من يتابع الأحداث في محافظة إدلب، يعتقد أنّ المحافظة دولة مستقلة عن سوريا، وأنّ "هيئة تحرير الشام" التي استولت عليها مع فصائل مسلحة أخرى في 28/03/2015، أصبحت أمرًا واقعًا.
المشكلة التي تعانيها سوريا في تلك المنطقة، هو تغاضي المجتمع الدوليّ بالتعاون مع تركيا، عن منظمة إرهابية مصنفة على قوائم الإرهاب العالمي، حتى أنّ تركيا سمحت عمدًا لجبهة النصرة "هيئة تحرير الشام"، بتشكيل "حكومة الإنقاذ"، على الرغم من أنّ "النصرة" مصنفة منظمة إرهابية في تركيا.
لماذا لم يتم القضاء على الجولاني؟
لكنّ السؤال المهم اليوم: ما الذي يميز دويلة "جبهة النصرة" عما كان يُسمى "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، ألم يخرج الجولاني والبغدادي من رحم تنظيم القاعدة، حتى أنّ البغدادي هو من كلّف الجولاني بقيادة التنظيم في سوريا في أغسطس 2011، وقامت "النصرة" بالإعلان عن نفسها رسميًا في سوريا بتاريخ 23 يناير عام 2012، ومن ثم لتعلن انفصالها التام عن "داعش" في إبريل 2013، وتجدد بيعتها لزعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، وتدخل في صراع دمويّ مع البغدادي.
والسؤال الأهم، إذا كانت دويلة البغدادي قد أُبيدت بفعل تحالف دولي، لماذا لم يتم القضاء على دويلة الجولاني بالطريقة نفسها التي قُضي فيها على البغدادي؟ ولماذا كل هذا الانتظار؟! وهل من الحكمة ترك "النصرة" تشكل حكومة باسم "حكومة الانقاذ"، وكأنها كيان قائم بذاته، علمًا أنّ ثمة مناطق سوريّة أخرى تحت الوجود التركي، تُدار بحكومة أخرى هي "الحكومة الموقتة"!
المشكلة تكمن في أنّ الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، وبتواطؤ من تركيا، تتغاضى عن نمو تنظيم القاعدة في المنطقة، حتى أنّ مجلة "فورين بوليسي" قالت في عددها الصادر في 17 فبراير 2022، إنّ محافظة إدلب في شمال غرب سوريا، أصبحت "العاصمة الجديدة للإرهاب العالمي"، مع اختباء قادة تنظيمَي "داعش" و"القاعدة" فيها.
وتقول المجلة: إنّ إدلب أصبحت "المخبأ المفضل لبقايا الجماعات الجهادية السورية بجميع أنواعها"، ويبدو أنها حلت محل باكستان، التي لجأ إليها زعيم "القاعدة" السابق أسامة بن لادن، بينما عاش وقُتل في إدلب زعيما تنظيم "داعش" أبو إبراهيم القرشي، وقبله أبو بكر البغدادي، لكنّ المفارقة أنّ من ادّعى محاربة "داعش"، هو من يغضّ الطرف عن "النصرة"، وهنا نذكّر بما قاله المبعوث الأميركيّ السابق إلى سوريا جيمس جيفري، من أنّ "هيئة تحرير الشام" ليست إلا أداةً للضغط على الحكومة السورية، وثمة إمكانية ً لفتح قنوات خلفية معها.
مسرحية تركية في إدلب
وبالعودة إلى الوضع الحالي في إدلب، فالبعض يرى أنّ الاحتجاجات المتواصلة منذ 27 فبراير الماضي، والتي شملت مدينة إدلب وبلدات الريف التابعة لها، مطالبةً بتنحي زعيم الهيئة "أبو محمد الجولاني" وانتخاب مجلس شورى، ليست إلا مسرحية تركية، هدفها حل هيئة تحرير الشام وضم عناصرها إلى ما يُسمى "الجيش الوطني"، الذي يخضع كلّيًا للحكومة التركية!
في حين يرى بعضهم أنّ ما يجري في إدلب، ليس إلا صراعًا فصائليًا بحتًا بين "تحرير الشام" وحركات مسلحة وعلى رأسها "أحرار الشام" وفصائل أخرى، الذين عملوا على تحريك التظاهرات ضد الجولاني في مناطق عدة، مستغلين ما تقوم به إمارة الجولاني من تجاهل الحالات التي وصلت إليها المخيمات من فقر وبؤس.
كما أنّ الهيئة قامت بسحق ما استطاعت من الفصائل الأخرى، إضافة إلى أنّ سجون الهيئة مليئة بالمساجين الذين ليسوا إلّا من أبناء المنطقة، وكما هو معروف فإنّ "أحرار الشام" ترى أنّ لها ثأرًا عند الجولاني، حيث انتزع منها أهم مصدر مالي، والمتمثل بمعبر باب الهوى.
ولكن بعض المراقبين يُعيد ما يحصل في إدلب إلى صراع داخليّ بين الجولاني ومعاونيه، حيث اكتشف الجولاني أنّ أحد أكبر مساعديه أبو ماريا القحطاني قبيل اعتقاله، أجرى اجتماعات عدة مع ضباط أميركان من حلف الناتو في قاعدة (انجرليك) الجوية جنوب تركيا، ما جعل الجولاني يشعر بوجود مؤامرة دولية لاستبداله، فكان الاعتقال والقتل من نصيب القحطاني، وما تسبب ذلك من استغلال "الأحرار" لهذا الوضع، وتأجيج الشارع الذي يتحكمون به، ما ثبّت اعتقادًا لدى الجولاني، أنّ الأتراك لم يعودوا بحاجة إليه لمواجهة الدولة السورية وحلفائها الروس والإيرانيّين، وهو يعتقد أنّ الأتراك ذاهبون للتفاهم مع الحكومة السورية، والتضحيه به عاجلًا أم آجلًا.
الخلاصة تقول: إنّ الجميع تحت المظلة التركية، وإنّ ما يجري في إدلب، ليس إلا طبخة تركية بامتياز، هدفها الأول والأخير تثبيت وجودها في المنطقة.