hamburger
userProfile
scrollTop

رأس السنة الأمازيغية احتفاليات بالأرض وبالعراقة التاريخية

الاحتفال برأس السنة الأمازيغية هو عبارة عن عيد بيئي أرضي بامتياز (إكس)
الاحتفال برأس السنة الأمازيغية هو عبارة عن عيد بيئي أرضي بامتياز (إكس)
verticalLine
fontSize

يحتفل أمازيغ شمال إفريقيا من واحة "سيوا" بمصر إلى المغرب وجزر "كاناريا" غربا في المحيط الأطلسي، ومنذ أيام برأس السنة الأمازيغية 2975، وهي احتفاليات تمتد لأيام عدة ما بين 11 و14 من يناير من كل سنة، ويطلق على هذه المناسبة تسميات تختلف حسب المناطق، "إض إناير" أو "ئناير"، أو "تاكورت ن ؤسكاس"، أو غيرها من التسميات التي تعني كلها الاحتفال بالأرض وبخيراتها، حيث تتميز هذه المناسبة بكونها مرتبطة بتقويم فلاحي عريق، يعكس ارتباط الإنسان الأمازيغي بالحياة الفلاحية وإيقاع فصول الطبيعة، ولهذا نجده يحتفل أيضا بأعياد في مختلف فصول السنة بطقوس احتفالية مرتبطة كلها بتلك الفصول: ففي فصل الشتاء "تاكَرست"، فترة البرد حيث ندرة المحاصيل الزراعية، يقوم الأمازيغ بطقوس "ئنّاير" في رأس السنة، وهي طقوس تدبير القلة في الموارد الطبيعية، والتضامن والتكافل الاجتماعي. بينما في فصل الربيع "تافسوت" أو "تالدرار"، حيث يبدأ وجه الأرض في الاخضرار، يقوم السكان بطقوس الخصوبة. أما في فصل الصيف "أنبدو"، فترة الحر والجفاف، فيقومون بطقوس الماء "لعنصرا" وبطقوس النار "تابنايّوت". وفي فصل الخريف "أموان"، حيث تكون الحاجة من جديد إلى المطر، يقومون بطقوس الاستمطار "تاسليت ن ؤنزار" أو "تّاغنجا".

طقوس أمازيغية متنوعة

إنها طقوس متنوعة لكنها موحدة على مستوى ما توحي إليه رمزيا وقيميا، كما أنها تذكرنا بكون المغرب وبلدان شمال إفريقيا غنية بتنوعها الطبيعي، البشري والثقافي.

فالاحتفال برأس السنة الأمازيغية هو عبارة عن عيد بيئي أرضي بامتياز، ولا يرتبط - عكس التقويم الميلادي والهجري - بدين أو عقيدة معينة،

وأهم ما يتميز به "إض ئناير" هو القيام بإعداد الأطباق والأكلات التقليدية التي تتكون عادة من مختلف الخيرات التي تنبتها الأرض من خضار وحبوب وفواكه، والتي تطبخ كلها دفعة واحدة، أملا في سنة فلاحية جيدة، حيث يعتبر الفلاح الأمازيغي أن في هذه الفترة من السنة تتنفس الأرض وتستعد لإخصاب جديد، ومن هذه الأكلات والأطباق التقليدية أكلة "أوركيمن" و "تاكلا" و"إنبوبرن" و"سكسو" بالخضر الكثيرة والمتنوعة، إضافة إلى الفواكه الجافة المختلفة، مع العسل والزيوت وخاصة زيت "أركان Argan" المميز الذي لا تنبت شجرته إلا في المغرب.

وإلى جانب فنون الموائد والأطباق التقليدية يمارس الأمازيغ طقوس الرقص الجماعي "أحواش" أو "أحيدوس" أو "إضبالن" وغيرها من فنون الرقص التي تتنوع بشكل مدهش من منطقة إلى أخرى، وترتدي النساء في هذه المناسبة لباسهن التقليدي "أحايك" أو "أفاكو" أو غيرهما مع الحلي الفضية "تازرا" و"أحلاب" و "إبزكان" و"الطوانك" و"الفتول" وغيرها من الحلي الجذابة مع الألوان الزاهية، وينشد الأطفال أناشيدهم الخاصة بهذه المناسبة.

وفي المغرب كان الاحتفال شعبيا يتم داخل القرى بشكل جماعي، حيث تجتمع النساء كلهن في "أسايس" وسط القرية ويشرعن في إعداد الأكلات التقليدية لكل سكان القرية، أما في الحواضر والمدن فيتم الاحتفال داخل البيوت وسط العائلات والأسر.

غير أن شكل الاحتفال تغير بالتدريج مع الهجرة الكثيفة من البوادي في اتجاه المدن، بعد تراجع نمط العيش المرتبط بالزراعة المعاشية، حيث أصبحت الجمعيات المدنية الأمازيغية هي التي تنظم احتفالات كبرى، بتعاون مع الجماعات المنتخبة، وتبلور خلال هذا التحول التدريجي مطلب اعتراف الدولة رسميا بهذه المناسبة عيدا وطنيا ويوم عطلة، وهو ما تحقق في المغرب والجزائر في السنوات الأخيرة. لتتخذ الاحتفالات منحى أكثر بروزا وشيوعا بانخراط المدارس والمؤسسات في احتفاليات رأس السنة الأمازيغية الذي يصادف في المغرب يوم 13 يناير باعتباره آخر يوم في السنة الفلاحية.

رمزيتان للسنة الأمازيغية

أما التقويم الفلاحي الأمازيغي فقد توافق الأمازيغ وتواضعوا على أن ينطلق العد من إحدى أقدم وقائع التاريخ القديم التي تشير إلى أمجادهم، حيث اختاروا حدثا تاريخيا هو اعتلاء الملك الأمازيغي "شيشنق" عرش مصر الفرعونية في سنة 950 قبل الميلاد، وهو الملك الذي اشتهر عصره بازدهار كبير وبوفرة المعادن النفيسة.

وهكذا يقترن رأس السنة الأمازيغية برمزيتين قويتين هما: الارتباط بالأرض، التي يعتبرها الأمازيغ مصدر هويتهم، والعراقة التاريخية التي تسمح بالإطلالة على قرون طويلة من الحضارة التي ساهمت في حضارات حوض البحر الأبيض المتوسط.

وإلى جانب هاتين الرمزيتين نجد قيم الحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية متأصلة في هذه الاحتفالات، إلى جانب قيمة التجديد والتغيير، حيث من العادات المتبعة في بعض المناطق التخلص من الأواني والملابس القديمة والإتيان بأخرى جديدة، مما يرمز لتجديد نفس الحياة مع دورة الطبيعة والفصول المتجددة.

وفي الجانب الأسطوري الميثولوجي نجد الكثير من المعتقدات الشعبية مرتبطة بطقوس الاحتفال، ومنها الاعتقاد بأن من لم يحضر في ليلة رأس السنة مع عائلته سيظل طوال السنة بعيدا عنها، ومن المعتقدات الدالة كذلك، قيام النساء بوضع الطعام في نواحي القرية في الخلاء، لإشراك الكائنات الحيوانية البرية وأيضا الأرواح "غير المرئية" في التمتع بخيرات الأرض.

وقد اتخذ الاحتفال بهذه المناسبة طابعا دوليا من خلال احتفال أمازيغ العالم بهذه المناسبة، حيث تشهد باريس والعواصم الأوروبية لقاءات حاشدة، وكذلك كندا والولايات المتحدة.

ويمكن القول إن من أهم الرسائل التي يبعث بها رأس السنة الأمازيغية للإنسانية، رسالة البيئة والحفاظ على الموارد، وتقوية علاقة الإنسان بالأرض واحترام نظامها وإيقاعها الخالد، في زمن صارت فيه البشرية مهددة في وجودها بسبب التغيرات المناخية التي تسبب فيها سوء تدبير الإنسان.