عندما تُذكر الطائرات المسيّرة، يتبادر على الذهن تلك الأسلحة الفتاكة التي استخدمت مؤخرا في حروب بمناطق مختلفة من العالم، حيث قصفت هذه الطائرات من دون طيار مواقع وأهداف متنوعة للخصوم بمتفجرات مدمّرة، بالإضافة إلى استخداماتها في المراقبة والاستطلاع والتجسس.
تسهيل المهام
مع ذلك ظهرت استخدامات سلمية مفيدة للمسيّرات، أحدثها معاونة هواة تسلق جبل إيفرست وتسهيل نقل المؤن في مراحل التسلق بما يخفف الأعباء على المرشدين المحليين، إلى جانب المساعدة في عمليات جمع النفايات كل ذلك بسرعة ومن دون جلبة أو ضوضاء.وفي ارتفاعات عالية فوق جبال الهيمالايا حيث يصبح التنفس صعبا وتزداد المخاطر، بدأت طائرة مسيرة تزن بالكاد مثل ثور التبت الرضيع، ولكنها هنا مزودة بمراوح وليس حوافر، في تغيير طريقة تسلق جبل إيفرست الشهير.
وهذه المسيّرة طورتها شركة (دي.جي.آي) الصناعية الصينية، ويتم تشغيلها من جانب شركة إيرليفت تكنولوجي ومقرها العاصمة النيبالية كاتماندو، وقامت طائرة الشحن المسيّرة المسماة "فلاي كارت 30"، بنقل الإمدادات من قاعدة معسكر التسلق إلى معسكر المرحلة الأولى من رحلة التسلق في الموسم الحالي، وبذلك دعمت جهود المرشدين المحليين المعروفين باسم الشيربا، وقلصت عدد الرحلات عبر شلال خمبو الجليدي القاتل، الذي يعد منذ فترة طويلة واحدا من أكثر القطاعات خطورة على أعلى قمة في العالم.

ويوضح راج بيكرام ماهارجان مدير شركة إيرليفت تكنولوجي التي تشغل طائرتين من دون طيار، أنه تم استخدام المسيرات في "نقل السلالم والخيام والحبال وأسطوانات الأوكسجين، وهو عمل استغرق 7 دقائق، وكان يمكن أن يستغرق 7 ساعات في حال تنفيذه من جانب الشيربا، ما يعني أن العمل أصبح أكثر سهولة إلى حد كبير".
ويقول "أثبتت المسيرات أنها مفيدة لدرجة أن العمال على الأرض، أصبح بإمكانهم حتى تناول الوجبات الساخنة في المرحلة الأولى من رحلة التسلق، وهي عملية لم يكن من الممكن تخيلها في ظل الظروف العادية".
كما أن هواة التسلق يحبونها أيضا، ويقولون إنها أقل ضجيجا من الطائرات المروحية التي تستخدم من آن لآخر في المنطقة، وفي هذا الصدد يقول المتسلق الألماني جوست كوبوش "إننا نشعر كما لو كنا سائرين على طريق سريع عندما تصعد المروحيات وتهبط".
أداء متناقض
وتم إدخال المسيرات عام 2024 من خلال شراكة مع بلدية منطقة خمبو باسانج لامو الريفية وشركة (دي.جي.آي)، وكان الهدف من استخدامها في البداية إدارة المخلفات.
وفي شهر نوفمبر الماضي نقلت المسيرات 700 كيلوغرام من القمامة، من منطقة آما دابلام المجاورة التي تقع على ارتفاع 6812 مترا.
ويمكن للطائرة المسيرة أن تحمل ما يصل إلى 40 كيلوغراما من المنقولات، خلال فترة 9 دقائق في حالة تشغيل بطارية واحدة، أو 30 كيلوغراما خلال 18 دقيقة باستخدام بطاريتين.
ومع ذلك يتناقص الأداء بدرجة كبيرة في الارتفاعات العالية، ويقول المشغلون إنه في حالة الحمولة الكاملة يبلغ الارتفاع الآمن حوالي 3000 متر كحد أقصى، ويقع معسكر القاعدة لجبل إيفرست على ارتفاع 5300 متر.

ومع ذلك فإن تأثير التكنولوجيا يتزايد، وفي موسم التسلق لعام 2024 حملت المسيرات أسطوانات الأوكسجين للمخيم الأول، وأعادت مئات الكيلوغرامات من المخلفات.
ويقول ماهارجان وهو مهندس طيران حاصل على شهادة في هذا المجال، "الآن يمكننا إعداد خريطة ثلاثية الأبعاد واكتشاف أماكن الأخاديد ومدى عمقها، وهذا يجعل العمل أكثر سرعة وسهولة".
ويعد تثبيت الحبال ونقل الأحمال عبر شلال خمبو الجليدي مهمة شاقة ومتكررة، تتطلب غالبا من المتسلقين الشيربا القيام برحلات متعددة خطرة، عبر ما يعد أكثر القطاعات خطورة في الطريق الجنوبي بجبل إيفرست.
وحدثت 227 حالة وفاة خلال الفترة من عام 1953 إلى 2024، في الجانب الجنوبي من جبل إيفرست في نيبال، ووقع قرابة ثلث عدد الوفيات عند شلال الجليد وحوله، وشملت غالبية هذه الحوادث أفراد الشيربا المحليين.
الشيربا سعداء بالتطور
وبينما أعرب البعض عن قلقهم إزاء احتمال تأثير استخدام المسيرات على توظيف أفراد الشيربا، قال ماهارجان الذي يشغل أيضا منصب رئيس رابطة المسيرات بنيبال، إن رد المرشدين المحليين اتسم بالإيجابية إلى حد كبير.
وأضاف "قبل بدء استخدام المسيرات كنا نشعر بشيء من القلق، ولكنا علمنا أن الشيربا سعداء للغاية بهذا التطور، فبسبب الطبيعة الخطرة التي تحيط بمرافقة المتسلقين، لم يعد كثير منهم يريد العمل في منطقة شلال خمبو، وهم سعداء بالتخلي عن هذا العمل لتقوم به المسيرات".
وعلى مدى أكثر من قرن اعتمد هواة تسلق جبل إيفرست الذي يبلغ ارتفاعه 8849 مترا، على وسائل تقليدية لنقل الأحمال والمؤن من بينها العمل الحيواني والبشري، عبر تضاريس جبال الهيمالايا الوعرة.

وفي الحزام السفلي المعزول عن الطرق يتم نقل معظم الأحمال باستخدام الحمير والحمالين، ومع تزايد الارتفاعات يتم استخدام ثيران التبت وحيوان آخر هجين بين الثور الجبلي والبقر في نقل الأحمال حتى مخيم القاعدة.
وفي المنطقة التي تعلو مخيم القاعدة، يقوم الحمالون أساسا بنقل الأحمال التي تحتاجها عملية التسلق.
كما رحب منظمو الرحلات الاستكشافية بتقنية الطائرات المسيرة، قائلين إنها تنقذ حياة المتسلقين والمرشدين.
ويقول لوكاس فورتنباش صاحب شركة فورتنباش للمغامرات، التي تنظم الرحلات الاستكشافية في الجانب الشمالي من التبت، حيث تم استخدام الطائرات المسيرة في الرحلات منذ سنوات، إن "المسيرات لا تأخذ وظائف الشيربا، ونحن ندفع للشيربا الذين يعملون معنا نفس الراتب حتى لو استخدمنا الطائرات بشكل إضافي، فالمسيرات تجعل وظيفة الشيربا أكثر أمانا".
كلفة مرتفعة
ومع ذلك فإن التكلفة المرتفعة لاستخدام الطائرات المسيرة، تعوق انتشارها في رحلات التسلق التي تنظمها وكالات صغيرة، حيث تتكلف كل طائرة حوالي 50 ألف دولار.
وخلال موسم العام الحالي تم استخدام طائرتين فقط للنقل، ولكن شركات أخرى ومجموعات من الأفراد استخدموا المسيرات أيضا في أغراض التصوير والأبحاث وإجراء الدراسات.

ومع تزايد الطلب على رحلات التسلق التي تكون أكثر أمانا ونظافة، ومع استعداد الزبائن لدفع مبالغ تتراوح بين 35 ألفا إلى 100 ألف دولار للقيام برحلة لمحاولة تسلق قمة جبل إيفرست، فمن المحتمل أن تتوسع استخدامات الطائرات المسيرة.
ويقول ماهارجان "أتوقع مستقبلا مزدهرا للطائرات المسيرة في جبل إيفرست وباقي أنحاء الهيمالايا، فهي يمكنها أن تجعل رحلات التسلق أكثر أمانا ونظافة.