عاشت دول المنطقة والعالم خلال 12 يومًا ساعات مجنونة بكل ما للكلمة من معنى، وهي فترة الصراع المحتدم بين إسرائيل وإيران، والذي شكّل كابوسًا حقيقيًا على مستوى الشرق الأوسط بأسره.
صراع مدوٍّ على حافة الانفجار
فعليًا، بلغ منسوب التوتر في الخليج والشرق الأوسط خلال الساعات الثماني والأربعين الأخيرة من هذا الصراع مستوى خطيرًا وغير مسبوق منذ أعوام، وذلك عقب استهداف القوات الأميركية للمنشآت النووية الإيرانية، وردّ إيران بقصف قاعدة العديد في دولة قطر.
ويمكن القول إن هذا التصعيد المزدوج، وما تبعه من ارتدادات سياسية وإعلامية وأمنية، زاد من حدة التوتر بشكل دراماتيكي، وجعل شبح الانفجار يُخيّم على أرجاء المنطقة، في مشهد يُنذر بتحوّلات كبرى قد تطال ليس فقط معادلات الأمن والاستقرار الإقليمي، بل بنية النظام الدولي برمّته.
والواقع أن هذا التصعيد، وإن كان متوقعًا في سياق تطوّر الأحداث خلال الأسابيع الماضية، إلا أنه صدم العالم ودول المنطقة على حدّ سواء. فاستهداف المنشآت النووية الإيرانية من قبل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب شكّل تطورًا نوعيًا بحد ذاته، لكن توقيته الحرج وطبيعته المفاجئة جعلا المجتمع الدولي يقف على قدمٍ واحدة، مترقبًا لما سيلي.
غير أن المفاجأة الأكبر، بحسب تقديرات العديد من العواصم، جاءت من الردّ الإيراني نفسه، الذي لم يُوجَّه إلى القواعد الأميركية في العراق أو سوريا كما كان متوقعًا، بل استهدف قاعدة العديد في قطر، الدولة الخليجية القريبة التي تجمعها بطهران علاقات سياسية واقتصادية متوازنة. وهي الدولة التي عبّرت خلال الفترة الماضية عن مواقف معتدلة تجاه الملفات الإقليمية، ووقفت إلى حدّ بعيد إلى جانب إيران في مواجهتها المفتوحة مع إسرائيل، سواء عبر المنابر السياسية أو من خلال الإعلام والدبلوماسية.
الخليج صوت العقل.. والمسؤولية
في الساعات الماضية عاد الهدوء الحذر إلى المنطقة، وذلك بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقفًا لإطلاق النار "قبِل به الطرفان". وعمليًا، مع هذا الإعلان، توقفت الصواريخ والاستهدافات، وفتحت الأجواء تدريجيًا وغادرت المنطقة مناخ الحرب، لتدخل – وإن بحذر شديد – أجواء سلام نسبي.
ومع انتهاء هذا الصراع مرحليًا، لا بد من التوقف مليًّا عند الدور المميز الذي لعبته دول الخليج خلال هذه الأزمة، من خلال احتواء التوتر، وتغليب منطق الحكمة على منطق المواجهة. لقد أثبت القادة الخليجيون مرة أخرى أنهم "الأمناء" على الأمن والاستقرار في هذه المنطقة، عبر دورهم المسؤول والحريص، ليس فقط على أمنهم الذاتي، بل على استقرار وأمن العالم أيضًا، من خلال ضبط النفس، وتكثيف الاتصالات الدولية، والعمل خلف الكواليس لمنع تفجّر الوضع.
اليوم، وبعد انتهاء حفلة الجنون هذه، يجب أن تُرفع القبعات احترامًا وتقديراً للدول الخليجية وقادتها الشجعان، الذين تحمّلوا مسؤولياتهم واتخذوا موقفًا تاريخيًا واضحًا، قالوا فيه – منذ اللحظة الأولى للصراع – وبصوت عالٍ وجازم: "لا للحرب… نعم للسلام". قالوا ذلك بصدق، وبقوة، وبحسّ عالٍ من المسؤولية، في وقت كانت فيه المنطقة تنزلق نحو أتون حرب مدمّرة، لو اشتعلت، لكانت التهمت طموحات وأحلام شعوب المنطقة، والتي لا أساس لها سوى الأمن والاستقرار.
لحظة مصارحة.. ومسؤولية جماعية
وفي هذا السياق، أرى أن من الأولويات القصوى اليوم أن تُصبّ كافة الجهود نحو تقييم منطقي وشفاف لما عانته المنطقة خلال هذا الصراع، والعمل يدًا بيد، وبقلوب مفتوحة، نحو اتخاذ خطوات ملموسة لضمان عدم تكرار هذا السيناريو. فالمرحلة لا تحتمل الشعارات الرنانة ولا الخطابات الجوفاء، بل تحتاج إلى لحظة مصارحة ومراجعة يكون البوصلة فيها مصلحة شعوب المنطقة وتطلعاتها.
هذه المصارحة يجب أن تبدأ من إسرائيل التي كانت البادئة بهذا التصعيد. فعلى قيادتها أن تقتنع بأن السلام في هذه المنطقة لا يُفرض بالقوة والحروب، بل يُبنى على الانفتاح الحقيقي والصادق تجاه دول الجوار، بعيدًا عن منطق العنف والدمار، وعليها أن تقول كما قال الخليجيون: "لا للحرب.. نعم للسلام".
أما إيران، الطرف الآخر في هذه الحرب، فعليها أن تدرك أن أمن المنطقة يجب أن يكون مقدسًا، وأن البرامج النووية، والصواريخ الباليستية، والميليشيات لا تجلب استقرارًا ولا تصنع احترامًا دوليًا. فالمفتاح الحقيقي لازدهار إيران هو التنمية والتعاون الإقليمي، الذي لا يتحقق إلا بالسلم وحسن الجوار. لذلك، عليها أن تقول هي أيضًا: "لا للحرب.. نعم للسلام".
أما الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، فعليها أن تتيقّن من أن استقرار الخليج خط أحمر، وأن هذه المنطقة ليست فقط عنصرًا حيويًا في معادلة الأمن العالمي، بل هي أيضًا مفتاح لمستقبل أفضل، بفضل ما تمثّله بعض دولها من نماذج تنموية حديثة. وعلى إدارة الرئيس ترامب أن تتحمّل مسؤولياتها كقوة عظمى، وكحليف إستراتيجي لدول الخليج، في دعم هذا النموذج وترسيخ الأمن، وأن ترفع هي الأخرى صوتها قائلة: "لا للحرب.. نعم للسلام".
إن هذه الحرب العبثية التي لم تخلّف سوى الدمار وعدم الاستقرار، يجب أن تكون جرس إنذار للجميع. فالمنطقة بحاجة إلى إعادة ترتيب أولوياتها، وإعلاء صوت العقل والحكمة. فإذا اندلعت حرب جديدة، فإنها لن تكون نزهة لأحد، بل ستكون نارًا تأتي على ما تبقّى من استقرار هشّ، وتدفع الشعوب ثمنًا باهظًا من أمنها واقتصادها ومستقبلها.
لذلك، اليوم وأكثر من أي وقت مضى، على جميع الأطراف في هذه المنطقة أن يرفعوا صوتهم عاليًا ويقولوا – كما قال قادة الخليج : "لا للحرب.. نعم للسلام".