نطرح في هذا المقال واحدة من أعمق المفارقات في مجتمعات شمال إفريقيا والشرق الأوسط: وجود حداثة تقنية متطورة بشكل متسارع، في مقابل تخلف الوعي المواطن وضعف عملية التحديث الذهني والثقافي، مما جعل الحداثة على العموم في هذه البلدان مظهرًا سطحيًا لحياة عصرية بروح من زمن آخر. ويمكن تفسير هذا الشرخ بعوامل عدة متداخلة ومترابطة فيما بينها:
نموذج المغرب
إذا أخذنا المغرب أنموذجًا لهذه المفارقة، فسوف نجد أنه في تاريخه عرف بدء عملية التحديث خلال المرحلة الاستعمارية، مما جعلها عملية مفروضة بشكل قسري من طرف سلطة خارجية، بعد أن فشلت كل محاولات التحديث من الداخل، والتي حاولها سلاطين مغاربة منذ منتصف القرن التاسع عشر، ما يفسر أن هذه الحداثة القسرية التي تمت في عهد الاستعمار بموافقة سلاطين المغرب الذين عاشوا في ظل "نظام الحماية"، القائم على وثيقة موقعة بين المغرب وفرنسا، بغرض "تهدئة" المناطق الثائرة ووضع أسس التحديث المؤسساتي والتقني، الذي تركز في البداية على البنيات التحتية كالشبكات الطرقية والسكك الحديدية والتلغراف والهاتف والبنوك والمحاكم الوضعية.
وأدى هذا إلى جعل مسلسل التحديث الذي استمر 45 سنة تحت الوصاية الفرنسية، موضوع مقاومة من طرف فئات من المجتمع وبعض النخب التقليدية، باعتباره نمطًا أجنبيًا في التدبير والتنظيم، كما أنه حمل في طياته قيمًا مخالفة لما تعوّد عليه المجتمع المغربي التقليدي، وذلك مثل أشكال اللباس والتعليم والعادات اليومية.
وإذا كانت النخب الحليفة لفرنسا قد تقبلت التطور التقني، إلّا أنها وجدت صعوبة كبيرة في إقناع المجتمع بالتطور الرمزي والمعنوي، كما هو الشأن في تعليم الفتيات أو إلغاء أسواق الرقيق التي كانت منتشرة في كل مناطق المغرب كبقية بلدان المنطقة، ويمكن على سبيل المثال التذكير في هذا المقام بالتضحيات الكبيرة التي بذلها محمد بلحسن الحجوي من أجل إدخال الفتاة المغربية إلى المدرسة، حيث لقي مقاومة شرسة من قوى التقليد آنذاك.
مسلسل التحديث
ولعل ما يفسر سهولة التحديث التقني وصعوبة التحديث الفكري والثقافي أن التحولات الذهنية ترتبط أساسًا بالتربية والتأطير، وبتنمية الفكر النقدي وإيجاد مناخ الحوار الثقافي المنفتح حيث تتقابل الأفكار وتتصارع، مع مسار طويل من التجارب.
ونتيجة هذا الشرخ بين الجانبين المادي والرمزي والذي توسع بعد الاستقلال بعودة التقليد بقوة مع حركات الإسلام السياسي، هو استمرار مفارقة وجود أدوات حديثة يستخدمها عقل تقليدي لم يمر بمسار تاريخي عرف مراجعات كبرى من داخل المنظومة الفكرية التقليدية نفسها.
وقد ضاعف من صعوبات الخروج من هذا الشرخ وجود نظام سياسي ركز على التحديث المادي أكثر من التحديث القيمي، بسبب تردده إزاء المطالب الديمقراطية التي حملتها قوى المعارضة، مما جعل سياسة الحذر من التحولات القيمية تستمر لعقود طويلة، وهذا ما يفسر الصراع الذي ظل محتدمًا حول حرية الفكر والتعبير وحرية الصحافة والحريات الفردية والجماعية، والمساواة، واستقلال الجامعة، وتعليم الفلسفة، والتربية الدينية، وفصل السلطات واستقلال القضاء إلخ..
وأدى هذا كله إلى بناء تعليم قوي نسبيًا في التكوين التقني والمهارات التطبيقية، لكنه ظل ضعيفًا في الإبداع والابتكار والتفكير العلمي والمنطقي والعلوم الإنسانية، وهو ما أنتج ظاهرة "الدكاترة المشايخ"، الذين تلقوا شواهد علمية عليا في تكوين تقني، لكنهم ظلوا يفكرون بمنظومة قيمية عتيقة وأساليب تحليل متوارثة.
ويظهر هذا ثقل التاريخ والذاكرة الجمعية التي تمتد لقرون، في مقابل التقنيات المستوردة التي لا جذور فكرية لها في الواقع المعيشي.
ومن ضمن ما أدى إليه هذا الوضع غير المتكافئ صراع المرجعيات الذي لم يتم تجاوزه حتى الآن، حيث يمزج الناس في حياتهم بين قيم حديثة كالمواطنة والحرية الفردية والمساواة، لكنهم يفكرون فيها من خلال القيم التقليدية كـ"الجماعة" و"الطاعة" و"الاتباع"، مما صنع نوعًا من الفصام على المستوى النفسي والسلوكي، وهويةً تعيش ارتباكًا وتوترًا دائمًا وغير منتج.