رحِم الله الصحافي جورج نقاش صاحب شعار " نفيان لا يصنعان وطنًا"
Deux négations ne font pas une nation
كتب ذلك في صحيفة l’Orient، وكان ذلك في 10 مارس 1949، بعد 74 عامًا على هذه الكتابة الرؤيوية، يبدو أن البلد انتقل من "نفي صنعِ وطن" إلى "استحالة صنع وطن"، من خلال "إستحالتين لا تصنعان رئيسًا".
كيف ذلك؟ هناك ثنائيتان لا تلتقيان، وإذا التقيا فلا حول ولا قوة إلا بالله.
الثنائية الشيعية، حزب الله وحركة أمل، وحلفاؤها، لا تتنازل عن ترشيح رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، وتعلن بالفم الملآن أن لا "خطة باء" لديها سوى الاستمرار في ترشيح فرنجية.
"الثنائية المسيحية" القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر، وحلفاؤها، لا تتنازل عن ترشيح الوزير السابق جهاد أزعور، ولا "خطة باء" لديها، سوى الاستمرار في ترشيح أزعور.
في هذه الحال، لبنان أمام استحالتين في صنع رئيس: بات شبه مستحيل انتخاب سليمان فرنجيه أو جهاد ازعور، والخيار الثالث غير متاح في الوقت الراهن .
في هذه الحال، كيف الخروج من المأزق؟
بدأت السيناريوهات، أحدها ما كشفه نائب رئيس مجلس النواب الياس بو صعب، من أنه اقترح على رئيس مجلس النواب نبيه بري أن "نُجري انتخابات نيابية مبكرة في حال عجزنا عن إنجاز الاستحقاق الرئاسي".
هذه أيضًا استحالة، فالنائب بو صعب هو نفسه من تقدم باقتراح قانون للتمديد للمجالس البلدية والاختيارية، لأن لا تمويل لاجرائها، ولأن الحكومة غير جاهزة لاجرائها! فكيف يقترح انتخابات نيابية مبكرة فيما هو " أب" التمديد للبلديات والمختارين لسنة؟
هذا سيناريو أول سقط، هل من سيناريو ثانٍ؟
الحديث عن تهيئة الظروف لانتخاب قائد الجيش العماد جوزيف عون، هذا الاقتراح دونه عقبات وألغام، من دون أن يعني ذلك أنه يدخل في خانة "الاستحالات": يحتاج انتخاب العماد جوزيف عون إلى تعديل الدستور في جلسةٍ يجب أن يكون نصابها 86 نائبًا، فهل يتوافر هذا العدد؟
يحتاج الأمر إلى موافقة الكتل الكبرى أي: كتلتا الثنائي الشيعي، وكتلة القوات اللبنانية، وكتلة اللقاء الديموقراطي، أي كتلة تيمور جنبلاط وكتلة الكتائب وكتلة تجدد أي كتلة النائب ميشال معوض، والكتلة المستحدثة لفيصل كرامي وكتلة الإعتدال، وكتلة نواب صيدا وكتلة التغييريين، ما عدا كتلة التيار الوطني الحر بالتأكيد، حيث أعلن رئيس التيار جبران باسيل رفضه القاطع لوصول العماد جوزيف عون إلى قصر بعبدا.
وصول قائد الجيش إلى رئاسة الجمهورية، لا يدخل من ضمن السباق العادي، بل هو ظرفٌ إما أن يتوافر وينضج وإما لا يتحقق. بعد الطائف وصل 3 قادة جيش إلى رئاسة الجمهورية، العماد إميل لحود والعماد ميشال سليمان والعماد ميشال عون، فيما وصل مدنيان: الرئيس رينيه معوض الذي حكَم 18 يومًا، وخلفه "المدني الثاني والأخير" الياس الهراوي، وحين يكون ممكنًا انتخاب 3 رؤساء عسكريين في مقابل مدنيين، أولهما لم يحكم، يصبح بالإمكان إسقاط الاستحالة من أمام جوزيف عون، لكن هذا الخيار ليس داخليًا على الإطلاق بل يبدأ من واشنطن ويمر في باريس وصولًا إلى الرياض وطهران، فهل القمة الفرنسية – السعودية فيها بند الرئاسة في لبنان؟
وهناك سيناريو "المؤتمر التأسيسي" لكنه استحالة في حدِّ ذاته لأنه نسفٌ لاتفاق الطائف الذي يتمسك به الجميع.
في هذه الحال، البلد أمام استحالات لا تصنع رئيساً، الممكن الوحيد المتاح هو الشغور الرئاسي، وهو الشغور الثالث منذ الطائف: الشغور الأول دام 7 أشهر، بعد انتهاء ولاية الرئيس إميل لحود في أكتوبر 2007، وانتخاب الرئيس ميشال سليمان في مايو 2008، والشغور الثاني، وهو الأطول ودام سنتين ونصف السنة، من مايو 2014 إلى أكتوبر 2016، والذي انتهى بانتخاب العماد ميشال عون رئيسًا، والشغور الثالث اليوم الذي بلغ 7 أشهر ونصف الشهر، وبدأ من نوفمبر 2022، وما زال مستمرًا.
إذا احتسبنا "مُدَد" الشغور لجاءت النتيجة: 3 سنوات ونصف سنة ، أي أكثر من نصف عهد الذي هو 6 سنوات.
في هذه الحال، "فخامة الفراغ" يتقدَّم على "فخامة الرئيس الجديد " حتى إشعار آخر.