المغرب بلد المفارقات، فهو الذي يتصف بحضارة انفتاح على مر العصور، كما أنه اليوم ينتهج في المجال الديني سياسة الوسطية والانفتاح والتعايش السلمي، ويعرف أيضا دينامية اجتماعية متميزة قادرة على استيعاب مظاهر التحديث وتدبير التنوع والاختلاف، لكنه في نفس الوقت مصدر الكثير من المتطرفين الذين ينشطون ليس فقط داخل البلد بل خارجه أيضا، فقد تبين أن بعض عناصر المجموعات المسلحة في سوريا مثلا هم مغاربة، كما أن الكثير من المنتمين إلى تيارات الغلو السلفي والإخواني في البلدان الغربية مغاربة، وقام بعضهم بأعمال إرهابية خطيرة، فكيف نفسر أن يكون المغرب بلدا آمنا مستقرا يروج للاعتدال والسماحة والتدين الوسطي، وفي نفس الوقت يعتبر مشتلا للمتطرفين ؟ في الواقع هناك عدة عوامل يمكن إيرادها موجزة فيما يلي:
- أن بعض الاختيارات السياسية ـ التربوية والإعلامية ـ خاصة منذ نهاية السبعينيات، أدت في ظل ضغط اليسار الراديكالي آنذاك، إلى اعتماد نموذج ديني مستورد وقائم على نزعة حرفية تتعارض مع فلسفة وخصائص الدولة الحديثة والمجتمع العصري، مما أدى بعد عقدين من الزمن إلى ظهور تيار ديني مغربي يغلب عليه التطرف والعنف، وجعل بالتدريج نموذج التديّن المستورد يحتل مكان الإسلام الشعبي المغربي الأصيل، والإسلام الصوفي الروحاني، اللذين يتصفان بالمرونة والقدرة على الملاءمة والتأويل من أجل التوافق مع مستجدات العصر.
- رغم أن الدولة في عهد الملك محمد السادس حاولت تطويق بؤر التطرف التي انتعشت في العهد السابق، (خصوصا بعد الأحداث الإرهابية الخطيرة التي شهدتها الدار البيضاء سنة 2003)، إلا أن إعطاء رخصة العمل في ظل الشرعية لحزب "العدالة والتنمية" الإخواني في نهاية حكم الملك الحسن الثاني (1997)، وكذا تزايد أعداد المدارس السلفية الوهابية في المدن الكبرى، واختراق تيار الإسلام السياسي للعديد من المؤسسات الدينية للدولة مثل المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية الجهوية والمحلية، إضافة إلى توسع النشاط الاستقطابي للتنظيمات الراديكالية في المدارس والجامعات، بسبب تحول الكثير من رجال ونساء التعليم من الإيديولوجيا اليسارية إلى الإيديولوجيا الدينية المتشدّدة، كل هذه العوامل جعلت إرادة الدولة في "إعادة هيكلة الحقل الديني" تصطدم بعقبات كثيرة.
- عدم نجاح الحكومات المتعاقبة في تحجيم نسبة الفقر وتدارك الأزمات الاجتماعية التي عرفت تصاعدا بسبب بؤر التوتر العالمية التي خلقت موجة غلاء كبيرة وأنهكت الفئات الهشة، علاوة على تزايد البطالة في صفوف الشباب وشيوع الإحباط والرغبة في الهجرة، هذه الأوضاع خلقت المناخ الملائم لتفشي التطرف الديني داخل الأحياء الشعبية في المدن الكبرى خاصة، باعتباره نوعا من "البديل المخلّص" الذي يمنح العزاء النفسي ويؤطر الاحتقان ضدّ الدولة.
- الانتشار الواسع للإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي التي منحت الجميع الحق في الكلام والتعبير، مما جعل تيارات التطرف الديني تتجه بشكل كثيف نحو هذه الوسائل التقنية الحديثة التي تدخل البيوت دون استئذان وتخاطب الأطفال والنساء ومواطنين من كل الأعمار والفئات الاجتماعية. هذا دون أن ننسى بأن هذه التقنيات الحديثة لعبت دورا عكسيا أيضا، حيث كشفت عن الكثير من أعطاب الخطاب الديني المتشدّد، والتي لم يكن غالبية الناس يعرفونها.
- اعتماد مقاربة أمنية ناجحة في المغرب أدى إلى تحجيم التطرف تنظيميا، كمثل تفكيك الخلايا الإرهابية بشكل احترافي دقيق صارت له شهرة عالمية، لكن هذه المقاربة الأمنية إذا كانت تحول دون وقوع أعمال تخريبية تلحق الضرر بالمؤسسات أو الأفراد، إلا أنها لا توقف مسلسل الاستقطاب الذي يستهدف الأفراد، مما يقتضي إرفاق هذه الجهود الأمنية بجهود تربوية وتحسيسية يومية، تعيد الاعتبار للتدين المغربي القائم على ملاءمة عقلانية بين النصوص الدينية وتطورات الواقع الاجتماعي، وتعمل على خلق توازن يومي بين التحديث التقني للبنيات المادية وتغيير العقليات وتأطيرها بوعي مواطن ومدني ديمقراطي.
وفي هذا الصدد يمكن التذكير ببعض الخطوات والقرارات الرسمية الساعية إلى التقليص من ظاهرة الغلو الإيديولوجي باسم الدين، ومن ذلك الخطاب الذي ألقاه الملك محمد السادس سنة 2016 ، والذي دعا فيه إلى مراجعة مضامين وبرامج التربية الدينية وتطهيرها من بقايا التطرف والغلو السلفي، وكذلك مبادرة "الرابطة المحمدية للعلماء" التي تضم فقهاء دين يعتمدون نهجا اجتهاديا منفتحا، هذه المبادرة المتمثلة في محاورة السلفيين الجهاديين داخل السجون وإقناعهم بالعدول عن مواقفهم المتطرفة. دون أن ننسى ما أقره "النموذج التنموي الجديد" الصادر سنة 2023 من ضرورة جعل درس التربية الإسلامية في خدمة "التربية على المواطنة".