hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 أزمة التعليم بالمغرب.. إضرابات متتالية تُنذر بسنة بيضاء للتلاميذ

المشهد

التنسيقيات التعليمية تعلن الاستمرار في خوض الإضراب عن العمل بالمغبر (إكس)
التنسيقيات التعليمية تعلن الاستمرار في خوض الإضراب عن العمل بالمغبر (إكس)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • التنسيقيات التعليمية تقرر مواصلة الإضراب عن العمل في المغرب.
  • آباء وأولياء التلاميذ يتخوفون من الإعلان عن سنة بيضاء في قطاع التعليم.
  • الحكومة المغربية تطمئن وترضخ للحوار مع النقابات والتنسيقيات لوقف الأزمة.

تلاميذ يتحلّقون حول أبواب المدارس لمعرفة ما إذا كان أساتذتهم حاضرين في المؤسسة أم مضربين عن العمل، ومسؤول يحاول تنظيم الصفوف أمام البوابة وتعليق سبّورة كبيرة كُتب فيها إعلان يضمّ الأساتذة الحاضرين اليوم في العمل، هكذا يبدو المشهد في إحدى مدارس العاصمة المغربية الرباط، ويتكرر في جلّ مدارس المغرب، في ظلّ استمرار الأزمة بين وزارة التربية الوطنية والتعليم الأوليّ والرياضة، والنقابات التعليمية والتنسيقيات، ما يُنذر بسنة بيضاء ضحاياها هم تلاميذ المؤسسات العمومية.

أزمة التعليم بالمغرب

يعيش التعليم العموميّ بالمغرب منذ سنوات أزمة عميقة، تتمثل في مجموعة من الاختلالات والمشاكل التي تؤثر على جودة التعليم ومخرجاته، وتجعل من التعليم المغربيّ غير قادر على تحقيق أهدافه في إعداد وتأهيل الأجيال الصاعدة، فرغم كثرة المشاريع والمخططات الإصلاحية، لا تزال المدرسة العمومية المغربية ترزح تحت وطأة الضعف، وعدم تحقيق الأهداف المرجوّة.

وتصاعدت وتيرة مشاكل التعليم بالمغرب منذ إقرار التوظيف بالتعاقد في القطاع، وهو حلّ لجأت إليه الحكومات المغربية خلال السنوات الأخيرة، لتفادي الخصاص وحلّ مشاكل الاكتظاظ في الفصول الدراسية، حيث رفض المرشحون لاجتياز امتحانات التعليم، هذا النمط من التوظيف وطالبوا بإسقاطه أكثر من مرة.

ورغم أنّ الحكومة المغربية الحالية قررت التخلي عن نظام التعاقد بإدماج الأساتذة المتعاقدين ضمن إطار جديد، بهدف تجويد الوضعية الحالية المبنية على التوظيف بموجب عقود، بالانتقال إلى وضعية نظامية مماثلة لوضعية الموظفين الخاضعين للنظام الأساسيّ الخاص بموظفي وزارة التربية الوطنية، في إطار التوظيف الجهويّ من طرف الأكاديميات، إلا أنّ ذلك لم يضع حدًا للمشاكل التي تفاقمت أكثر، بعد إقرار الوزارة الوصية نظامًا أساسيًا خاصًا بنساء ورجال التعليم.

نظام أساسيّ موحد

وراهنت الحكومة المغربية على الحل القاضي بإدماج المتعاقدين في نظام أساسيّ موحد، لإنهاء أزمة الإضرابات التي تشكل المدارس، حيث تمّ النظر إلى الاتفاق الذي وُقّع بين الوزارة والنقابات التعليمية الأكثر تمثيلية، في يناير 2023، بشأن النظام الأساسيّ الموحد المرتبط بقانون الوظيفة العمومية كـ"حل منقذ"، سيضمن الحقوق والواجبات نفسها، والمسار المهني نفسه لجميع موظفي التعليم، وسيحل مشاكل كانت متراكمة لسنوات.

فبعد إدماج الأساتذة المتعاقدين في النظام الأساسيّ الخاص بموظفي التعليم، وتغيير الأخير من طرف الوزارة الوصيّة، بإضافة مقتضيات جديدة اعتبرها المعلمون تراجعًا خطيرًا عما كان يتضمنه النظام السابق، دخل الصراع بين النقابات والتنسيقيات التعليمية والحكومة منعطفًا جديدًا، وصل إلى ذروته في شهر أكتوبر الماضي، حينما قررت نساء ورجال التعليم الدخول في إضرابات طويلة متتالية.


وترجع الأزمة الحالية إلى خلافات بين الحكومة والنقابات التعليمية حول عدد من البنود المتعلقة بالنظام الأساسي، من بينها، سلّم الأجور، حيث تطالب النقابات برفع سلّم الأجور، وتحسين الوضع الماديّ للأساتذة، حيث يتقاضى الأساتذة أجورًا منخفضة مقارنة بنظرائهم في القطاعات الحكومية الأخرى.

كما طالبت النقابات بإصلاح نظام الترقّي في الوظيفة، وجعله أكثر شفافية وموضوعية، ووقف العمل بنظام التعاقد مع الأساتذة، وتحويلهم إلى موظفين دائمين، إضافة إلى إقرار تعويضات عن المهامّ الإضافية، ومنح امتيازات مادية لفئات التدريس بمختف أصنافها.

إضرابات متتالية

ومند بداية الموسم الدراسي الحالي، دخل رجال ونساء والتعليم في سلسلة إضرابات متتالية عن العمل، بسبب فرض وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة في المغرب، النظام الأساسيّ الجديد الذي قالوا إنه جاء بمقتضيات أسوأ من النظام الأساسيّ القديم الذي كان منصفًا لهم.

وبعد أشهر من الاحتقان والإضراب عن العمل بمختلف الأسلاك التعليمية، تم يوم الأحد 10 ديسمبر 2023، الإعلان عن التوصل لاتفاق بين الحكومة والنقابات التعليمية الأكثر تمثيلية، يقتضي بالاستجابة لمطالب الشغّيلة التعليمية بالمغرب، ويُنهي أزمة الإضراب وضياع حقوق التلاميذ في التعلّم والتمدرس.

وقبل ذلك كانت الحكومة قد أعلنت عن تجميد العمل بالنظام الأساسيّ الجديد لموظفي التعليم، وإعادة النظر في المقتضيات التي تضمنها، والتي أثارت حفيظة وسخط المعلمين، وأعلنت عن فتح حوار مع النقابات الأكثر تمثيلية للتوصل إلى اتفاق ينهي الأزمة.

تفاصيل الاتفاق

ويهمّ الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين الحكومة والمركزيات النقابية الأكثر تمثيلية بعد جلسات مفاوضات ماراتونية، تحسين دخل رجال ونساء التعليم، والاستجابة للملفات المطلبية لجميع فئات هذا القطاع الحيوي، وبالتالي إنهاء الأزمة التي تضرر منها التلاميذ المغاربة وأولياء أمورهم.

وهكذا تم إقرار زيادة عامة في أجور نساء ورجال التعليم كافة بمختلف هيئاتهم ودرجاتهم، بمبلغ شهريّ صاف يصل إلى 1.500 درهم، يُصرف على قسطَين متساويَين الأول يطبّق في أول يناير 2024، بينما سيتمّ تطبيق القسط الثاني ابتداءً من الأول من يناير 2025، كما ينصّ الاتفاق على امتيازات أخرى من قبيل:

  • الرفع من مبالغ التعويضات الخاصة بالدرجة الممتازة (خارج السلم) للموظفين المرتّبين كافة في هذه الدرجة، ابتداءً من الرتبة 5، بمبلغ شهريّ يساوي 1.000 درهم.
  • منح تعويض تكميلي، بمبلغ شهري يساوي 500 درهم، لفائدة أساتذة التعليم الثانوي التأهيلي.
  • إحداث تعويض تكميلي، بمبلغ شهريّ يساوي 500 درهم، لفائدة المتصرفين التربويّين.
  • تخويل المساعدين الإداريّين والمساعدين التقنيّين المُدمجين في إطار المساعدين التربويّين، تعويضًا خاصًّا يساوي مبلغه الشهري 500 درهم.
  • الرفع من مبلغ التعويضات عن تصحيح الامتحانات، علمًا بأنّ مبالغ هذه التعويضات ستُحدّد بقرار مشترك للسلطتَين الحكوميّتين المكلفتَين بالتربية الوطنية وبالمالية، على أن يحدّد الحدّ الأدنى لمبلغ التعويض الذي يُصرف للأستاذ المكلف بالتصحيح 1.000 درهم.
  • مراجعة نظام الترقّي في الرتبة، بخفض عدد السنوات المطلوبة بالنسبة لبعض الرتب.
  • تخويل الأطر الإدارية المكلفة، بصفة مؤقتة، بمزاولة مهامّ الإدارة التربوية (مدير، ناظر، حارس عام...) التعويضات نفسها عن الأعباء الإدارية المتعلقة بالمنصب، شريطة أن يتمّ التكليف بهذه المهامّ، بقرار للسلطة الحكومية المكلفة بالتربية الوطنية.
  • الزيادة في مقادير التعويضات عن الساعات الإضافية بنسبة 30%، مع جعل القيام بها اختياريًّا.
  • منح أساتذة التعليم الابتدائيّ والإعداديّ المرتبين في الدرجة الثانية (السلم 10) الذين تم توظيفهم الأول بالسلّم 9، المزاولين مهامّهم في أول يناير 2023، أقدمية اعتبارية مدتها 4 سنوات تحتسب لأجل الترقّي إلى الدرجة الأولى (السلم 11) بعد استيفائهم للشروط المطلوبة للترقي، في حدود حصيص الترقي الجاري به العمل. ويحتفظ المعنيون بالأمر، بعد ترقيتهم إلى الدرجة الأولى بالأقدمية المكتسبة في الدرجة الثانية التي تزيد عن 14 سنة، وذلك في حدود 4 سنوات.
  • تسوية ملف أساتذة التعليم الابتدائيّ والملحقين التربويّين وملحقي الاقتصاد والإدارة، الذين تم توظيفهم الأول في السلّم 7 أو السلّم 8، المرتّبين في الدرجة الثانية، والمحالين على التقاعد ما بين أول يناير 2012 و31 ديسمبر 2023، وذلك على مستوى الصندوق المغربيّ للتقاعد.

سنة بيضاء

وفي الوقت الذي رحبت فيه الحكومة والنقابات الأكثر تمثيلية في قطاع التعليم، بمضامين، رفضت تنسيقيات التعليم، وهي تنظيمات نقابية غير رسمية، الاتفاق الحكوميّ النقابي، معتبرةً أنه لا يلبّي مطالب الأساتذة، ولا يحلّ أزمة التعليم العموميّ بالمغرب.

وقررت التنسيقيات التعليمية والتي باتت تستقطب آلاف المؤيّدين ممن لم يقتنعوا بالعمل النقابيّ المؤطّر، مواصلة الإضراب عن العمل وبالتالي ضياع الزمن المدرسي، والتأشير على استمرار الأزمة التي تهدد السنة الدراسية بالمغرب، ما يهدّد بأن تكون سنة بيضاء، الخاسر الأكبر فيها هم تلاميذ البلاد.

وأعلن التنسيق الوطنيّ لقطاع التعليم، عن خوض إضراب وطني، يومي الخميس والجمعة، 21 و 22 ديسمبر الجاري، بعد عدم التوصل إلى صيغة متّفق عليها للحوار بينه وبين الوزارة الوصية على القطاع.

ويتخوّف الكثير من آباء وأولياء أمور التلاميذ المغاربة، من أن ينتهي المطاف بالأزمة إلى الإعلان عن سنة بيضاء، حيث وصل الموسم الدراسيّ لمنتصفه من دون أن يدرس التلاميذ شيئًا، خصوصًا المقبلين على الامتحانات الإشهادية كسلك الباكالوريا وشهادة التعليم الثانويّ الإعدادي.

وعبرت رشيدة لكحل، وهي أم لتلميذين (طفل وفتاة)، يدرسان في المدرسة العمومية، الأول يدرس في المستوى الثالث إعدادي وهو مستوى إشهادي يستلزم اجتياز امتحان جهوي نهاية العام، والفتاة تدرس في السنة الختامية من سلك البكالوريا وينتظرها امتحان وطني لنيل شهادة البكالوريا، عن تخوفها من مصير مستقبل أبنائها ومعهم تلاميذ التعليم العمومي بالمغرب الذين لم يتلقوا ما يكفي من المعارف والدروس التي تمكنهم من اجتياز الامتحانات.

وطالبت أم التلميذين، في حديث لـ"المشهد" أطراف الأزمة أساتذة ووزارة وصية، بتغليب المصلحة الجماعية للتلاميذ والعودة لأقسام الدراسة وحل المشاكل بين الطرفين بدون اللجوء إلى الإضراب الذي لم يكن هو الحل، حيث يضر بالتلاميذ والأسر بالدرجة الأولى، ويجبرها على البحث عن بدائل لتعليم أطفالها، لكن ذلك يصطدم بضعف قدرتها الشرائية وغلاء أسعار التعليم الخصوصي.

من جهة أخرى، قال زكرياء القداري أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي، عن التنسيقي الوطني لقطاع التعليم، إن استجابة الوزارة الوصية للمطالب الأساسية للتنسيق والالتزام بتنفيذها مع إعطاء ضمانات واضحة، هي السبيل الوحيد للعودة إلى المدارس وتجنب سيناريو السنة البيضاء الذي بات يخيم على الموسم الدراسي في ظل استمرار الأزمة".

وعبر القداري في حديث لـ"المشهد" عن أسفه لما آل إليه وضع المدرسة العمومية المغربية وضياع الزمن المدرسي بسبب عدم تفاعل الحكومة والوزارة الوصية على القطاع مع مشاكل التعليم ومطالب الشغيلة التعليمية في وقتها، وغياب الإرادة الحقيقة لحلحة الأزمة وضمان استمرارية التدريس بشكل عادي . 

الحكومة تُطمئن

وبرفض تنسيقيات التعليم الاتفاق الحكوميّ النقابي، أصبح مستقبل السنة الدراسية 2023- 2024 بالمغرب مهدّدًا بأن تكون سنة بيضاء، حيث من المرجح أن يستمر الأساتذة في الاحتجاجات رغم تطمينات الحكومة في هذا الصدد.

واستبعدت الحكومة المغربية اللجوء إلى خيار إعلان سنة دراسية بيضاء، بعد قرار التنسيقيات التعليمية استمرار مشاركتها في الإضراب، وتعطيل الدراسة بمعظم المدارس العمومية، التي جاءت رفضًا لمخرجات اتفاق الحكومة والنقابات بشأن النظام الأساسيّ الجديد.

وأكد الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان، الناطق الرسميّ باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، في تصريحات للصحافة، أنّ النقاش مع النقابات لا يزال مستمرًا لتبديد تخوفات الأطر التعليمية المرتبطة بتجويد النظام الأساسيّ الخاص بموظفي قطاع التربية الوطنية، وتطمين أولياء أمور التلاميذ بأنّ الحكومة ستجد حلًا يقضي برجوع الأساتذة المضربين إلى الحجرات الدراسية.

وأكد بايتاس خلال لقاء صحفيّ عقب الاجتماع الأسبوعيّ لمجلس الحكومة المغربية الخميس الماضي، على رغبة الحكومة في حلّ هذا الملف "بشكل سريع وعاجل، من أجل ضمان سير الموسم الدراسيّ في ظروف طبيعية وعادية".

وأضاف المتحدث أنّ الحكومة عقدت جلسات مع النقابات "بهدف تدارس بعض القضايا والملفات التي كانت عالقة لسنوات، والتي ارتبطت غالبيّتها بنقاط لها علاقة بما هو ترقيات وتعويضات"، مشيرًا إلى أنّ الحكومة لا تستهدف من الحوار المسؤول مع الفرقاء الاجتماعيّين إلا غاية واحدة، تتمثل في إصلاح المنظومة التعليمية، وردّ الاعتبار للمدرسة العمومية وللمدرّس ولجودة التعليم للمتعلمين. 

من يتحمّل المسؤولية؟

وتلقي جمعيات آباء وأولياء التلاميذ بالمغرب باللوم على الحكومة والمسؤولين على القطاع، الذين لم يجدوا حلًا ينهي الأزمة التي تهدّد مستقبل أطفالهم، كما انتقدت الحلول الترقيعية التي لجأت إليها وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، لتدارك هدر الزمن المدرسي، وذلك حينما أقرت برنامج الدعم التربويّ خلال فترة العطلة، وهو الحل الذي لم يؤدِّ إلى أيّ نتيجة.

وكانت الجمعية المغربية لحقوق التلميذ قد حمّلت الحكومة المغربية المسؤولية الكاملة في تأخر تدخلها، وضعف نجاعة الحوار لوقف الاحتجاجات، التي كانت المدرسة العمومية في غنًى عنها لو توافرت الإرادة السياسية للحوار في حينه، ووقف هدر الزمن المدرسيّ وتبعاته على هذا الجيل في السنوات المقبلة.

وناشدت الجمعية التي تدافع عن حقوق التلميذات والتلاميذ المغاربة، نساء ورجال التعليم، خصوصًا الموالين للتنسيقيات، بتبنّي الحكمة ومراعاة المصلحة الفضلى لتلاميذ الأسر الفقيرة التي ساندت الحركات الاحتجاجية، قصد إعطاء الفرصة للحوار في أفق الآجل المتفق بشأنه، لأنّ الدفاع عن المدرسة العمومية هو دفاع عن الحقّ في التعليم أساسًا، بحسب بيان صادر عن الجمعية.