ما بين الحاجة والهروب من شبح العنوسة وافقت لاله على الزواج برجل ميسور الحال، لكنه اشترط عليها أن يكون هذا الزواج سريا لا صخب فيه ولا يُدعى إليه أحد، فقد قام إمام مسجد بعقد القران بحضور شاهدين.
تقول لاله إنها وافقت على هذا الزواج بسبب واقعها المرير والظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها أهلها، إضافة إلى وصمة العنوسة التي تلاحقها بعد أن تخطت 30 عاما.
ولم تكن تعرف لاله أن هذا الزواج السري سيكون بداية معاناة أكبر لتحصيل لقمة عيش لولدها الذي تنصل منه زوجها وقام بطلاقها.
ويعتبر الزواج السري ظاهرة منتشرة في موريتانيا، فقد بات الأكثر رواجا ويُقبل عليه الشباب لكونه الخيار الأنسب مع غلاء المعيشة والمهور.
زواج يسير
منذ 4 سنوات تزوج إبراهيم ولد إسماعيل سرا دون أن يعلم أهله أو أصدقاؤه، فقد تعرف على سيدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي وبعد المحادثة معها ولقائها في أحد المطاعم طلب منها أن تتزوجه سرا، لأن ظروفه لا تسمح بعقد زواج رسمي بتكاليف باهظة.
ويقول ولد إسماعيل إن السيدة وافقت على الزواج، فهي تكبره بـ10 سنوات، ولم تعد قادرة على الصبر في انتظار رجل يتزوج منها ويُكون معها عائلة تعيش حياة هادئة رغدة.
ويضيف ولد إسماعيل خلال حديثه مع منصة "المشهد"، أنه تزوج من هذه السيدة بمهر يبلغ 200 ألف أوقية قديمة (600 دولار تقريبا)، وأصبح يواعدها في الأسبوع مرتين بإحدى الشقق التي تؤجر باليوم، وبعد 3 أشهر من الزواج طلقها.
ويشير ولد إسماعيل إلى أن ذلك الزواج أغراه وحفزته التجربة أن يتزوج عدة مرات سرا بتكاليف أقل، مؤكدا أن هذا الزواج منتشر ويُقبل عليه الشباب.
وهذا ما تؤكده لاله التي تقول إنه بعد إنجابها من زواجها السري الأول، لم تجد من يتزوجها في العلن وتكون معه عائلة، فقررت أن توافق على الزواج السري مرة أخرى حتى تستطيع تأمين لقمة عيش لها ولابنها.
الهروب من المسؤولية
غالبية الرجال الموريتانيين الذين تعرفت عليهم، ينفرون من الزواج العلني ويختفون، لكن يقبلون بالزواج السري ويتحمسون له، حسبما تقول لاله خلال حديثها والتي تضيف أن غلاء المعيشية والظروف الاقتصادية الصعبة، أديا إلى إقبال الموريتانيين على هذا الزواج، فالرجل غير مطالب بتحمل النفقة وتوفير حاجيات البيت، كل ما هو مطلوب منه مهر عند الزواج.
وتؤكد لاله أنها تزوجت ما بين عام 2020 وحتى اليوم 6 زيجات كلها سرية أنجبت فيها ولدا واحدا في الزواج الأول، منوهة إلى أن من بعض الرجال الذين تزوجتهم سرا كانوا متزوجين ولديهم عائلات.
إقبال المتزوجين
ليس الشباب فقط الذي اختار هذا النوع من الزواج هربا من الأوضاع الاقتصادية، فحتى الرجال المتزوجون علنا يتزوجون سرا ويحاولون قدر الإمكان التكتم وألا تكشف أمره زوجته.
في هذا السياق تقول الباحثة الاجتماعية انديامي فاضل إن "المتزوجون يتزوجون سرا لأنهم يرغبون في التعدد التي لا تقبل به زوجته التي تزوجها علانا، حيث تضع شرطا عند عقد القران بأن لا يتزوج عليها".
وتضيف فاضل لمنصة "المشهد"، أن صعوبة تعدد الزوجات أدى إلى لجوء الرجال إلى هذه الحيلة للالتفاف على ذلك الشرط، ثم الزواج بأكثر من واحدة دون أن تعلم الزوجة الأولى.
لكن الباحثة عادت لتقول إن "الزواج السري يُعد من مسببات ارتفاع الطلاق وتفكك الأسر في موريتانيا، لأن الزوجة عندما تعلم أن زوجها تزوج سرا عليها تفسخ الزواج دون أن تطلب الطلاق".
إنكار النسب
تحذر المنظمات الحقوقية من خطر الزواج السري الذي يروح ضحيته أطفال ينكر الأزواج أنسابهم، ويرفضون منحهم اسمهم العائلي، وهو الحال مع مينه التي يئست من حصول طفلها على الأوراق المدنية وتسجيله في الحالة المدنية على الاسم العائلي لوالده الذي سبق أن تزوجها سرا وأنجبته منه.
وحاولت مينه بشتى الوسائل أن تضغط على زوجها حتى يعترف بنسب طفلها، إلا أنه يصر على أنه ليس ولده، مما جعل بعض محيطها الاجتماعي ينبذها ويشكك في زواجها من هذا الرجل.
وتقول مينه إنها أكثر ما تندم عليه موافقتها أن تتزوج سرا الذي قلب حياتها رأسا على عقب حين أنجبت طفلا لم يعترف به والده، ما جعل البعض يتهمها بـ"الفجور".
وتؤكد أن هذا الزواج قام بعقد قرانه إمام مسجد الحي الذي تقطن فيها، وبحضور شهود، جميعهم أقروا بأن الرجل الذي يرفض الاعتراف بابنه كان زوجها.
الوجه الآخر
لجأت مينه إلى منظمة "الأم والطفل" وهي منظمة تدافع عن النساء وتساندهم في "انتزاع" حقوقهم، وتتلقى عشرات شكاوى من نسوة يطلبن المساعدة في الحصول على الأوراق الثبوتية لأولادهن.
رئيسة المنظمة زينب الحضرامي تقول خلال حديثها لمنصة "المشهد"، إنهم "استقبلوا العام الماضي 300 شكاية من سيدات يتحدثن فيها عن رفض أزواجهم الاعتراف بأولادهن، وجميعهن تزوجن سرا".
وتضيف بنت الحضرامي، أن خطورة الزواج السري تكمن في إنجاب الأطفال وتنصل الآباء، حيث إنهم لا يعترفون بنسبهم ولا يمنحونهم حق الأوراق المدنية.
وتشير رئيسة منظمة "الأم والطفل" إلى أن الأطفال هم أكبر ضحايا الزواج السري، لا سيما مع ضياع حقوقهم ومستقبلهم ويتلقفهم الشارع ليغرقوا في عالم الجريمة.
وتتابع: "الزواج السري ظاهرة منتشرة، ولها أضرار اجتماعية كبيرة أبرزها أن هذه الزيجات عندما ينتج عنها أطفال سيكونون فاقدين السند العائلي وفي الغالب لا يعترف بهم قانونيا، نتيجة رفض الآباء تسجيل هذا الزواج بشكل إداري".