hamburger
userProfile
scrollTop

منطقة القطب الشمالي.. نقطة الصراع المقبلة

 الولايات المتحدة لا تخفي اهتمامها بالقطب الشمالي (رويترز)
الولايات المتحدة لا تخفي اهتمامها بالقطب الشمالي (رويترز)
verticalLine
fontSize

قبل بدء العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا، كانت منطقة القطب الشمالي، تعد هادئة نسبياً، على الرغم من الخلفية الجيوسياسية التي تحكمها، والتي وبنفس الوقت منعتها من أن تصبح ساحة مواجهة بين القوى العظمى.

على الرغم من أن القطب الشمالي يحظى باهتمام أقل من المراقبين والمعلقين مقارنة بمناطق أخرى من العالم، إلا أن النظام الجيوسياسي المتغير ليس له تأثير أقل عليه، تاريخياً، لم تشعر المنطقة بأي ضغوط جيوسياسية بسبب الظروف المناخية القاسية، والكثافة السكانية الصغيرة والمنخفضة، وموقعها الجغرافي على هامش الأحداث العالمية، ومع ذلك، أظهرت الحرب العالمية الثانية الأهمية الكبيرة لمنطقة القطب الشمالي وسط تجدد صراع القوى العظمى وظهور تقنيات النقل الحديثة وسلاسل توريد السلع العالمية.

صراع القطب الشمالي 

وفي أميركا الشمالية، اضطرت كندا والولايات المتحدة إلى تعزيز روابط النقل ومراقبة أراضيهما القطبية في مواجهة التعديات اليابانية على جزر ألوشيان المجاورة لألاسكا، وفي شمال الأطلسي، أصبحت غرينلاند وأيسلندا دولتي عبور رئيسيتين لقوات الحلفاء والطائرات ونقل البضائع إلى أوروبا؛ كما تم إنشاء قواعد دورية هناك لإبعاد الغواصات الألمانية عن المحيط الأطلسي.

أما بالنسبة للاتحاد السوفياتي، فأصبح طريق بحر الشمال حلقة في سلسلة إمدادات الحلفاء من الغذاء والمعدات إلى ميناء مورمانسك وكان بمثابة "طريق حياة" مهم بشكل أساسي في سياق الرغبة في منع "الغزو النازي – ألمانيا وحلفاؤها".

والآن، نجد أن هناك زيادة في التوتر في القطب الشمالي، وهو نتيجة للصراع الجيوسياسي المستمر للولايات المتحدة للحفاظ على موقعها المهيمن في العالم، فضلاً عن صراع الأهداف الاستراتيجية وأهداف القوى العظمى في المنطقة، لكن على الرغم من إدراك أن الموقع الجغرافي لروسيا وخبرتها الواسعة في القتال في درجات حرارة منخفضة تضعها في وضع أكثر فائدة، فإن أميركا وكندا وممثلي الناتو الآخرين يواصلون الاستعداد للصراع العسكري في القطب الشمالي، انطلاقاً من الحفاظ على ثرواتهم الهائلة في هذه المنطقة.

بالنسبة للولايات المتحدة، فهي لا تخفي اهتمامها بالقطب الشمالي، الذي تحول إلى مكان للتنافس الجيوسياسي والجغرافي الاقتصادي الشديد، والذي يتكشف في 3 مجالات مهمة: الصراع على الهيمنة في المنطقة، واستخدام طريق بحر الشمال والطريق البحري، وكذلك تنمية الموارد المحلية، وكانت النتيجة المباشرة لذلك هي المراقبة المستمرة للوضع الحالي في المنطقة ووضع الخيارات المناسبة للاستجابة له، وفي هذا الصدد، على مدى السنوات الخمس الماضية، تم إنشاء 3 نسخ من استراتيجية الولايات المتحدة في القطب الشمالي - في 2019 و2021 و2024، وأخذت كل منها في الاعتبار الوضع الدولي الحالي في أقصى الشمال.

الأهداف والغايات الأميركية

بالتالي، إن الأهداف والغايات الرئيسية في الاستراتيجية تظل دون تغيير، حيث تخطط الولايات المتحدة للحفاظ على القيادة العالمية، ولا ينبغي أن يكون القطب الشمالي استثناءً، إذ يُقترح رفع العلم والضغط على القوى المتنافسة، وهو ما يوصى به باستمرار لتعزيز تجمع القوات المسلحة الروسية في اتجاه القطب الشمالي.

وينطلق الفكر الأميركي في الإطباق على منطقة القطب الشمالي من حقيقة تحقيق قضايا تعزيز البنية التحتية وتحسين المراقبة والاستجابة في منطقة القطب الشمالي، ومن أجل إظهار قابلية التشغيل البيني والاستعداد القتالي ودعم "عمليات استعراض القوة العالمية"، تعتزم الولايات المتحدة إجراء تدريبات في القطب الشمالي بمفردها ومع حلفائها، وفي الحالة الأخيرة، سيتم تنظيم التفاعل "مع السلطات على المستوى الفيدرالي والمحلي ومستوى الولايات والقبائل والمجتمعات في ألاسكا، وكذلك مع الصناعة".

ومن خلال خطوات عسكرية استراتيجية منسقة، تعمل الولايات المتحدة على تهيئة الظروف المواتية لبقاء أسطولها لفترة طويلة في منطقة القطب الشمالي، بالإضافة إلى ذلك، هناك اتجاه متزايد لنشر أنظمة الدفاع الصاروخي البحرية، مما يؤدي إلى زيادة القدرة على اعتراض الصواريخ الباليستية الروسية وتعزيز قدرات الضربة الوقائية.

وهذا يشير إلى أن كل هذه التغييرات في منطقة القطب الشمالي وما حولها أُخذت بعين الاعتبار في استراتيجية السياسة الخارجية الروسية، وهو ما ينعكس في مفهوم السياسة الخارجية للاتحاد الروسي لعام 2023 وفي "أساسيات سياسة الدولة للاتحاد الروسي" في القطب الشمالي للفترة حتى عام 2035"، والذي يصفها بأنها ثاني أهم أولوية للسياسة الخارجية للدولة، بالتالي إن الاتحاد الروسي يسعى جاهداً في القطب الشمالي إلى:

  • الحفاظ على السلام والاستقرار، وزيادة الاستدامة البيئية، وتقليل مستوى التهديدات للأمن القومي.
  • ضمان الظروف الدولية المواتية للتنمية الاجتماعية والاقتصادية لمنطقة القطب الشمالي للاتحاد الروسي (بما في ذلك حماية الموطن الأصلي وطريقة الحياة التقليدية لأولئك الذين يعيشون في هذه المنطقة من الشعوب الأصلية).
  • تطوير طريق بحر الشمال باعتباره شريان نقل وطني تنافسي مع إمكانية استخدامه دولياً للنقل بين أوروبا وآسيا.

أسباب اقتصادية

إلا أن ثمة أسباباً اقتصادية وراء الاهتمام الغربي في هذه المنطقة وأهمها، غنى المنطقة بالموارد الطبيعية، بالتالي، إن التغيرات التي طرأت على مدى الأعوام العشرين الماضية، مثل تأثير تغير المناخ، وارتفاع أسعار الموارد الطبيعية، والمسوحات الجيولوجية التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة النطاق والتي أشارت إلى احتياطيات محتملة ضخمة، جعلت من القطب الشمالي منطقة جذابة بالنسبة لبلدان خارج المناطق القطبية، على سبيل المثال وفي دراسة قديمة بعض الشيء (2009) إن القطب الشمالي يضم 83 مليار برميل من النفط و44 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، كما أن الاحتياطيات المتوقعة تقع على أعماق أقل من 500 متر، ولكن هذه الاحتياطيات المحتملة من المرجح أن تقع تحت الولاية القضائية غير المتنازع عليها لدولة جزيرة أو أخرى في المحيط المتجمد الشمالي، ما يبين السبب المباشر في تدهور العلاقات بين دول القطب.

من هنا، أصبحت منطقة القطب الشمالي اليوم هي الأولوية والأكثر أهمية، ونتيجة لذلك، ما كان خامداً في أعوام سابقة سيشتعل في المستقبل القريب، وكل المؤشرات تشير إلى أن هذه المنطقة ستكون نقطة الصراع التالية، وما المناورات العسكرية التي نشهدها في العديد من الدول الغربية وكذلك الاتحاد الروسي إلا مقدمات حول ذلك، وبنفس الوقت لتقديم اختبارات تنافسية قد تؤخر هذا الأمر لكنها بكل تأكيد لن تلغيه.