غير بعيد عن توقعات سابقة بانتخابات رئاسبة تونسية، سيكون فيها مسار 25 يوليو كلمة العبور إلى المستقبل، شكل انتصار الرئيس قيس سعيّد بما يفوق 90% من أصوات المقترعين، تأكيدًا جديدًا على حقيقة طالما حاولت أن تنكرها تعبيرات المنظومة السياسية الٱفلة، وهي أنّ التونسيّين صمموا على عدم الالتفات إلى الوراء.
وإذ لا فائدة الآن من المكابرة على ميزان القوة الشعبيّ الذي رجّح كفة الجديد على القديم، فإنّ عديد التصريحات أظهرت عن اعتراف المتنافسين أنفسهم بصدق ما أفصح به صندوق الاقتراع، وبقصور ما تبقى من تعبيرات عشرية الظلام، عن بلوغ الحد الأدنى من مسوّغات الوجود السياسيّ الفاعل. قال الشعب كلمته، بل أمضى بالأغلبية المريحة على المرور إلى الطور الثاني من المسار.
بالانتقال من الوضع الاستثنائيّ إلى الوضع المستقر، لا بد من الانتقال من وضع تفكيك المنظومة السابقة، إلى وضع بناء أسس الاستمرارية المستقبلية للمنظومة الجديدة. وإذ كان العنوان الكبير للحملة الانتخابية للرئيس قيس سعيّد هو البناء والتشييد، فإنه يختزل بوضوح مستوى تطلعات المواطنين إلى نقلة نوعية ملموسة في معيشهم اليومي.
كان العنوان الكبير لحدث 25 يوليو 2021 هو الانتقال السياسيّ وقد حصل ذلك فعلًا، وصار العنوان الكبير لحدث 6 أكتوبر 2025 هو الانتقال الاقتصاديّ والاجتماعي، وهو ما سيحصل إن تظافرت الهمم والعوامل والوسائل، لتعالج جذريًا كم الأزمات المتراكمة.
المشهد الوطني في تونس
إنّ ما يطلبه المواطنون من مرحلة البناء والتشييد هو نظام اجتماعيّ مضاد للتهميش والاقصاء، تتعهد به دولة عادلة، هو بنية أساسية صحية تعوّض النسيج المهترئ للمؤسسات الاستشفائية التي لم تتجدد. هو منظومة نقل عموميّ ملائم كمًا ونوعًا، هو منظومة تعليمية عصرية تدمج أبناءهم في عالم التطورات التكنولوجية المتسارعة، هو مشاريع كبرى في القطاعين العام والخاص، تخلق الثورة وفرص العمل، هو ملاءمة أكثر من ضرورية بين حقيقة الدخل وحقيقة الاسعار، هو في الجملة مجموعة من الإصلاحات الجوهرية التي تحقق النمو وتكرس السيادة الوطنية الفعلية بالتعويل على الذات وترشيد المديونية.
واضح هنا أنّ أمام الرئيس المنتخب تحديات كبرى غير هينة إن لم نقل إنها أكثر صعوبة من التحديات السابقة. ووسط أجواء تفاؤل بذهاب الوضع في تونس إلى مزيد من الهدوء والاستقرار، يتطلع الرأي العام إلى تبلور هذه المهمات المستقبلية بوضوح في أجندة العمل الحكوميّ للفترة المقبلة، خصوصًا وأنّ ترتيب البيت قد تم فعلًا وقبل الاستحقاق الانتخابيّ، عبر تعيين رئيس حكومة جديد ووزراء جدد، فضلًا عن تجديد تركيبة الولاة في كل المحافظات.
عدا ذلك يبدو المشهد الوطنيّ في تونس الآن أكثر قابلية لفهم التغيرات التي تكرست في الواقع بتزكية شعبية، بل هو أبعد الآن عما شهدته البلاد من محاولات إرباك وتشكيك اصطدمت بجدار متماسك عنوانه القطع مع سنوات الضياع والفوضى وتشتت الحكم. قال الشعب كلمته، وقرر الذهاب بعيدًا مع مسار اختاره بنفسه، وتوضح للجميع أنّ إنجاز 25 يوليو لم يكن حدثا ظرفيًا، بل علامة انتقال تاريخيّ قرر الشعب أن تنفّذه الدولة.