عندما يتعلق الأمر بالتضليل والتستر، فإنّ أزمة "بي بي سي" الحالية ليست أوّل جدل يُصيب الهيئة البريطانية أو يُطيح بأحد وجوهها.
فضائح بانوراما
وربما كان وضع الرئيس الأميركي دونالد ترامب المعقد، هو ما جعل المدير العام المنتهية ولايته لهيئة الإذاعة البريطانية تيم ديفي يرحل، ولكن في الواقع، يبدو أنّ وقته كان قد بدأ ينفد في هذا المنصب منذ فترة بسبب فضائح "بانوراما".
ففي العام 2020، وفي أسبوعه الأول في منصبه، أُبلغ أنّ فضيحة لمارتن بشير كانت على وشك الانفجار. أما الآن، وبينما يغادر، قام الصحفي آندي ويب بإلقاء الزيت على النار مع كتابه الاستثنائي الجديد "دياناراما: خيانة الأميرة ديانا"، الذي يحقق في هذه الملحمة المؤسفة.
مقابلة ديانا مع بشير
في الواقع وبالعودة إلى ما قبل وفاة الأميرة، أثرت المقابلة المتفجرة التي أجراها في نوفمبر 1995 بشير مع أميرة ويلز آنذاك، والتي شاهدها 23 مليون شخص، في نفوس جيل التسعينيات، تمامًا كما أثرت مقابلة أندرو عام 2019 في برنامج Newsnight مع إميلي ميتليس في نفوس أجيال هذه الأيام.
وبحسب تقرير مطول نشره The Telegraph، يعتقد ويب، وهو صحفي استقصائي ومخرج وثائقي، أنه لو لم تتم المقابلة مطلقًا، فربما لم تكن ديانا لتموت كما ماتت. ويكتب: "بسبب ما فعله مارتن بشير في عام 1995، والأهم من ذلك لأنه تم التستر على الأمر بعد ذلك، انحرفت حياة ديانا نحو مسار خطير للغاية، ما أدى إلى وفاتها".
في البداية، يكمن الشك في قيام ويب بتضخيم الأمور، لكن بعد عقدين من البحث والتعمق، نعلم الآن أنّ بشير خدع ديانا في ترتيب المقابلة باستخدام بيانات مزورة لكسب ثقة شقيقها، وبالتالي ثقتها. ونحن نعلم أيضًا أنّ هيئة الإذاعة البريطانية دفنت الفضيحة. في الواقع، اتضح أنّ الشركة بذلت جهودًا كبيرة لإخفاء الاتصالات الداخلية التي كان من شأنها يومها أن تدين رؤساء بي بي سي السابقين.
مع ذلك، هل من الصحيح أنّ حياة الأمير ويليام بأكملها "تأثرت بما فعلته هيئة الإذاعة البريطانية بوالدته"؟ هل نصدق أنّ المذيع الوطني اتضح أنه مخادع تمامًا؟ هل كتب ويب بالفعل، كما قال، "مسوّدة أولى للتاريخ"؟
دياناراما
وبينما يتكشف هذا الكتاب الذي تم بحثه بدقة وصياغته بعناية، ويسير بنا عبر رحلة زمنية مدتها 30 عامًا، يصبح من الواضح بشكل رهيب القول إنه نجح في كشف المستور. من المؤكد أنّ ويب كان على حق عندما قال إنّ مقابلة بانوراما كانت تحمل آثارًا أعظم من أيّ تصور في ذلك الوقت، ليس فقط بالنسبة لزواج ديانا، أو حياة الرجل الذي أصبح الآن ملِكًا، بل وأيضًا بالنسبة لسمعة المذيع.
انفصل تشارلز وديانا في عام 1992. وقد أثار زواجهما وفشله الكثير من الاهتمام، حتى بات من المستحيل تخيل وجود أيّ شيء جديد يمكن تعلّمه. مع ذلك، تمكن ويب من تقديم بعض المعطيات الجديدة الرائعة.
لم تكن عبارة ديانا الشهيرة "كان هناك 3 في هذا الزواج"، تشير، كما اعتقد الناس في كثير من الأحيان، إلى كاميلا باركر بولز، بل إلى تيجي ليج بورك، التي أقنع بشير ديانا بأنّ تشارلز كان على علاقة غرامية بها (وأخبر ديانا أنها حملت منه).
وفي مقابلة جوناثان ديمبلبي عام 1994 - التي دفعت ديانا إلى سرد جانبها الخاص من القصة - رفض تشارلز في البداية الحديث عن علاقاته مع كاميلا. لكن فقط عندما عادت قناة ITV واعتمدت على أمير ويلز آنذاك، اعترف بالزنا، خلافًا لنصيحة ماكس هاستينغز، رئيس تحرير هذه الصحيفة آنذاك، والذي أجرى ويب مقابلة معه.
في الواقع، مصادر ويب لا تشوبها شائبة. فهو يقدم معلومات من وراء الكواليس مستندًا إلى اعترافات وتصريحات الجميع، بدءًا من إيرل سبنسر، شقيق ديانا، وحتى الأمير ويليام نفسه (على الرغم من أنّ ويب لم يستطع تسمية الوريث الحالي للعرش بالاسم، إلا أنه قدم تلميحات قوية عنه).
ويشمل Dianarama كل التفاصيل الصغيرة المحيطة بالقضية، بغضّ النظر عن مدى غرابتها.
ويؤكد ويب أنّ المقابلة سلبت ديانا صوتها في مقاطع كان لديها فيها بالفعل أشياء قيّمة للغاية لتقولها.
ولم ينحاز ويب لأيّ طرف في النزاع الملكي، والأكيد أنه ليس لديه خلاف مع الملك الحالي.
بشير وبي بي سي
بدلًا من ذلك، فإنه صبّ كل غضبه نحو هدفين: بشير وبي بي سي.
فحتى عندما اكتشفت الشركة أنّ بشير كذب وزيّف وشق طريقه إلى شقة ديانا في قصر كنسينغتون، رفضت الكشف عن الحقيقة.
ويتناول الجزء الأول من Dianarama خلفية ما جرى والمقابلة نفسها، التي يشبهها ويب بـ"مقطع فيديو لرهينة.. لا يمكن عرضه إلا إذا سُمح لنا برؤية رجال القبائل وبنادق الكلاشينكوف أيضًا في لقطة واسعة".
وفي نهاية كتابه، يذكر ويب أنه استلهم حملته ضد بشير وبي بي سي من السير آلان بيتس، الناشط الذي ناضل لسنوات من أجل العدالة. إنها مقارنة جيدة. فقد تضمنت القصتان مؤسسات تُعتبر محترمة وموثوقة وجزءًا من نسيج الحياة البريطانية، يعتمد عليها مواطنوها والرأي العام. هي مؤسسات أخطأت في مكان وكذبت في مكان آخر سعيًا إلى توجيه أصابع الاتهام إلى مكان آخر.
وويب جزء من اللعبة: فقد انتهى سعيه وراء هذه القصة بمعركة قانونية استمرت 3 سنوات خاضها مع هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) بشأن طلبات حرية التعبير والإفراج عن المعلومات.
قد ينظر بعض القراء إلى ديناراما ويتجاهلون الموضوع، أو يعتقدون أنها تاريخ قديم. ولكن كما يذكرنا ويب: "أعتقد أنّ ما لا تقدر فعله هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) هو أن تجعل هذه القصة تختفي للأبد. إنّ الفضائح الملكية تتسم بعادة الاستمرار في اجتذاب الدعاية". لقد أعاد ويب للتو فتح صندوق الماضي.