في حلقة جديدة من بودكاست "عندي سؤال" الذي يُبث عبر قناة ومنصة "المشهد"، أطلّ الفنان السوري جمال سليمان ضيفًا على الإعلامي محمد قيس في حوار عميق حمل في طياته الكثير من المكاشفة والجرأة. لم يكن اللقاء مجرد استعادة لمحطات فنية من مسيرة سليمان الغنية، بل كان مساحة حرة عبّر فيها عن مواقفه السياسية.
جمال سليمان: عندما تصطدم الدراما بالسياسة
يعود الفنان جمال سليمان بالذاكرة إلى مسلسل خان الحرير، الذي شكل، برأيه، واحدة من أكثر المحطات تأثيرًا في مسيرته الفنية، بل وفي وعيه السياسي. هذا العمل لم يكن مجرد دراما اجتماعية، بل شهادة فنية على لحظة تاريخية مفصلية في سوريا. جزؤه الأول تناول الأشهر التي سبقت وحدة سوريا مع مصر، أما الجزء الثاني فغطى الأشهر التي سبقت الانفصال، وانتهى بمظاهرات كبرى في حلب، جمعت من ناصروا الوحدة ومن عارضوها.
يرى سليمان أنّ الجزء الثاني من المسلسل كان شديد الخطورة من حيث الطرح، لأنه سلط الضوء على إجهاض النظام الديمقراطي الوليد في سوريا عقب الوحدة مع مصر. في تلك الفترة، وعلى الرغم من هشاشة التجربة، كانت البلاد قاب قوسين من نهضة اقتصادية قد تجعلها "هونغ كونغ الشرق الأوسط". لكن بشروط جمال عبد الناصر المتمثلة في حل البرلمان، وإلغاء الأحزاب، تم القضاء على هذا الحلم الديمقراطي.
يستعرض سليمان تاريخ الأحزاب السورية قبل الوحدة، من حزب الشعب والحزب الوطني، إلى البعث والإخوان، مؤكدًا أنّ سوريا كانت تملك آنذاك تعددية سياسية فعلية. كل ذلك دُمر مع صعود الدولة الأمنية، التي حلت محل الدولة الديمقراطية، وهو ما تطرق له المسلسل بجرأة.
جمال سليمان وحكم حافظ الأسد
غير أن هذه الجرأة لم تمر مرور الكرام. عندما بدأ المسلسل في انتقاد سياسات التأميم والإصلاح الزراعي، قررت القيادة السياسية وقف بثه. وحين سُئل عن الرقابة، أكد سليمان أنّ النص مر عبر الرقابة بطريقة ما، فليست كل التفاصيل في نظام أمني محكم تمر عبر القنوات المتوقعة. لكنه يشير إلى أنّ النظام السياسي في سوريا، رغم قسوته، لم يكن جامدًا تمامًا، بل شهد هامشًا أكبر من حرية التعبير في السنوات الأخيرة من حكم حافظ الأسد.
يرفض سليمان فكرة أنّ السماح بهذه المسلسلات كان مجرد تنفيس بمباركة النظام، حيث يعتقد أنّ المشهد كان أعقد. في أواخر أيام حافظ الأسد، أدرك الرئيس أنّ قسوة النظام الأمني أضرت بشعبيته، خصوصًا مع تفكيره في توريث الحكم لابنه. لذلك، سمح بهامش من حرية التعبير، ليُشعر الناس أنّ الأزمات ليست مسؤولية الرئيس بل الأجهزة الأمنية. كما كان هذا الهامش محاولة لعزل مؤسسة الرئاسة عن بقية أدوات الدولة.
ويرى سليمان أنّ النظام المتمثل في الأب ثم الابن، لم يمانعا في خروج أعمال فنية تنتقد المسؤولين وتفضح فسادهم، مثل مسلسل بقعة ضوء. بل كان ذلك مدروسًا، لأنّ إضعاف أولئك المسؤولين في نظر الناس كان وسيلة لتقليص خطرهم على وريث الحكم. وكان النظام يعلم جيدًا أنه لا بد من ضرب شرعيتهم الشعبية، حتى لا يشكلوا تهديدًا مستقبليًا.
العراب.. فك أسطورة الحرس القديم
عند حديثه عن مسلسل العراب الذي أُنتج عام 2015 بالتعاون مع المخرج الراحل حاتم علي، يقول جمال سليمان، إنّ الفكرة المحورية كانت دحض الأسطورة الرائجة بأنّ الحرس القديم هو من أفشل مشروع بشار الأسد الإصلاحي.
يعتبر سليمان هذه الرواية كذبًا مبينًا، لأنّ الحرس القديم لم يكن يمتلك لا الرغبة ولا القدرة على عرقلة أيّ مشروع إصلاحي. هم فقط أرادوا أن يُتركوا وشأنهم، ويغادروا المشهد بهدوء. فالصراع لم يكن أيديولوجيًا بين قديم وجديد، بل على كعكة الفساد، وليس على فكرة الإصلاح السياسي.
لم يكن الشعب السوري يطالب بإسقاط الرئيس ولا بانتقال فوري للسلطة، بل بإصلاحات تدريجية تتضمن تعديل الدستور، واستقلالية السلطات، وبرلمان فعلي، وحرية تشكيل الأحزاب. لكنّ هذه المطالب أُجهضت تدريجيًا، لأنّ الرئيس أدرك أنّ أيّ إصلاح حقيقي سيُفقده سلطته المطلقة، شيئًا فشيئًا.
سوريا في عهد بشار الأسد
يتحدث سليمان عن مرحلة جديدة دخلتها سوريا في عهد بشار الأسد، حيث تم الترخيص لأول مرة للبنوك الخاصة، وظهرت مظاهر اقتصاد السوق. لكنه يشير بمرارة إلى أنّ تلك الخطوة لم تكن تحريرًا اقتصاديًا فعليًا، بل تحولت إلى شبكة من الاحتكارات، حيث بات النظام وأجهزته شركاء إجباريين في كل مشروع ناجح من البنوك إلى شركات الاتصالات إلى الجامعات والمصانع، وعلى حد تعبير جمال سليمان أنّ أيّ رجل الأعمال لا يمكنه العمل من دون أن يشركهم في ماله ومكاسبه.
ورغم اعترافه بأنّ النظام السوري جزء من شبكة إقليمية ودولية تتقاطع فيها المصالح الجيوسياسية، يرفض سليمان استخدام المؤامرة كمبرر دائم للفشل. يذكر أنّ أول انقلاب عسكري في سوريا عام 1949 بقيادة حسني الزعيم، جاء بدعم أميركي لخدمة مصالح خطوط النفط. لكنّ هذا لا يلغي مسؤولية السوريين عن واقعهم، فالدول الكبرى تفكر بمصالحها لا بحرية الشعوب، وهذا أمر يجب أن يكون واضحًا.
مسلسل خان الحرير
يعود سليمان إلى السبب المباشر في منعه من استكمال عرض مسلسل خان الحرير، وهو اتهام المسلسل بضرب شرعية حزب البعث. يحكي عن حوار جمعه بأحد كبار ضباط الأمن، قال له فيه الأخير: "أنتم تضربون جذور الشرعية: التأميم والإصلاح الزراعي". فردّ عليه سليمان قائلًا: "أنا ابن فلاح فقير، ووالدي من جيل مؤسسي حزب البعث، واحتفل بالإصلاح الزراعي. لكن بعد كل هذه السنوات، أقول بمحبة: يجب أن يبحث حزب البعث عن شرعية جديدة، لأنّ هذه الشرعية أثبت الزمن فشلها.. لقد أصبحت منتهية الصلاحية – Expired".
بعد هذه التجربة، تم ترتيب لقاء مع بشار الأسد، الذي لم يكن حينها رئيسًا، وتم التطرق فيه إلى موضوع الرقابة. شارك اللقاء فنانون آخرون مثل ياسر العظمة. ورغم أنّ المسلسل استُكمل عرضه، فقد مُنح الرقيب الحق في حذف بعض المشاهد، منها مشاهد قوية أدتها الراحلة مي سكاف.
جمال سليمان: مي سكاف شجاعة
انتقل الحديث إلى الفنانة الراحلة مي سكاف، التي وصفها سليمان بأنها كانت شجاعة بشكل نادر. استعاد لحظة خاصة جمعته بها في جلسة مفتوحة مع بشار الأسد، حيث حاصرته مي بالحديث عن القانون، والفساد، والحريات، والأجهزة الأمنية.
وأكد جمال سليمان أنّ مي لم تطلب من أحد اعتقالها، بل كانت تؤمن أنّ صوتها سيصل للرئيس وسيُحدث التغيير. لكنها خابت أملًا واعتُقلت ثم غادرت سوريا لتعيش حياة صعبة في المنفى.
عن المنفى القسري والاتهامات بالادعاء
طرح محمد قيس السؤال المحوري: هل المعارضون هجّروا أم هاجروا؟ رد سليمان مؤكدًا أنّ التهجير حقيقي، وليس خيارًا. شرح كيف داهمت الأجهزة الأمنية منازلهم، وصادرت بيوتهم، وأسكنت فيها عناصر الأمن. وأوضح أنّ من يقول إنهم يستطيعون العودة بحريّة، إما يكذب أو لا يدرك الواقع. وأضاف: "أحيانًا يُقال لنا إننا ندعي، هل تظنون أحدًا يحب أن يُظلم؟ نحن لم نُستأجر لنقول هذا الكلام، بل هذا ما عشناه".
عبر جمال سليمان عن ألمه حين يُقارن موقفه مع مواقف فنانين سوريين آخرين يظهرون في الإعلام ليقولوا إنّ الأبواب مفتوحة أمام المعارضين. وقال: "بهذا الكلام تجعلني كاذبًا أو عميلًا أو مدفوعًا من جهة أجنبية. لا أحد يحب أن يظهر مظلومًا بلا سبب، ولا أحد يدعي ذلك من فراغ".
سلاف فواخرجي والفصل من النقابة
انتقل الحوار إلى حالة الفنانة سلاف فواخرجي، التي فُصلت من نقابة الفنانين بعد تصريحاتها في مقابلة مع محمد قيس. قال سليمان، إنه كان يتمنى لو أدركت سلاف فداحة الجرائم المرتكبة في سوريا، وأنه لو استُجيب للحل السياسي باكرًا، لكان بالإمكان إنقاذ مئات الآلاف من الضحايا والمنازل والمدارس والمستشفيات.
لكنه أيضًا رفض فصلها من النقابة، رغم اختلافه التام معها، وقال: "يجب أن يكون لدينا بلد، يستطيع فيه أيّ شخص أن يقول رأيه بحرية، ويبقى فيه".