hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 انتحار وهروب.. صدمة في الجزائر بسبب طريقة التعامل مع نتائج الأبناء

نتائج دراسية متدنية دفعت تلاميذ جزائريين إلى الهروب من منازلهم (إكس)
نتائج دراسية متدنية دفعت تلاميذ جزائريين إلى الهروب من منازلهم (إكس)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • نتائج الامتحانات شكلت مصدر خوف للتلاميذ ودفعتهم للهروب من المنازل.
  • خبراء يحدثون عن الضغط المجتمعي الذي يُلقى على الطفل في سن مبكرة.
  • خبراء: حالات الهروب انعكاس مباشر لضغط اجتماعي وتربوي متراكم.

مع إعلان نتائج الفصل الدراسي الأول في مختلف المؤسسات التربوية في الجزائر، عادت إلى الواجهة بعض الحالات الاجتماعية المقلقة، تمثلت في هروب تلاميذ قُصّر من منازلهم خوفًا من ردود فعل أسرهم بعد تحصيلهم نتائج دراسية وُصفت بالمتدنية. حالات يصفها مراقبون أنها أصبحت تدعو إلى الوقوف على واقع العلاقة بين التلميذ والأسرة، وعلى ثقل الضغط المجتمعي الذي يُلقى على كاهل الطفل في سن مبكرة.

وقد أثارت هذه الوقائع موجة تعليقات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصا بعد تداول قصص إنسانية حول هذا الموضوع وأمام تكرار هذه الحالات، يبرز التساؤل: كيف تتعامل الأسرة مع النتائج الدراسية لأبنائها، حين تتحول العلامات من أداة تقييم تربوي إلى مصدر خوف يدفع الطفل إلى الهروب بدلا من طلب الدعم؟ وما رأي الخبراء في ذلك؟

قراءة اجتماعية

يرى الخبير التربوي الدكتور سعيد زاوي في حديث مع منصة "المشهد" أن جوهر المشكلة لا يكمن في النتائج الدراسية ذاتها، بل في التمثلات الاجتماعية الخاطئة المرتبطة بها، وأكد أن حالات هروب التلاميذ عقب إعلان النتائج الدراسية لا يمكن قراءتها كتصرفات فردية أو عابرة، بل هي انعكاس مباشر لضغط اجتماعي وتربوي متراكم، مشيراً إلى أن الطفل في هذه الحالات يكون "ضحية منظومة ضغط متكاملة تبدأ من المجتمع ولا تنتهي عند الأسرة".

ويعدد الدكتور زاوي أبرز الأسباب المؤدية إلى هذه الوقائع في النقاط التالية:

  • الضغط المجتمعي المفرط، حيث ما يزال النجاح الدراسي يُقدَّم في التصور المجتمعي باعتباره الطريق الوحيد للنجاح في الحياة، ما يخلق وصما اجتماعيا للتلميذ المتعثر.
  • الخوف من العقاب الأسري نتيجة اعتماد بعض الأولياء أساليب تربوية قائمة على التهديد والعقاب بدلا من الحوار والتوجيه.
  • الربط الخاطئ بين القيمة الشخصية والمعدل الدراسي، إذ يشعر الطفل أن مكانته داخل الأسرة مرهونة بالأرقام وليس بالمجهود أو السلوك.
  • غياب الوعي النفسي لدى الأولياء خصوصا فيما يتعلق بمراحل النمو النفسي للطفل والمراهق وحساسيته المفرطة للنقد واللوم.

ويضيف الخبير أن هذه الممارسات، وإن بدت للبعض وسيلة للانضباط والتحفيز، إلا أنها قد تؤدي على المدى المتوسط والبعيد إلى بناء شخصية مهزوزة، خائفة من الخطأ، وغير قادرة على اتخاذ القرار.

أولياء يراجعون أساليبهم

يقول مراد. ب القاطن ببلدية براقي في العاصمة الجزائر، في حديثه لـ"المشهد" وأب للتلميذ منعم في الطور المتوسط، إن تجربته الشخصية جعلته يعيد النظر كليا في أسلوبه التربوي، بعدما اكتشف أن الصرامة المفرطة لا تصنع النجاح بقدر ما تزرع الخوف.

ويضيف: "كنت أعتقد أن كثافة المتابعة المستمرة ستدفع ابني إلى تحسين مستواه الدراسي، لكن العكس تماماً هو ما حدث. لاحظت أنه أصبح متوتراً، قليل الكلام، يخشى الخطأ، بل حتى يتهرب من الحديث عن المدرسة".

ويشرح مراد أن هذا الأسلوب انعكس سلباً على ابنه، ليس فقط على مستواه الدراسي، بل على توازنه النفسي وسلوكه اليومي، حيث فقد الثقة في نفسه، وأصبح يربط أي تعثر بالخوف من العقاب بدل التفكير في الحل.

ويتابع قائلاً: "أدركت لاحقاً أن الخوف لا يولد الاجتهاد، بل يولد الكتمان والكذب، ويجعل الطفل يبحث عن طرق للهروب بدل المواجهة".

بعد ذلك، قرر مراد تغيير طريقة تعامله مع النتائج الدراسية، فانتقل من منطق العقاب إلى منطق الحوار، من خلال مناقشة ابنه بهدوء حول نقاط ضعفه، ومرافقته في وضع برنامج بسيط للتحسن، من دون توبيخ أو مقارنة بزملائه.

ويؤكد أن هذا التحول كان له أثر إيجابي واضح، إذ استعاد منعم ثقته بنفسه، وتحسنت علاقته بالمدرسة، وبدأ يظهر رغبة أكبر في التعلم، مشيراً إلى أن الدعم النفسي والشعور بالأمان داخل الأسرة كانا العامل الحاسم في هذا التغير.

ويختم مراد حديثه بالتأكيد على أن "الأسرة حين تضغط من دون وعي، قد تدفع أبناءها إلى نتائج عكسية تماما، فبدل التفوق، نحصل على أطفال خائفين، وبدل النجاح، نزرع القلق"، داعيا الأولياء إلى مراجعة أساليبهم التربوية، والتفريق بين المتابعة الإيجابية والضغط الذي يترك آثارا نفسية طويلة المدى.

مرافقة أسرية

في المقابل، تؤكد سميرة. ل، أم لثلاثة أبناء، من (محافظة عين الدفلى 148 كيلومتر غرب العاصمة) أنها اختارت منذ البداية اعتماد أسلوب التشجيع والدعم النفسي في التعامل مع النتائج الدراسية لأبنائها، انطلاقاً من قناعتها بأن التحفيز الإيجابي هو الأساس في بناء شخصية متوازنة.

وتقول في حديثها مع منصة "المشهد" إن الأسرة حرصت على جعل لحظة استلام النتائج فرصة للنقاش الهادئ، لا للمحاسبة، موضحة: "كنا نركز دائماً على المجهود الذي يبذله الطفل، ونشجعه حتى إن لم تكن النتائج في مستوى تطلعاتنا، لأننا نؤمن أن الخطأ جزء من التعلم".

وتضيف سميرة أن هذا النهج ساعد أبناءها على التعبير عن مخاوفهم وصعوباتهم من دون خوف، ما سمح للأسرة بمرافقتهم نفسيا ودراسيا، بدل ممارسة الضغط أو التهديد بالعقاب.

حلول ممكنة

وعن دور الأسرة وتعاملها مع التلميذ يضيف الخبير التربوي زاوي أن نجاح إحتواء العلاقة يتم عبر مجموعة من المؤشرات من بينها:

  • الثناء على الاجتهاد والانضباط، حتى مع ضعف النتائج، يغرس لدى الطفل قناعة أن المحاولة قيمة بحد ذاتها، ويحفزه على الاستمرار.
  • مشاركة الطفل في تحديد أهداف واقعية وقابلة للتحقيق تعزز إحساسه بالمسؤولية وتمنحه دوراً فاعلاً في مساره الدراسي.
  • من الضروري توعية الطفل بأن النجاح في الحياة لا يختزل في المدرسة فقط، بل يشمل المهارات، القيم، والقدرة على التعلم من الخطأ.