تم إقرار رأس السنة الأمازيغية عيدا وطنيا ويوم عطلة مؤدى عنه في المغرب بالأمس الأربعاء 3 مايو من طرف العاهل المغربي محمد السادس، ويُعد هذا القرار تتويجا واستكمالا لمسلسل مأسسة الأمازيغية الذي انطلق منذ أكتوبر 2001، وراكم مكتسبات قانونية مهمة رغم ضعف التفعيل وبطئ الإنجاز.
ويُعدّ مطلب إقرار رأس السنة الأمازيغية واحدا من أهم المطالب الحقوقية للحركة الأمازيغية في مختلف البلدان المغاربية، وكانت الجزائر سباقة في تحقيق هذا المكسب سنة 2018، حيث ثبتت يوم 12 يناير يوم رأس السنة الأمازيغية عيدا وطنيا ويوم عطلة، وقد أدى ذلك القرار إلى تصعيد هذا المطلب بالبلدان المغاربية المجاورة، حيث اعتبرته الحركة الأمازيغية والقوى الحقوقية المغربية المطلب الأكثر دلالة على الهوية والعمق التاريخي للمغرب، لأنه يحيل على هوية الانتماء إلى الأرض وما عليها من خيرات مادية ورمزية.
قرار تاريخي
ومن المنتظر بعد هذه الخطوة الملكية الكبرى أن تعمل الحكومة على إعداد مراسيم التطبيق وبرنامج العمل وأن تحدد كذلك اليوم بالضبط الذي سيكون يوم عطلة، هل هو يوم 12 يناير أو يوم رأس السنة أي يوم 13 يناير، أو يوم 14 يناير الذي يوافق فاتح السنة الأمازيغية الفلاحية الجديدة.
ومن المؤكد أن هذا القرار التاريخي الحكيم سيكون له ما بعده، خصوصا فيما يتعلق بوعي المغاربة بانتمائهم لتاريخ عريق يعود إلى آلاف السنين، وبالأوراش الكبرى التي ما زالت تنتظر الإنجاز مثل تعميم تعليم اللغة الأمازيغية في المدارس وإدراجها في وسائل الإعلام والإدارة والمحاكم والمستشفيات وكل مرافق الدولة.
ويعتبر هذا الاعتراف ثمرة جهود أجيال من المناضلين المدنيين والسياسيين الذين منهم من رحل ومنهم ما زال فاعلا في الميدان، ومن المؤكد أنه قرار سيحقق الشعور الهوياتي الوطني المتوازن الذي كان مفتقدا بسبب هيمنة الإيديولوجيات الإقصائية مثل القومية العربية والإسلام السياسي، والتي تعد بالنسبة للمغرب إيديولوجيتين مستوردتين من خارج الإطار الوطني.
ولعل قرار الملك محمد السادس بجعل هذه المناسبة العريقة عيدا وطنيا رسميا معترفا به، هو قرار منتظر منذ مدة، حيث مهدت له احتفاليات الشعب المغربي في كل مناطق المغرب، والتي كانت تحتفي بخيرات الأرض وبالمزروعات المختلفة من خلال طبخ جميع تلك الغلل دفعة واحدة في أطباق شعبية منوعة تطلق عليها أسماء مختلفة من منطقة إلى أخرى، كما كانت مختلف فئات الشعب المغربي تحتفي من خلال هذه المناسبة بالتاريخ العريق للبلد عبر تذكر التقويم الأمازيغي الذي يعود منطلقه إلى سنة 950 قبل الميلاد.
هوية الأرض
ومن المنتظر بعد هذا القرار أن تستكمل الدولة مشروع إعادة قراءة تاريخ المغرب الذي هو ورش مهم جدا نظرا لاستحالة إنصاف مكونات الهوية الوطنية من دون قراءة علمية موضوعية للتاريخ، تهدف إلى ترسيخ الشعور الوطني بالانتماء إلى المغرب لدى جميع الفئات المكونة للشعب المغربي، وتتضمن إعادة القراءة هذه رد الاعتبار لمختلف الرموز والشخصيات والوقائع التاريخية وأسماء الأماكن التي تم تغييبها في السابق لأسباب محض إيديولوجية، مما سيعطي للطابع الرسمي للأمازيغية دلالته الحقيقية في كل المجالات ويجعل الأمازيغية ذات دور أكثر مردودية في برامج التنمية الوطنية، ويبني المواطن الواعي بانتمائه للمغرب المتعدد والغني بمكوناته وروافده الغنية.
إن إعلان الديوان الملكي عن ترسيم رأس السنة الأمازيغية عيدا وطنيا قرار تاريخي بكل المعايير، يجعل المغرب يعود مرة أخرى إلى ذاته وينطلق من أرضه ليحدد هويته في التاريخ كتميز حضاري وإنساني خلاق ومتفاعل مع العالم. وإن إقرار رأس السنة الأمازيغية هو بمثابة احتفاء بهوية الأرض والجغرافيا وبالعراقة التاريخية الضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، وينبغي أن يتلو هذا القرار لدى النخب السياسية والمدنية اعتماد معجم سياسي جديد ينطلق من المغرب بوصفه كيانا مستقلا ذا سيادة، وبلدا إفريقيا غير تابع لأي مركز خارج ذاته، ومتوجه بكل قواه نحو المستقبل من دون انعزال أو تقوقع، معتمدا على عبقريته وخصوصيته التي تشكلت عبر الحقب والأزمنة، مما سيعطي دلالة عميقة للبرامج التنموية الوطنية ويؤسس لوعي وطني جديد ومتوازن.
للمزيد