تلوث الغلاف الجوي
كما بينّا إذاً، تؤدي نتائج تلوث الغلاف الجوي إلى انعكاسات واسعة على مختلف جوانب الحياة بدءا من صحة الإنسان مرورا بالبيئة والمناخ ووصولا إلى الاقتصاد وجودة الحياة. فالتلوث يزيد من انتشار الأمراض التنفسية والقلبية والسرطانية ويؤثر سلبا على النظم البيئية من خلال التأثيرات على التربة والمياه وتراجع التنوع البيولوجي كما يساهم في تغير المناخ عبر زيادة ظاهرة الاحتباس الحراري وارتفاع درجات الحرارة وحدوث كوارث طبيعية متطرفة. بالإضافة إلى ذلك، يشكل تلوث الهواء عبئا اقتصاديا من خلال ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية وتراجع الإنتاجية في الزراعة والصناعة والسياحة كما يؤثر على جودة الحياة من خلال التأثير سلباً على المناظر الطبيعية والروائح.
