كانت مجرد تصفيات أوروبية مؤهِّلة إلى كأس العالم لكرة القدم، لم تعطِ أي مؤشر واضح على هوية طرف قادر حتما على ولوج النقطة الأعلى من منصة التتويج في صيف 2026 عندما تتحول الولايات المتحدة وكندا والمكسيك عواصم متحدة للرياضة الأكثر شعبية في العالم، أمر منطقي ومسلّم به.
وعندما يدعي البعض بأنّ منتخبات إسبانيا وإنجلترا وفرنسا وربما ألمانيا وهولندا والبرتغال مرشحة للتتويج، فإن ذلك يدخل من باب "فولكلور المونديال"، بخلاف من يتمعّن في دقائق الأمور ويعي بأن ما يقال لا يجد أرضية صلبة لـ"تطبيق أكيد".
سقوط مريع
ألمانيا قدمت تصفيات سيئة، قد تكون الأسوأ على الإطلاق، دشّنتها بسقوط مريع أمام سلوفاكيا بهدفين مع أداء مخجل، قبل أن تنجو من كمائن عدة.
افتقدت إلى نجمها الأول جمال موسيالا المصاب، غير أنها ما اعتمدت يوما على لاعب.
مبدأ راسخ في "المدرسة الألمانية"، في المباراة الأخيرة أمام سلوفاكيا نفسها، ارتدت "الماكينات" زيا مختلفا عما سبق وقدمت أداء جعل كثيرين يمعنون النظر للتثبت من أنها حقا ألمانيا.
أداء بدا لائقا بمنتخب مرشح لاعتلاء منصة تتويج. فوز بسداسية أعاد إحياء الآمال الميّتة لدى العشاق.
هل "عادت" ألمانيا أم كان ذلك مجرد "فورة بطل" أراد تفادي الذهاب إلى ملحق "مخجل"؟
فرنسا تبقى "جميلة" بفضل تواجد صف ثانٍ وثالثٍ ورابعٍ من النجوم.
ستغلب الحيرة على المدرب ديدييه ديشان لدى الاختيار، محظوظ لكن في الأمر مسؤولية كبرى.
الفشل ممنوع هذه المرة خصوصا أن ديشان، ومنذ توليه دفة قيادة "الديوك" في 2012، حقق لقبا كبيرا واحدا تمثل في كأس العالم 2018 فضلا عن دوري الأمم الأوروبية 2021، كما بلغ نهائي مونديال 2022 ونهائي بطولة أوروبا 2016.
سجل ثقيل لكن المدرب مطالب بأكثر من ذلك، لمَ لا وهو يملك بين يديه كما هائلا من اللاعبين؟
وطالما أنه فشل غير مرة، تحديدا في الـ"يورو" الأخير رغم التشكيلة الوازنة، فإن هذه التصفيات لا يمكن أن تمثل سوى محطة عابرة قبل الاختبار الجدي الأخير.
مرشح طبيعي
إسبانيا المتوّجة بـ"يورو 2024" تعتبر مرشحة طبيعية لإحراز كأس العالم. لم تعانِ في تصفيات تقدمت فيها على تركيا وجورجيا وبلغاريا لكن مهمة المدرب لويس دي لافونتي تتمثل في إعادة إحياء ثنائية لامين يامال ونيكو ويليامس واستنهاض القوى الأخرى لأن المونديال يحتاج مقاربة أخرى لأن إسبانيا باتت مقروءة من الجميع.
"لا روخا" قابلة للهزيمة، خسرت نهائي دوري الأمم الأوروبية 2025، وإن بركلات الترجيح أمام البرتغال، وعليها ألا تنسى بيان الاتحاد الأوروبي للعبة الذي أقرّ فيه بأنه كان يجدر منح ألمانيا ركلة جزاء في مباراتها أمامها ضمن ربع نهائي "يورو 2024" عندما كانت النتيجة تشير إلى التعادل 1-1.
ركلة جزاء كانت ستضعها على الأرجح خارج بطولة توّجت بلقبها لاحقا.
البرتغال لم تجد صعوبات في مسار حسم المركز الأول والتأهل المباشر غير أن الخسارة أمام أيرلندا في الجولة قبل الأخيرة بهدفين بعد التعادل 2-2 مع المجر في الجولة التي سبقتها جعلت الشك يعود إلى جماهير "برازيل أوروبا".
كريستيانو رونالدو ما زال يستمتع ويسجل، بصم على 5 أهداف في تصفيات نقلته لخوض المونديال السادس (رقم قياسي).
مباراة أخيرة شهدت فوز البرتغال على أرمينيا 1-9 في غياب رونالدو المطرود في اللقاء الذي سبق.
أصوات علت مدّعية بأن البرتغال أفضل في غياب "سي آر 7" قبل أن يؤكد برونو فرنانديز بأن المنتخب يحتاج إلى زميله في كأس العالم.
تصفيات لم تنقل البرتغال من ضفة "المرشح" إلى ضفة "المرشح الاستثنائي".
التغيير الوحيد أن رونالدو سيخوض بطولة الفرصة الأخيرة لانتزاع اللقب الأسمى والسير على خطا الأرجنتيني ليونيل ميسي الذي سبقه في تحقيق المطلوب عام 2022.
تغيير حاسم
ومهما فعلت هولندا، فإنها ستعجز، لا محالة، عن التتويج، قل إنها حقيقة راسخة أو شعور بديهي لدى المتابعين.
هذه المرة لم تُظهر تغييرا حاسما على أدائها، تمنح الشعور بأن ثمة قطعة ناقصة دائما من الصورة المثالية الكلية، وجدت بعض المنافسة من بولندا لكنها حسمت أمرها في النهاية.
إنكلترا عصفت بالتصفيات من خلال 8 انتصارات من 8 مباريات.
سجل لاعبوها 22 هدفاً من دون اهتزاز شباكها، ثمة نتائج هزيلة تحققت أمام منتخبات مغمورة (أرمينيا، صربيا، لاتفيا، أندورا)، لذا لا يمكن اعتبار ما تحقق مؤشرا إيجابيا بالضرورة.
كان من الممكن تفادي المشكلة مع جود بيلينغهام في المباراة الأخيرة حين حذره المدرب الألماني توماس توخيل بعد غضبه عقب الاستبدال أمام ألبانيا.
أوضح توخيل: "لن نغير قرارنا لمجرد أن أحد اللاعبين لوّح بذراعيه"، تصريح علني متسرّع من شأنه أن يفقده غرفة الملابس كونه، في النهاية، أجنبيا بين لاعبين إنكليز.
يبدو توخيل وكأنه وضع التشكيلة النهائية. هناك سبعة إلى 8 أسماء ستخوض، لا محالة، المباراة الأولى في المونديال. لذا، يمكن اعتبار المبالغة في التغيير مجرد مضيعة للوقت. قد تكون محاولة منه للقول "الأمر لي".
المنتخب جيد، لكن لا مانع من تكرار السيناريوهات المحبطة التي عاشها عهد سلفه غاريث ساوثغيت.
تأهل دراماتيكي لإسكتلندا بعد انتظار دام 28 سنة، هزمت الدنمارك 2-4 في المباراة الأخيرة وانتزعت منها الصدارة، هدف سكوت ماكتوميناي خرافي، هدف التصفيات، ربما أجمل من هدف رونالدو في مرمى يوفنتوس الإيطالي.
عمل كبير
إيطاليا خرجت من الدور الأول في مونديالَي 2010 و2014 وفشلت في التأهل إلى نسختي 2018 و2022، بقيت وفية لعاداتها بعدما تحولت إلى ملحق مونديال 2026، هذه المرة.
كانت المباراة الأخيرة أمام النروج في ميلانو مناسبة يُشكر عليها القدر الذي كشف العمل الكبير الذي ينتظر المدرب جينارو غاتوزو.
خسارة بنتيجة 4-1 تؤكد بأن الـ"آتزوري" ما زال حيث كان، وما التتويج بـ"يورو 2020" سوى استثناء، على نحو ما قال المدرب القدير أريغو ساكي، قبل سنوات.
أندية إيطاليا تعاني أوروبيا، بنى تحتية سيئة، شح كبير في النجوم، عدم قدرة على استعادة الهوية، هل يحمل غاتوزو بذور الإنقاذ؟ من هو كمدرب؟
لا ضغوطات على الطليان في المباراة الأخيرة أمام النروج، كان كل شيء واضحا، بمعنى أن إيطاليا ذاهبة ذاهبة إلى الملحق، حتى من دون هذا الضغط، عجز الفريق عن التركيز.
النرويج تضم عددا هائلا من المواهب، تلعب بثقة، الوحيدة التي فازت بمبارياتها كافة في التصفيات مع إنجلترا، فارق الأهداف +32 مقابل +9 لوصيفتها إيطاليا التي سحقتها ذهابا بثلاثية نظيفة وإيابا 1-4.
ليست فقط إيرلينغ هالاند، هناك مارتن أوديغارد، ألكسندر سورلوت، يورغن لارسن، يوليان رييرسون، ثيلونيوس آسغارد، أنتونيو نوسا وغيرهم.
قد يكون انفجار النروج الحقيقة الوحيدة في التصفيات لأنه جاء بما هو جديد، لدرجة أن البعض تجرأ على ترشيحها للتتويج بكأس العالم 2026.