مرّ العالم بعصور عدة تبدّلت عبر السنوات وتغيّرت معها الخصائص وحتى العادات والتقاليد والأفكار والمعتقدات. ويُعتبر العصر الجاهلي من أبرز العصور القديمة ما قبل الإسلام، والتي تميّزت بالكثير من الأمور التي ما زالت راسخة حتى يومنا هذا.
وإن كنت من المهتمين في معرفة المزيد عن هذا العصر، فإننا نعرض في السطور الآتية لتاريخ هذا العصر ومتى بدأ وانتهى وأبرز خصائصه وعاداته، إضافة إلى أبرز الشعراء فيه.
متى بدأ العصر الجاهلي ومتى انتهى
يختلف تحديد بداية العصر الجاهلي تحديدًا بين مرجع وآخر، إلا أنّها تطلق على التاريخية التي سبقت الإسلام وتُعتبر من أهم الفترات في تاريخ العرب، لما تحمله من مؤشرات ثقافية ولغوية شكّلت ملامح الحضارة العربية في وقت لاحق.
ويقدّر المؤرخون بداية هذا العصر بنحو 250 إلى 200 عام قبل الإسلام، أي في الفترة التقريبية بين 360 و610 ميلادية، بينما يرى بعض الباحثين أنّ جذوره تمتد إلى القرن الثالث الميلادي.
وقد حدّد الجاحظ هذه المرحلة بأنها تمتد بين 150 إلى 200 عام قبل الإسلام، مستندًا إلى ما وصلنا من الشعر العربي القديم، إذ قال: "فإذا استظهرنا الشعر وجدنا له إلى أن جاء الله بالإسلام مئة وخمسين عامًا، وإذا استظهرنا له بغاية الاستظهار فمئتي عام".
وقد انتهى العصر الجاهلي مع بدء عصر الإسلام عام 610م، إيذانًا ببدء عهد جديد من التحول الفكري والديني والاجتماعي في شبه الجزيرة العربية.
لماذا سمي العصر الجاهلي بهذا الاسم؟
سمي العصر الجاهلي بهذا الاسم لتمييز حال العرب قبل الإسلام عن حالهم بعد ظهوره، إذ كانت تلك المرحلة تتسم بانتشار الجهل بأمور الدين وقلة المعرفة وغياب النظام الديني والاجتماعي السليم، إلا أنّ ذلك لا يعني الجهل بكل المواضيع، إذ تميّر هذا العصر بالأدب والشعر مثلًا.
ولكن عاش العرب في ذلك الزمن حياة يغلب عليها طابع حياة البدو الرحل والتنقل، وكانوا بعيدين عن مظاهر التحضر ولم تكن لهم صلات قوية بالعالم الخارجي، ما جعلهم يعيشون في نوع من العزلة.
وقد كان الكثير منهم أميين وعدد كبير لا يعرف القراءة ولا حتى الكتابة. وانتشرت حينها عبادة الأوثان والأصنام، وكانوا يعتقدون بأنها تجلب الخير وتدفع الضرر، وهو ما اعتُبر دليلًا على جهلهم بالله تعالى وبحقيقة الإيمان.
ويرى بعض العلماء أنّ المقصود بالجاهلية ليس فقط الجهل بالعلم والمعرفة، بل أيضًا الجهل القِيمي والديني الذي انعكس في سلوكياتهم اليومية، فقد كانت العصبية القبلية من أبرز سمات تلك الفترة، حيث كانت القبائل تتفاخر بالأنساب والأحساب وتخوض الحروب لأسباب بسيطة بدافع الكبرياء والأنفة. كما شاع الظلم والجبر والتفاخر المفرط، وهي صفات برزت بشكل واضح في الشعر الجاهلي الذي تضمنها وعبّر عنها، إذ وصف طبيعة الحياة القائمة على القوة والعنف والغلبة.
ولذلك جاءت تسمية الجاهلية تعبيرًا عن تلك المرحلة التي غابت فيها القيم السماوية وانتشر فيها الانحراف عن عبادة الله الواحد، ليأتي الإسلام بعد ذلك في مطلع القرن السابع الميلادي ويغيّر الواقع من عبادة الأصنام إلى عبادة الله الواحد الأحد، معلنًا بداية عهد جديد في التاريخ.

أبرز خصائص العصر الجاهلي
رسم عدد من الخصائص ملامح المجتمع في العصر الجاهلي وكانت مزيجًا من القوّة والشجاعة والكرم إلى جانب الجهل الديني والعصبية القبلية. ويمكن تلخيص أبرز خصائص هذا العصر التي ميّزت حياة العرب قبل الإسلام في النقاط الآتية:
البيئة الجغرافية الصحراوية:
كانت معظم أراضي الجزيرة العربية قاحلة وجافة يغلب عليها الطابع الصحراوي القاسي، ما جعل العرب يعتمدون على التنقل والرعي والتنقل بحثًا عن الماء والمرعى. ومع ذلك كانت بعض المناطق تزدهر نسبيًا عند هطول الأمطار وظهور الينابيع فتنشط فيها الحياة. هذه البيئة الصعبة أسهمت في تشكيل شخصية الناس الذين عُرفوا بعدد من الصفات القائمة على الصبر والقوة والاعتماد على الذات.
عبادة الأصنام والأوثان:
سادت في تلك الحقبة الوثنية وعبادة الأصنام، حيث كان العرب يضعون تماثيلهم حول الكعبة ويقدمون لها القرابين، معتقدين أنها تقربهم إلى الله. ومن أبرز الأصنام التي عبدوها اللات والعزى وذو الشرى، وقد انعكس ذلك في سلوكهم ومعتقداتهم حتى جاء الإسلام ليحررهم من عبادة الأوثان والأحجار إلى عبادة الله.
اللغة العربية الفصحى:
كانت اللغة السائدة هي اللغة العربية الفصحى ببلاغتها وغناها وهي من أقدم اللغات. وتميّز العرب بفصاحتهم وقوة تعبيرهم، وقد تميز هذا العصر بالشعر والنثر إذ كانا وسيلتين للتعبير عن المشاعر والقيم والمفاخر. كما كانت العربية همزة وصل بين العرب وبين الحضارات المجاورة كاليونانية والرومانية والمصرية.
الكرم والسخاء:
عُرف العرب الجاهليون بكرمهم اللامحدود، وهو ما فرضته قسوة الصحراء حيث كان الكرم وسيلة للتكافل والتعاون بين الناس. وكانوا يفتخرون بإكرام الضيف ومساعدة المحتاج ومن أبرز رموز الكرم حاتم الطائي الذي لا يزال يُضرب به المثل حتى يومنا هذا.
الكرامة والعزة:
تميز الناس في العصر الجاهلي بعزة النفس، فكان يرى في الكرامة والشرف أغلى ما يملك. وكان الوفاء بالعهد ونصرة الضعفاء من القيم المتجذرة في مجتمعه، ما جعلهم يعيشون وفق مبدأ الحرية والكرامة قبل الحياة.
ظاهرة الصعاليك:
برزت في العصر الجاهلي فئة تُعرف باسم الصعاليك. وهم الخلعاء الذين تمردوا على أعراف قبائلهم وعاشوا في الصحراء خارج المجتمع القبلي. ووفق الوصف، فقد تميزوا بالشجاعة والدهاء وكانوا يعتمدون على الغزو والسلب من الأغنياء لمساعدة الفقراء، ومن أشهرهم عروة بن الورد الذي كانت يلقّب بفارس الصعاليك.
الحكمة والعقل الراجح:
رغم ما ساد من جهل ديني، إلا أنّ العرب الجاهليين عُرفوا برجاحة العقل وحسن التدبير خصوصًا بين زعمائهم وشيوخ قبائلهم. وكانت الحكمة صفة محمودة تُكسب صاحبها احترام الجميع، وتُعتبر دليل نضج وتجربة في إدارة شؤون القبيلة.
الحياة الاجتماعية في العصر الجاهلي
تميّزت الحياة الاجتماعية في العصر الجاهلي بالتنوّع والتناقض، إذ جمعت بين قيم نبيلة وعادات سلبية، وبين حياة بدوية قاسية وأخرى حضرية أكثر استقرارًا.
فقد كان العرب قبل الإسلام مجتمعًا قبليًا بامتياز، تقوم فيه الروابط الاجتماعية على أساس القبيلة التي تمثل العائلة الكبرى والحصن الذي يحتمي به الفرد. وكانت القبيلة مسؤولة عن حماية أبنائها والدفاع عنهم، وهي المرجع في كل شؤون الحياة من قضاء وثأر وعلاقات اجتماعية، ما جعل الولاء للقبيلة فوق كل اعتبار. وأدى ذلك إلى انتشار العصبية القبلية التي كانت سببًا في الكثير من الحروب مثل حرب داحس والغبراء التي استمرت قرابة 100 عام.
وقد انقسم العرب في تلك الفترة إلى قبائل شمالية عدنانية وقبائل جنوبية قحطانية، وكان عرب الجنوب أكثر استقرارًا وتحضّرًا بسبب اعتمادهم على الزراعة والحرف اليدوية، بينما كانت حياة عرب الشمال يغلب عليها الترحال والتنقل بحثًا عن الماء، فكانت الصحراء موطنهم والخيم مساكنهم والجِمال وسيلتهم في السفر والمعيشة. وكان طعامهم الأساسي التمر والحليب، وامتازوا بفصاحة اللسان وبلاغة التعبير، إذ شكلت الصحراء بيئة لغوية نقية أثرت في شعرهم.
مقابل ذلك كان هناك مدن مزدهرة في الجزيرة العربية مثل مكة والطائف والحيرة واليمن، والتي عاش فيها تجّار ومزارعون. وتميّز أهل هذه المناطق بحياة أكثر رفاهية واستقرارًا فبنوا البيوت الحجرية ولبسوا الثياب الفاخرة وتاجروا بالبضائع، وكانوا يشربون الخمر في مجالس السمر ويتباهون بالمظاهر الاجتماعية.
وعلى الرغم من مظاهر الجهل الديني كعبادة الأصنام ووأد البنات وشرب الخمر والميسر، إلا أنّ العرب في الجاهلية امتلكوا منظومة من القيم الحميدة مثل الكرم والشجاعة والوفاء وصلة الرحم وإغاثة الملهوف ونصرة الحق. وقد كان الكرم عنوانًا للفخر والشجاعة، ومقياسًا للرجولة والوفاء بالعهد من أسمى الصفات.

ما هي أهم عادات العصر الجاهلي؟
انقسمت العادات في العصر الجاهلي إلى عادات حميدة وأخرى سيئة، إلا أنها جميعها شكلت ملامح تلك الحقبة الزمنية والحياة الاجتماعية والأخلاقية. وهناك بعض العادات التي حرّمها الإسلام ومنعها منعًا باتًّا، وأخرى أقرّها لأنها تُعتبر من مكارم الأخلاق.
العادات الحسنة والمحمودة
من أبرز ما اتصف به العرب في الجاهلية القيم النبيلة مثل الكرم والسخاء، فقد كان إكرام الضيف من أعلى مظاهر الشرف وكانوا يتفاخرون بالعطاء وإغاثة الملهوف. كما عُرفوا بحماية الجار والدفاع عن المظلوم، واعتبروا الوفاء بالعهد والصدق في القول من علامات الرجولة والشرف. وتميزوا كذلك بالشجاعة والشهامة والنخوة، إذ كانت الحروب بينهم مكانًا لإظهار الشجاعة والإقدام. كما عُرف عنهم الحلم والعفة والأنفة، وهي صفات تدلّ على سموّ أخلاقهم واعتزازهم بكرامتهم.
إلى جانب ذلك تميز العرب في الفصاحة والبيان، فكانت الخطابة والشعر من أبرز وسائل التعبير لديهم حيث كانوا يتباهون بجودة أشعارهم ويتناقلونها في الأسواق مثل سوق عكاظ. كما اهتموا بمعرفة الأنساب وحفظ التاريخ القبلي وامتلك بعضهم معرفة بالطب والأنواء.
العادات السلبية والسيئة
رغم ما حمله المجتمع الجاهلي من قيم نبيلة، إلا أنّه لم يخلُ من ممارسات قاسية وظالمة خصوصًا تجاه المرأة. فقد كانت تعامل بشكل دوني وحرمت من حق الميراث، كما فرضت عليها عادات مهينة بعد وفاة زوجها. وانتشرت أنماط من الزواج غير الأخلاقية مثل نكاح الاستبضاع ونكاح المتعة، ونكاح الشغار الذي يتم فيه تبادل النساء من دون مهر.
ومن أبشع الممارسات التي اشتهرت بها الجاهلية هي وأد البنات أي دفنهنّ وهنّ أحياء خشية العار، وهي عادة جسّدت قسوة تلك المرحلة. كما انتشر شرب الخمر ولعب الميسر أو القمار والزنا والبغاء، إضافة إلى التعصب القبلي وشنّ الحروب.
من أشهر الخطباء في العصر الجاهلي
امتاز العصر الجاهلي بالشعر والخطابة، وكان هناك عدد من الخطباء البارزين الذين امتازوا بالفصاحة والبيان وقوة الحجة، وكان لهم أثر كبير في المجتمع العربي قبل الإسلام. ومن أبرز هؤلاء:
قسّ بن ساعدة الإيادي: من أكثر الخطباء حكمة وبلاغة، عُرف بمواعظه المؤثرة التي تدعو إلى مكارم الأخلاق والتفكر في خلق الله، وكان أول من قال في خطبته عبارة "أما بعد" كما كان أول من كتب في الرسائل "من فلان إلى فلان". اشتُهر بالحكمة والوقار، وكان الناس يقصدونه للاستماع إلى كلامه لما فيه من عمق ومعنى.
كعب بن لؤي: الجد السابع للنبي محمد وكان من أبرز خطباء العرب في مكة وما حولها. عُرف بحكمته ومكانته العالية بين القبائل، وكان يخطب في قريش خصوصًا، وفي العرب عمومًا.
عمرو بن كلثوم التغلبي: من أقوى الشعراء والخطباء وصاحب إحدى المعلقات الشهيرة. امتاز بفصاحته واعتزازه بنفسه وبقومه، وكان خطيبًا شجاعًا يفاخر بعزة قبيلته ويُضرب به المثل في الكرامة.
أكثم بن صيفي التميمي: يلقب بحكيم العرب، وكان من أكثر الخطباء تأثيرًا في مجتمعه، يجمع بين البلاغة والحكمة والفروسية والشجاعة. وقد عُرف بخطبه التي تحمل المعاني السامية والمواعظ البليغة.
عبد المطلب بن هاشم: جدّ النبي وكان من سادات قريش ومن أصحاب المكانة الرفيعة بينهم، عُرف برجاحة عقله وبلاغة قوله، وكان يخطب في مواسم الحج فيحض الناس على مكارم الأخلاق وصون العهود.
علقمة بن علاثة الكلابي: من فرسان الجاهلية وخطبائها اشتُهر ببلاغته وفروسيته وله مناظرات مشهورة، مع ابن عمه عامر بن الطفيل، تظهر فصاحته وسرعة بديهته.
من أشهر شعراء العصر الجاهلي
امتاز العصر الجاهلي بشعراء أبدعوا في نظم القصائد التي كانت مرآة لبيئتهم وأحوالهم الاجتماعية ومشاعرهم القبلية، فكان الشعر في تلك المرحلة وسيلة للتعبير والتأريخ والفخر. ومن أبرز هؤلاء الشعراء:
امرؤ القيس: يُعتبر من أشهر شعراء الجاهلية وأفصحهم لسانًا، وهو من قبيلة كندة. تميز شعره بالغزل والوصف خصوصًا في وصف النساء والخيل والصيد. كان أول من ابتدأ شعره بذكر الأطلال، واشتُهر بمعلقته التي مطلعها: قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل.
زهير بن أبي سلمى: شاعر الحكمة والعقل وصفه عمر بن الخطاب بأنه أشعر شعراء العرب. اتسم شعره بالحكمة والصدق والتأمل، وكان ينقح قصائده طويلًا حتى سمي بشاعر الحوليات.
عنترة بن شداد: الفارس الشاعر من بني عبس، جمع بين البطولة والرقة في شعره، عُرف بعشقه لعبلة بنت عمه، فجعلها رمزًا للجمال والوفاء في قصائده.
طرفة بن العبد: شاعر شاب من قبيلة بكر بن وائل، قُتل في مقتبل عمره بعد هجائه للملك عمرو بن هند. امتاز شعره بعذوبة الألفاظ والمعاني، ومعلقته من أجمل المعلقات وأشهرها، ومطلعها: لخولة أطلال ببرقة ثهمد.
الحارث بن حلزة: من قبيلة بكر بن وائل، نظم معلقته الشهيرة التي قالها دفاعًا عن قومه أمام الملك عمرو بن هند بعد حرب البسوس، وتميز شعره بالفخر والاعتزاز بالنفس.
عمرو بن كلثوم: اشتُهر بفخره وشجاعته واعتزازه بقومه، وله معلقة تعد من أبلغ ما قيل في الفخر نظمها بعد خصومته مع عمرو بن هند.
الأعشى الأكبر أو ميمون بن قيس: لقب بالأعشى لضعف بصره، وكان من أبرز شعراء المدح. مدح الملوك والأمراء وهو أكثر من نظم الشعر في الغزل والخمر والوصف، واشتُهر بقصيدته اللامية التي تُعتبر من المعلقات.
النابغة الذبياني: من حكماء العرب وشعرائهم الفصحاء، تم تلقيبه بالنابغة لتفوقه الشعري المفاجئ، وكان شاعر البلاط في عهد النعمان بن المنذر. تميز شعره بالاعتذار والمدح والحكمة.

خصائص الشعر الجاهلي
كان للشعر الجاهلي مكانة رفيعة في حياة العرب في تلك الفترة، وقد كان الشعر مرآة للبيئة والمجتمع والقيم والوسيلة الأولى للتعبير عندهم. كما شكلت سجلًا لحياتهم.
وقد تميز الشعر في تلك الحقبة بعدد من الخصائص التي جعلتها فريدًا وغنيًا ومن أبرها:
الصدق والواقعية: امتاز الشعر الجاهلي بالصدق في التعبير عن المشاعر والأحداث، فكان يعكس الواقع كما هو من دون مبالغة أو تصنع. وقد نقل صورة واقعية عن حياة العرب في تلك الفترة.
التغني بالعروبة: أكثر الشعراء من ذكر البيئة الصحراوية التي عاشوا فيها وتحدّثوا عن جمالها وارتبطت معاني الشعر بالكرامة والشجاعة والبطولة والعزّة.
الصور الفنية والبساطة: تميز شعر الجاهليين بكثرة الصور الفنية والتشبيهات، فجاءت القصائد مليئة بالأوصاف الدقيقة للجمال والديار والنساء والطبيعة.
الموسيقى الشعرية: اتّسم الشعر الجاهلي بالإيقاع القوي والموسيقى المتناسقة بفضل التزامه بالوزن والقافية ما أضفى عليه طابعًا موسيقيًّا.
تعدّد الموضوعات: لم تقتصر القصائد الجاهلية على موضوع واحد، بل كانت تتناول أمورًا متعددة ضمن النص نفسه، مثل الغزل والفخر والحماسة والحكمة والمدح في آنٍ واحد. وغالبًا ما كانت تبدأ بالوقوف على الأطلال، فيصف الشاعر أطلال محبوبته وحنينه إلى ديارها قبل أيّ أمور أخرى في القصيدة.
جمال اللغة وقوة الأسلوب: استخدم الشعراء لغة عربية فخمة ذات تراكيب صعبة وبمعان عميقة ودلالات بعيدة. وعكست سعة المعجم اللغوي الذي كانوا يتمتعون به.
شاعر من شعراء العصر الجاهلي
يُعتبر امرؤ القيس بن حجر الكندي شاعر من أبرز شعراء العصر الجاهلي وأكثرهم شهرة. ولد عام 130 قبل الهجرة في نجد في اليمن ونشأ في بيت من بيوت الملوك، فكان والده ملك أسد وغطفان وخاله الشاعر المعروف المهلهل بن ربيعة.
بدأ امرؤ القيس قول الشعر على عمر مبكّر وكان مولعًا باللهو ومجالسة الصعاليك، فغضب عليه والده لما سمع بأخباره، فحاول منعه لكنه لم يُطع أمره، فأرسله إلى حضرموت أي موطن آبائه وعشيرته، وهناك عاش نحو 5 سنوات من حياة الترف والعبث.
إلا أنّ حياة اللهو هذه لم تدم طويلًا، إذ قُتل والده على يد بني أسد، فغلبت عليه مشاعر الحزن والثأر. وعندها قال جملته الشهيرة:
رحم الله أبي! ضيّعني صغيرًا، وحمّلني دمه كبيرًا، لا صحو اليوم ولا سكر غدًا، اليوم خمر وغدًا أمر.
وبعد هذه الحادثة تغيرت حياته، فترك حياة المتعة واللهو، وكرّس نفسه للأخذ بثأر أبيه وقد قال في ذلك شعرًا كثيرًا عبّر فيه عن حزنه وفخره وعزيمته. امتاز شعر امرؤ القيس بالعاطفة القوية والصدق في التعبير، كما احتوى على الغزل والوصف والحكمة حتى يتم تلقيبه برائد الشعر العربي. وهو أول من ابتدأ القصيدة بذكر الأطلال، كما في مطلع معلقته الشهيرة:
قِفا نبكِ من ذِكرى حبيبٍ ومنزلِ
بسِقطِ اللوى بين الدخول فحوملِ
من أشهر قصائد العصر الجاهلي
هناك عدد من القصائد والمعلّقات الشهيرة التي اشتهر بها العصر الجاهلي ومن بينها:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ
بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُول فَحَوْملِ
فَتُوْضِحَ فَالمِقْراةِ لمْ يَعْفُ رَسْمُها
لِمَا نَسَجَتْهَا مِنْ جَنُوبٍ وشَمْألِ
تَرَى بَعَرَ الأرْآمِ فِي عَرَصَاتِهَا
وَقِيْعَانِهَا كَأنَّهُ حَبُّ فُلْفُلِ
كَأنِّي غَدَاةَ البَيْنِ يَوْمَ تَحَمَّلُوا
لَدَى سَمُرَاتِ الحَيِّ نَاقِفُ حَنْظَلِ
وُقُوْفاً بِهَا صَحْبِي عَلَّي مَطِيَّهُمُ
يَقُوْلُوْنَ:لاَ تَهْلِكْ أَسَىً وَتَجَمَّلِ
وإِنَّ شِفائِي عَبْرَةٌ مُهْرَاقَةٌ
فَهَلْ عِنْدَ رَسْمٍ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ؟
كَدَأْبِكَ مِنْ أُمِّ الحُوَيْرِثِ قَبْلَهَا
وَجَارَتِهَا أُمِّ الرَّبَابِ بِمَأْسَلِ
إِذَا قَامَتَا تَضَوَّعَ المِسْكُ مِنْهُمَا
نَسِيْمَ الصَّبَا جَاءَتْ بِرَيَّا القَرَنْفُلِ
فَفَاضَتْ دُمُوْعُ العَيْنِ مِنِّي صَبَابَةً
عَلَى النَّحْرِ حَتَّى بَلَّ دَمْعِي مِحْمَلِي
ألاَ رُبَّ يَوْمٍ لَكَ مِنْهُنَّ صَالِحٍ
وَلاَ سِيَّمَا يَوْمٌ بِدَارَةِ جُلْجُلِ
ويَوْمَ عَقَرْتُ لِلْعَذَارَي مَطِيَّتِي
فَيَا عَجَباً مِنْ كورها المُتَحَمَّلِ
فَظَلَّ العَذَارَى يَرْتَمِيْنَ بِلَحْمِهَا
وشَحْمٍ كَهُدَّابِ الدِّمَقْسِ المُفَتَّلِ
ويَوْمَ دَخَلْتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْزَةٍ
فَقَالَتْ:لَكَ الوَيْلاَتُ!،إنَّكَ مُرْجِلِي
تَقُولُ وقَدْ مَالَ الغَبِيْطُ بِنَا مَعاً:
عَقَرْتَ بَعِيْرِي يَا امْرأَ القَيْسِ فَانْزِلِ
فَقُلْتُ لَهَا:سِيْرِي وأَرْخِي زِمَامَه
ولاَ تُبْعدِيْنِي مِنْ جَنَاكِ المُعَلَّلِ
فَمِثْلِكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ ومُرْضِعٍ
فَأَلْهَيْتُهَا عَنْ ذِي تَمَائِمَ مُحْوِلِ
إِذَا مَا بَكَى مِنْ خَلْفِهَا انْصَرَفَتْ لَهُ
بِشَقٍّ،وتَحْتِي شِقُّهَا لَمْ يُحَوَّلِ
ويَوْماً عَلَى ظَهْرِ الكَثِيْبِ تَعَذَّرَتْ
عَلَيَّ، وَآلَتْ حَلْفَةً لم تَحَلَّلِ
أفاطِمَ مَهْلاً بَعْضَ هَذَا التَّدَلُّلِ
وإِنْ كُنْتِ قَدْ أزمعْتِ صَرْمِي فَأَجْمِلِي
وَإنْ تكُ قد ساءتكِ مني خَليقَةٌ
فسُلّي ثيابي من ثيابِكِ تَنْسُلِ
أغَرَّكِ مِنِّي أنَّ حُبَّكِ قَاتِلِي
وأنَّكِ مَهْمَا تَأْمُرِي القَلْبَ يَفْعَلِ؟
وَمَا ذَرَفَتْ عَيْنَاكِ إلاَّ لِتَضْرِبِي
بِسَهْمَيْكِ فِي أعْشَارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ
وبَيْضَةِ خِدْرٍ لاَ يُرَامُ خِبَاؤُهَا
تَمَتَّعْتُ مِنْ لَهْوٍ بِهَا غَيْرَ مُعْجَلِ
تَجَاوَزْتُ أحْرَاساً إِلَيْهَا وَمَعْشَراً
عَلَّي حِرَاصاً لَوْ يُسِرُّوْنَ مَقْتَلِي
إِذَا مَا الثُّرَيَّا فِي السَّمَاءِ تَعَرَّضَتْ
تَعَرُّضَ أَثْنَاءَ الوِشَاحِ المُفَصَّلِ
فَجِئْتُ وَقَدْ نَضَّتْ لِنَوْمٍ ثِيَابَهَا
لَدَى السِّتْرِ إلاَّ لِبْسَةَ المُتَفَضِّلِ
فَقَالتْ:يَمِيْنَ اللهِ، مَا لَكَ حِيْلَةٌ،
وَمَا إِنْ أَرَى عَنْكَ الغَوَايَةَ تَنْجَلِي
خَرَجْتُ بِهَا تمْشِي تَجُرُّ وَرَاءَنَا
عَلَى أَثَرَيْنا ذيل مِرْطٍ مُرَحَّلِ
فَلَمَّا أجَزْنَا سَاحَةَ الحَيِّ وانْتَحَى
بِنَا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي حِقَافٍ عَقَنْقَلِ
هَصَرْتُ بِفَوْدَيْ رَأْسِهَا فَتَمَايَلَتْ
عَليَّ هَضِيْمَ الكَشْحِ رَيَّا المُخَلْخَلِ
إذا التفتت نحوي تضوّع ريحُها
نسيمَ الصَّبا جاءت بريّا القرنفُلِ
مُهَفْهَفَةٌ بَيْضَاءُ غَيْرُ مُفَاضَةٍ
تَرَائِبُهَا مَصْقُولَةٌ كَالسَّجَنْجَلِ
كَبِكْرِ المُقَانَاةِ البَيَاضَ بِصُفْرَةٍ
غَذَاهَا نَمِيْرُ المَاءِ غَيْرُ مُحَلَّلِ
تَصُدُّ وتُبْدِي عَنْ أسِيْلٍ وَتَتَّقي
بِنَاظِرَةٍ مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ مُطْفِلِ
وجِيْدٍ كَجِيْدِ الرِّيمِ لَيْسَ بِفَاحِشٍ
إِذَا هِيَ نَصَّتْهُ وَلاَ بِمُعَطَّلِ
وفَرْعٍ يَزِيْنُ المَتْنَ أسْوَدَ فَاحِمٍ
أثِيْثٍ كَقِنْوِ النَّخْلَةِ المُتَعَثْكِلِ
غَدَائِرُهُ مُسْتَشْزِرَاتٌ إلَى العُلا
تَضِلُّ العِقَاصُ فِي مُثَنَّى وَمُرْسَلِ
وكَشْحٍ لَطِيفٍ كَالجَدِيْلِ مُخَصَّرٍ
وسَاقٍ كَأُنْبُوبِ السَّقِيِّ المُذَلَّلِ
وَتُضْحِي فَتِيْتُ المِسْكِ فَوْقَ فِراشِهَا
نَؤُومُ الضَّحَى لَمْ تَنْتَطِقْ عَنْ تَفَضُّلِ
وتَعْطُو بِرَخْصٍ غَيْرَ شَشْنٍ كَأَنَّهُ
أَسَارِيْعُ ظَبْيٍ أَوْ مَسَاويْكُ إِسْحِلِ
تُضِيءُ الظَّلامَ بِالعِشَاءِ كَأَنَّهَا
مَنَارَةُ مُمْسَى رَاهِبٍ مُتَبَتِّلِ
إِلَى مِثْلِهَا يَرْنُو الحَلِيْمُ صَبَابَةً
إِذَا مَا اسْبَكَرَّتْ بَيْنَ دِرْعٍ ومِجْوَلِ
تَسَلَّتْ عَمَايَاتُ الرِّجَالِ عَنْ الصِّبَا
ولَيْسَ فُؤَادِي عَنْ هَوَاكِ بِمُنْسَلِ
ألاَّ رُبَّ خَصْمٍ فِيْكِ أَلْوَى رَدَدْتُهُ
نَصِيْحٍ عَلَى تَعْذَالِهِ غَيْرِ مُؤْتَلِ
ولَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أَرْخَى سُدُوْلَهُ
عَلَيَّ بِأَنْوَاعِ الهُمُوْمِ لِيَبْتَلِي
فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّى بِصُلْبِهِ
وأَرْدَفَ أَعْجَازاً وَنَاءَ بِكَلْكَلِ
ألاَ أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيْلُ ألاَ انْجَلِي
بِصُبْحٍ، وَمَا الإصْبَاحُ منِكَ بِأَمْثَلِ
فَيَا لَكَ مَنْ لَيْلٍ كَأنَّ نُجُومَهُ
بكل مُغار الفتل شُدّت بيذبل
كَأَنَّ الثُرَيّا عُلِّقَت في مَصامِها
بِأَمْرَاسِ كَتَّانٍ إِلَى صُمِّ جَنْدَل ِ
وَقَدْ أغْتَدِي والطَّيْرُ فِي وُكُنَاتِهَا
بِمُنْجَرِدٍ قَيْدِ الأَوَابِدِ هَيْكَلِ
مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعاً
كَجُلْمُوْدِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ
كَمَيْتٍ يَزِلُّ اللَّبْدُ عَنْ حَالِ مَتْنِهِ
كَمَا زَلَّتِ الصَّفْوَاءُ بِالمُتَنَزَّلِ
مِسِحٍّ إِذَا مَا السَّابِحَاتُ عَلَى الوَنى
أَثَرْنَ الغُبَارَ بِالكَدِيْدِ المَرَكَّلِ
عَلَى الذبل جَيَّاشٍ كأنَّ اهْتِزَامَهُ
إِذَا جَاشَ فِيْهِ حَمْيُهُ غَلْيُ مِرْجَلِ
يزل الغُلاَمُ الخِفَّ عَنْ صَهَوَاتِهِ
وَيُلْوِي بِأَثْوَابِ العَنِيْفِ المُثَقَّلِ
دَرِيْرٍ كَخُذْرُوفِ الوَلِيْدِ أمَرَّهُ
تقلب كَفَّيْهِ بِخَيْطٍ مُوَصَّلِ
لَهُ أيْطَلا ظَبْيٍ، وَسَاقَا نَعَامَةٍ
وإِرْخَاءُ سَرْحَانٍ، وَتَقْرِيْبُ تَتْفُلِ
كَأَنَّ عَلَى الكتفين مِنْهُ إِذَا انْتَحَى
مَدَاكُ عَرُوسٍ أَوْ صَلايَةَ حَنْظَلِ
وبَاتَ عَلَيْهِ سَرْجُهُ ولِجَامُهُ
وَبَاتَ بِعَيْنِي قَائِماً غَيْرَ مُرْسَلِ
فَعَنَّ لَنَا سِرْبٌ كَأَنَّ نِعَاجَهُ
عَذَارَى دَوَارٍ فِي مُلاءٍ مُذيّلِ
فَأَدْبَرْنَ كَالجِزْعِ المُفَصَّلِ بَيْنَهُ
بِجِيْدٍ مُعَمٍّ فِي العَشِيْرَةِ مُخْوِلِ
فَأَلْحَقَنَا بِالهَادِيَاتِ ودُوْنَهُ
جَوَاحِرُهَا فِي صَرَّةٍ لَمْ تُزَيَّلِ
فَعَادَى عِدَاءً بَيْنَ ثَوْرٍ ونَعْجَةٍ
دِرَاكاً، وَلَمْ يَنْضَحْ بِمَاءٍ فَيُغْسَلِ
وَظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ مِن بَيْنِ مُنْضِجٍ
صَفِيفَ شِوَاءٍ أَوْ قَدِيْرٍ مُعَجَّلِ
ورُحْنَا وَراحَ الطَّرْفُ ينفض رأسه
مَتَى تَرَقَّ العَيْنُ فِيْهِ تَسَفَّلِ
كَأَنَّ دِمَاءَ الهَادِيَاتِ بِنَحْرِهِ
عُصَارَةُ حِنَّاءٍ بِشَيْبٍ مُرَجَّلِ
وأنت إِذَا اسْتَدْبَرْتَهُ سَدَّ فَرْجَهُ
بِضَافٍ فُوَيْقَ الأَرْضِ لَيْسَ بِأَعْزَلِ
أحارِ تَرَى بَرْقاً أُرِيْكَ وَمِيْضَهُ
كَلَمْعِ اليَدَيْنِ فِي حَبِيٍّ مُكَلَّلِ
يُضِيءُ سَنَاهُ أَوْ مَصَابِيْحُ رَاهِبٍ
أَمان السَّلِيْطَ بالذُّبَالِ المُفَتَّلِ
قَعَدْتُ لَهُ وصُحْبَتِي بَيْنَ حامر
وبَيْنَ إكام، بُعْدَمَا مُتَأَمَّلِي
فأَضْحَى يَسُحُّ المَاءَ عن كل فيقةٍ
يَكُبُّ عَلَى الأذْقَانِ دَوْحَ الكَنَهْبَلِ
وتَيْمَاءَ لَمْ يَتْرُكْ بِهَا جِذْعَ نَخْلَةٍ
وَلاَ أُطُماً إِلاَّ مَشِيداً بِجِنْدَلِ
كَأَنَّ ذُرَى رَأْسِ المُجَيْمِرِ غُدْوَةً
مِنَ السَّيْلِ وَالغُثّاءِ فَلْكَةُ مِغْزَلِ
كَأَنَّ أباناً فِي أفانين ودقه
كَبِيْرُ أُنَاسٍ فِي بِجَادٍ مُزَمَّلِ
وأَلْقَى بِصَحْرَاءِ الغَبيْطِ بَعَاعَهُ
نُزُوْلَ اليَمَانِي ذِي العِيَابِ المحملِ
كَأَنَّ سباعاً فِيْهِ غَرْقَى غُديّة
بِأَرْجَائِهِ القُصْوَى أَنَابِيْشُ عَنْصُلِ
عَلَى قَطَنٍ، بِالشَّيْمِ، أَيْمَنُ صَوْبِهِ
وَأَيْسَرُهُ عَلَى السِّتَارِ فَيَذْبُل
وَأَلْقى بِبَيسانَ مَعَ الليلِ بَرْكَهُ
فَأَنْزَلَ مِنْهُ العُصْمَ مِنْ كُلِّ مَنْزِلِ
فخر الرجال
فَخرُ الرِجالِ سَلاسِلٌ وَقُيودُ
وَكَذا النِساءُ بَخانِقٌ وَعُقودُ
وَإِذا غُبارُ الخَيلِ مَدَّ رُواقَهُ
سُكري بِهِ لا ما جَنى العُنقودُ
يا دَهرُ لا تُبقِ عَلَيَّ فَقَد دَنا
ما كُنتُ أَطلُبُ قَبلَ ذا وَأُريدُ
فَالقَتلُ لي مِن بَعدِ عَبلَةَ راحَةٌ
وَالعَيشُ بَعدَ فِراقِها مَنكودُ
يا عَبلَ قَد دَنَتِ المَنِيَّةُ فَاِندُبي
إِن كانَ جَفنُكِ بِالدُموعِ يَجودُ
يا عَبلَ إِن تَبكي عَلَيَّ فَقَد بَكى
صَرفُ الزَمانِ عَلَيَّ وَهوَ حَسودُ
يا عَبلَ إِن سَفَكوا دَمي فَفَعائِلي
في كُلِّ يَومٍ ذِكرُهُنَّ جَديدُ
لَهفي عَلَيكِ إِذا بَقيتِ سَبِيَّةً
تَدعينَ عَنتَرَ وَهوَ عَنكِ بَعيدُ
وَلَقَد لَقيتُ الفُرسَ يا اِبنَةَ مالِكٍ
وَجُيوشُها قَد ضاقَ عَنها البيدُ
وَتَموجُ مَوجَ البَحرِ إِلّا أَنَّها
لاقَت أُسوداً فَوقَهُنَّ حَديدُ
جاروا فَحَكَّمنا الصَوارِمَ بَينَنا
فَقَضَت وَأَطرافُ الرِماحِ شُهودُ
يا عَبلَ كَم مِن جَحفَلٍ فَرَّقتُهُ
وَالجَوُّ أَسوَدُ وَالجِبالُ تَميدُ
فَسَطا عَلَيَّ الدَهرُ سَطوَةَ غادِرٍ
وَالدَهرُ يَبخُلُ تارَةً وَيَجودُ
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش
أَمِن أُمِّ أَوفى دِمنَةٌ لَم تَكَلَّمِ
بِحَومانَةِ الدُرّاجِ فَالمُتَثَلَّمِ
وَدارٌ لَها بِالرَقمَتَينِ كَأَنَّها
مَراجِعُ وَشمٍ في نَواشِرِ مِعصَمِ
بِها العَينُ وَالأَرآمُ يَمشينَ خِلفَةً
وَأَطلاؤُها يَنهَضنَ مِن كُلِّ مَجثِمِ
وَقَفتُ بِها مِن بَعدِ عِشرينَ حِجَّةً
فَلَأياً عَرَفتُ الدارَ بَعدَ التَوَهُّمِ
أَثافِيَّ سُفعاً في مُعَرَّسِ مِرجَلٍ
وَنُؤياً كَجِذمِ الحَوضِ لَم يَتَثَلَّمِ
فَلَمّا عَرَفتُ الدارَ قُلتُ لِرَبعِها
أَلا عِم صَباحاً أَيُّها الرَبعُ وَاِسلَمِ
تَبَصَّر خَليلي هَل تَرى مِن ظَعائِنٍ
تَحَمَّلنَ بِالعَلياءِ مِن فَوقِ جُرثُمِ
عَلَونَ بِأَنماطٍ عِتاقٍ وَكِلَّةٍ
وِرادٍ حَواشيها مُشاكِهَةِ الدَمِ
وَفيهِنَّ مَلهىً لِلصَديقِ وَمَنظَرٌ
أَنيقٌ لِعَينِ الناظِرِ المُتَوَسِّمِ
بَكَرنَ بُكوراً وَاِستَحَرنَ بِسُحرَةٍ
فَهُنَّ لِوادي الرَسِّ كَاليَدِ لِلفَمِ
جَعَلنَ القَنانَ عَن يَمينٍ وَحَزنَهُ
وَمَن بِالقَنانِ مِن مُحِلٍّ وَمُحرِمِ
ظَهَرنَ مِنَ السوبانِ ثُمَّ جَزَعنَهُ
عَلى كُلِّ قَينِيٍّ قَشيبٍ مُفَأَّمِ
كَأَنَّ فُتاتَ العِهنِ في كُلِّ مَنزِلٍ
نَزَلنَ بِهِ حَبُّ الفَنا لَم يُحَطَّمِ
فَلَمّا وَرَدنَ الماءَ زُرقاً جِمامُهُ
وَضَعنَ عِصِيَّ الحاضِرِ المُتَخَيِّمِ
سَعى ساعِيا غَيظِ بنِ مُرَّةَ بَعدَما
تَبَزَّلَ ما بَينَ العَشيرَةِ بِالدَمِ
فَأَقسَمتُ بِالبَيتِ الَّذي طافَ حَولَهُ
رِجالٌ بَنَوهُ مِن قُرَيشٍ وَجُرهُمِ
يَميناً لَنِعمَ السَيِّدانِ وُجِدتُما
عَلى كُلِّ حالٍ مِن سَحيلٍ وَمُبرَمِ
تَدارَكتُما عَبساً وَذُبيانَ بَعدَما
تَفانوا وَدَقّوا بَينَهُم عِطرَ مَنشِمِ
وَقَد قُلتُما إِن نُدرِكِ السِلمَ واسِعاً
بِمالٍ وَمَعروفٍ مِنَ الأَمرِ نَسلَمِ
فَأَصبَحتُما مِنها عَلى خَيرِ مَوطِنٍ
بَعيدَينِ فيها مِن عُقوقٍ وَمَأثَمِ
عَظيمَينِ في عُليا مَعَدٍّ وَغَيرِها
وَمَن يَستَبِح كَنزاً مِنَ المَجدِ يَعظُمِ
فَأَصبَحَ يَجري فيهُمُ مِن تِلادِكُم
مَغانِمُ شَتّى مِن إِفالِ المُزَنَّمِ
تُعَفّى الكُلومُ بِالمِئينَ فَأَصبَحَت
يُنَجِّمُها مَن لَيسَ فيها بِمُجرِمِ
يُنَجِّمُها قَومٌ لِقَومٍ غَرامَةً
وَلَم يُهَريقوا بَينَهُم مِلءَ مِحجَمِ
فَمِن مُبلِغُ الأَحلافِ عَنّي رِسالَةً
وَذُبيانَ هَل أَقسَمتُمُ كُلَّ مُقسَمِ
فَلا تَكتُمُنَّ اللَهَ ما في نُفوسِكُم
لِيَخفى وَمَهما يُكتَمِ اللَهُ يَعلَمِ
يُؤَخَّر فَيوضَع في كِتابٍ فَيُدَّخَر
لِيَومِ الحِسابِ أَو يُعَجَّل فَيُنقَمِ
وَما الحَربُ إِلّا ما عَلِمتُم وَذُقتُمُ
وَما هُوَ عَنها بِالحَديثِ المُرَجَّمِ
مَتى تَبعَثوها تَبعَثوها ذَميمَةً
وَتَضرَ إِذا ضَرَّيتُموها فَتَضرَمِ
فَتَعرُكُّمُ عَركَ الرَحى بِثِفالِها
وَتَلقَح كِشافاً ثُمَّ تَحمِل فَتُتئِمِ
فَتُنتَج لَكُم غِلمانَ أَشأَمَ كُلُّهُم
كَأَحمَرِ عادٍ ثُمَّ تُرضِع فَتَفطِمِ
فَتُغلِل لَكُم ما لا تُغِلُّ لِأَهلِها
قُرىً بِالعِراقِ مِن قَفيزٍ وَدِرهَمِ
لَعَمري لَنِعمَ الحَيُّ جَرَّ عَلَيهِمُ
بِما لا يُواتيهِم حُصَينُ بنُ ضَمضَمِ
وَكانَ طَوى كَشحاً عَلى مُستَكِنَّةٍ
فَلا هُوَ أَبداها وَلَم يَتَجَمجَمِ
وَقالَ سَأَقضي حاجَتي ثُمَّ أَتَّقي
عَدُوّي بِأَلفٍ مِن وَرائِيَ مُلجَمِ
فَشَدَّ وَلَم تَفزَع بُيوتٌ كَثيرَةٌ
لَدى حَيثُ أَلقَت رَحلَها أُمُّ قَشعَمِ
لَدى أَسَدٍ شاكي السِلاحِ مُقَذَّفٍ
لَهُ لِبَدٌ أَظفارُهُ لَم تُقَلَّمِ
جَريءٍ مَتى يُظلَم يُعاقِب بِظُلمِهِ
سَريعاً وَإِلّا يُبدَ بِالظُلمِ يَظلِمِ
رَعَوا ما رَعَوا مِن ظِمئِهِم ثُمَّ أَورَدوا
غِماراً تَسيلُ بِالرِماحِ وَبِالدَمِ
فَقَضَّوا مَنايا بَينَهُم ثُمَّ أَصدَروا
إِلى كَلَأٍ مُستَوبِلٍ مُتَوَخَّمِ
لَعَمرُكَ ما جَرَّت عَلَيهِم رِماحُهُم
دَمَ اِبنِ نَهيكٍ أَو قَتيلِ المُثَلَّمِ
وَلا شارَكوا في القَومِ في دَمِ نَوفَلٍ
وَلا وَهَبٍ مِنهُم وَلا اِبنِ المُحَزَّمِ
فَكُلّاً أَراهُم أَصبَحوا يَعقِلونَهُم
عُلالَةَ أَلفٍ بَعدَ أَلفٍ مُصَتَّمِ
تُساقُ إِلى قَومٍ لِقَومٍ غَرامَةً
صَحيحاتِ مالٍ طالِعاتٍ بِمَخرِمِ
لِحَيٍّ حِلالٍ يَعصِمُ الناسَ أَمرُهُم
إِذا طَلَعَت إِحدى اللَيالي بِمُعظَمِ
كِرامٍ فَلا ذو الوِترِ يُدرِكُ وِترَهُ
لَدَيهِم وَلا الجاني عَلَيهِم بِمُسلَمِ
سَئِمتُ تَكاليفَ الحَياةِ وَمَن يَعِش
ثَمانينَ حَولاً لا أَبا لَكَ يَسأَمِ
رَأَيتُ المَنايا خَبطَ عَشواءَ مَن تُصِب
تُمِتهُ وَمَن تُخطِئ يُعَمَّر فَيَهرَمِ
وَأَعلَمُ عِلمَ اليَومِ وَالأَمسِ قَبلَهُ
وَلَكِنَّني عَن عِلمِ ما في غَدٍ عَمي
وَمَن لا يُصانِع في أُمورٍ كَثيرَةٍ
يُضَرَّس بِأَنيابٍ وَيوطَأ بِمَنسِمِ
وَمَن يَكُ ذا فَضلٍ فَيَبخَل بِفَضلِهِ
عَلى قَومِهِ يُستَغنَ عَنهُ وَيُذمَمِ
وَمَن يَجعَلِ المَعروفَ مِن دونِ عِرضِهِ
يَفِرهُ وَمَن لا يَتَّقِ الشَتمَ يُشتَمِ
وَمَن لا يَذُد عَن حَوضِهِ بِسِلاحِهِ
يُهَدَّم وَمَن لا يَظلِمِ الناسَ يُظلَمِ
وَمَن هابَ أَسبابَ المَنِيَّةِ يَلقَها
وَلَو رامَ أَسبابَ السَماءِ بِسُلَّمِ
وَمَن يَعصِ أَطرافَ الزُجاجِ فَإِنَّهُ
يُطيعُ العَوالي رُكِّبَت كُلَّ لَهذَمِ
وَمَن يوفِ لا يُذمَم وَمَن يُفضِ قَلبُهُ
إِلى مُطمَئِنِّ البِرِّ لا يَتَجَمجَمِ
وَمَن يَغتَرِب يَحسِب عَدُوّاً صَديقَهُ
وَمَن لا يُكَرِّم نَفسَهُ لا يُكَرَّمِ
وَمَهما تَكُن عِندَ اِمرِئٍ مِن خَليقَةٍ
وَإِن خالَها تَخفى عَلى الناسِ تُعلَمِ
وَمَن لا يَزَل يَستَحمِلُ الناسَ نَفسَهُ
وَلا يُغنِها يَوماً مِنَ الدَهرِ يُسأَمِ
أمثال من العصر الجاهلي
من الأمثال التي اشتهرت في العصر الجاهلي وقد نكون نسمعها حتى يومنا هذا:
- رب رميةٍ من غير رامٍ.
- لكل جواد كبوة، ولكل صارم نبوة.
- المرء يعجز لا محالة.
- إذا فزع الفؤاد ذهب الرقاد.
- ادرعوا الليل فإنّ الليل أخفى للويل.
- ما كلٌ سوداء ثمرة، ولا كل بيضاءَ شحمة.