hamburger
userProfile
scrollTop

المرأة المغربية في يومها.. بأي حال عدتَ يا عيدُ؟

نسبة العنف الممارس ضد النساء المغربيات في الحياة الزوجية ما زالت مرتفعة
نسبة العنف الممارس ضد النساء المغربيات في الحياة الزوجية ما زالت مرتفعة
verticalLine
fontSize

خلافا لما يُعتقد عادة، ليس يوم 8 مارس يوما للاحتفال، بل هو بالدرجة الأولى يوم نضالي ولحظة مؤلمة تسمح لنا باستحضار جميع أشكال الحيف والظلم وأنواع الخيبة والانكسار التي عرفتها القضية النسوية في البلدان التي تعاني من التخلف، والتي لم تشهد تطورا كبيرا رغم أهمية الطموحات والجهود التي عكستها السنوات الأخيرة، حيث ما زالت النساء تلاقين كل أنواع المعاملة الماسّة بالكرامة، في مجتمع يطبعه التمييز والعنف الرمزي والمادي ضدّ المرأة، سواء داخل الأسرة أو في الشارع أو داخل المؤسسات، وحيث الرجل ما زال يُعتبر مفضّلا يحظى بامتياز يمنحه إياه الفكر الديني والتقاليد الاجتماعية والمنظومة التربوية المتناقضة.

منذ عقود تطورت بشكل ملحوظ وعلى مستوى كوني اخترق كل المجتمعات، الرؤية والخطاب والأنشطة النسوية التي رغم تنوعها ظلت تلتقي عند هدف مشترك هو حصول النساء على حقوقهن المشروعة في إطار المساواة التامة بالرجال، كما تنصّ على ذلك المرجعية الدولية لحقوق الإنسان.

وبالنسبة للمغرب تعكس مدونة الأسرة في وضعيتها المعدلة سنة 2004 خلاصة المكاسب المحدودة والهشة التي حصلت عليها المرأة المغربية بعد نضالات مريرة، حيث ما زالت هذه المدونة تكرس العديد من تقاليد الميز بين الجنسين، على الرغم من أن المغرب وقّع وصادق على الاتفاقية الدولية المناهضة لكل أشكال التمييز ضدّ النساء منذ سنة 1993، وكذلك على العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقات منظمة العمل الدولية، ولهذا يعود النقاش محتدما هذه الأيام ونحن في سنة 2023، بعد 18 سنة من التعديل الأخير للمدونة، حيث تطالب الحركات النسائية مجددا بمراجعة جديدة بعد أن دعا إليها الملك محمد السادس نفسه في خطاب العرش الأخير صيف العام المنصرم.

غير أن هذا التمييز القانوني ليس إلا أحد المظاهر البارزة للأبارتايد الذكوري الممارس على النساء، فإذا نحن قمنا بحصيلة دقيقة للتحولات التي طالت علاقة الرجل بالمرأة سواء داخل الأسرة أو في العمل والحياة العامة، فسنلمس وجود وضعية مفارقة، حيث تتزايد القيمة المادية النفعية للمرأة العاملة في مقابل استمرار قيم التمييز والتعامل التحقيري لها رغم كونها إنسانة ومواطنة عاملة ومُنتجة، كما أن مظاهر العنف الممارس عليها ما زالت ظاهرة للعيان، سواء العنف اللفظي أو الجسدي، وهو ما يولد آثارا نفسية وذهنية يصعب زوالها، مما يجعل أغلبية النساء تعشن وضعية تطبعها الهشاشة وانعدام الثقة والأمن، وهو ما انعكس سلبا على ترتيب المغرب الذي يحتل الرتبة 136 من بين 148 دولة، وهو ترتيب مُخجل في مجال تكافؤ الفرص بين الرجال والنساء.

ويكمن وراء هذه الرتبة السلبية الكثير من مظاهر العنف المتزايد في مجتمع تطبعه المحافظة على المستويات كافة، كما يتخذ فيه الفقر والبطالة طابعا نسويا أكثر فأكثر. فما زالت المساواة في الأجور بين الرجال والنساء بعيدة المنال في عدد من المجالات، وعدد النساء التي يتوفين خلال الوضع ما زال مرتفعا، و كذلك نسبة الأمية في صفوف النساء، و تقول الإحصائيات إن نسبة النساء العاملات في القطاع المهيكل لا يتعدى 22.7%، مقابل 65.5% من الرجال، وهن نساء ينال معظمهن في القطاع الخاص أجورا أقل من أجور الرجال رغم أنهن يقمن بنفس العمل.

كما تقول الإحصائيات أيضا إن سنة 2021 شهدت تزويج 19369 طفلة من القاصرات بعد أن انخفض الرقم خلال سنة 2020 بسبب وباء كوفيد 19 والحجر الصحي، وهن طفلات حُرمن من التعليم بسبب الزواج المبكر، مما يزيد من نسبة الأمية والفقر في صفوف النساء.

كما تشير إحصائيات جديدة إلى أن نسبة العنف الممارس ضد النساء المغربيات في الحياة الزوجية ما زالت مرتفعة حيث سجلت سنة 2022 نسبة 56%. وما زالت النساء المغربيات لا تملكن الولاية على أبنائهن مما يؤدي إلى إلحاق الضرر بحقوق الأطفال في حالة الانفصال أو الطلاق، كما تعانين من حيف كبير في توزيع الميراث.

وتدلّ كل هذه المعطيات والأرقام على أن المغرب ما زال بعيدا عن إقرار المساواة الفعلية بين الجنسين وضمان الحقوق الأساسية للنساء كما هي متعارف عليها دوليا. ورغم أن بعض النساء استطعن غزو المجال العمومي الذي ظلّ حتى أمد قريب مقتصرا على الرجال كمجالات المقاولة والبرلمان والحكومة والمجالس المنتخبة بنسبة 24%، إلا أن حضورهن ما زال لا ينظر إليه كحضور مشروع وطبيعي، وما زالت أحكام القيمة والنظرة التنقيصية والشتائم ذات الإيحاءات الجنسية تلاحق النساء كل يوم في المجالين الحضري والقروي على السواء.

وكل امرأة تجرأت على الظهور و تأكيد الذات ينظر إليها كما لو أنها إباحية، حيث تحاكم المرأة النشيطة في المجتمع انطلاقا من مظهرها لا على أساس مردوديتها، وخلافا لما قد يُعتقد فالتمدّن ومظاهر التحديث المادي لا تساهم دائما في تحسين وضعية المرأة، بل إننا في بعض الأحيان نلمس بعض التراجعات التي تعود إلى عوامل عدة، منها ضياع القيم و تأزم الأسرة و انفجارها إضافة إلى الأصولية الدينية المتطرفة التي أشاعت ثقافة احتقار النساء وتبخيس أدوارهن.

إن المساواة بين المواطنين كافة تفترض هدم جميع التفرقة القائمة على الجنس أو غيره، ومن ثم ما زال أمام المرأة المغربية طريق نضالي طويل لتحقيق المساواة والمناصفة.