على مدى القرون المنصرمة وإلى اليوم ارتبط الوعي الإسلامي بفكرة الوصاية على حياة الآخرين، ما جعله عاجزا عن فهم معنى أن الإيمان "اختيار شخصي حرّ للفرد"، وليس نظاما عاما يفرض نفسه بالقوة والغلبة، ولهذا لم يستطع هذا الوعي الديني التراثي أن يتخلص من عادة المطالبة بالمنع والحظر والمصادرة: منع أعمال أدبية وكتب وموسوعات علمية، ومنع أفلام سينمائية، ومنع مهرجانات وأنشطة فنية، ومنع تنظيمات وإطارات جمعوية، ومنع بيع المشروبات الروحية واستهلاكها، ومنع التبشير بالأديان الأخرى، ومنع قصائد الحب في المقرر الدراسي الأدبي، ومنع الملابس العصرية القصيرة أو الضيقة، وهو يفعل ذلك من منطلق أن الدين "نظام عام" ينبغي أن يكون مفروضا بسلطة الحرس وقوة الدولة، بوصفه مرجعية تؤطر المجتمع ككل. وقد أدى هذا بوضوح إلى تحول الدين من إيمان ومعتقد فردي إلى منظومة قيم مغلقة ثابتة ونهائية تكرسها الجماعة ولا حق للفرد في مساءلتها أو التفكير فيها، بل فقط الامتثال والخضوع لها، وقد عبر هذا المنظور عن أزمة العقل الإسلامي الذي لا يقبل وجود الآخر المختلف، ويجد صعوبة كبيرة في التعامل معه، كما لا يعترف بتعدد المرجعيات واختلاف الانتماءات التي هي حقيقة اجتماعية ناصعة.
ومكمن الخلل في هذا الموقف هو مفهوم "الإيمان" الذي لم يتأثر بالثورات المعرفية والعلمية لعصرنا، ولا بالتحولات العميقة للمجتمعات الإسلامية، حيث ظل يقوم أساسا على نظام "الحسبة" القديم الذي يجعل المؤمن مسؤولا ليس عن نفسه فقط بل عن وضعية الآخرين وإيمانهم أيضا، وهو المبدأ الذي يتميز بمرونة تجعله قابلا للملاءمة مع وضعية المؤمن ضعيفا كان أو في موقع قوة، فـ"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" يمكن أن يكون باليد أو باللسان أو فقط بالقلب، وذلك حسب موقع المؤمن وسياق وجوده ومدى قدرته على الفعل، مما يعني أنّ امتلاك السلطة يلزم عنه حتما السعي إلى فرض الأمر الواقع بقوة السلطة وغلبتها.
المفهوم "السلفي" للإيمان
ومن أخطر نتائج هذا المفهوم "السلفي" للإيمان هو أنه أدّى إلى شرعنة عنف الجماعة في الثقافة الإسلامية، حيث أصبح إلزام الفرد بسلوك ما أو قهره لثنيه عن فعل ما أمرا محمودا لأنه يتمّ لصالح الجماعة المنسجمة ظاهريا، والتي هي في حقيقتها غارقة في التناقضات ومظاهر الاختلاف.
لقد قامت الدولة العصرية بتحرير البشر من وصاية رجال الدين، وكان هذا أعظم إنجازاتها، لأنها جعلت العقل حكما بين البشر، فسمحت للناس أن يعملوا من منطلق المساواة على ترتيب بيتهم الداخلي وتدبير شؤونه من حيث هم أفراد "مواطنون" لا جماعة منسجمة من "المؤمنين"، وهكذا توقف الناس عن السعي إلى ممارسة الوصاية الدينية على بعضهم البعض، وفهموا بأن استقرار حياتهم وتعاونهم على العمل الصالح لا يرتبط بدين أو عقيدة أو عرق أو لون لأنهم قد يختلفون في ذلك كلّه، وإنما على وحدة مصالحهم المشتركة التي تربطهم بالأرض في مجال جيوـ سياسي هو الدولة الوطنية، وعلى جعل الإنسان قيمة عليا وكائنا ذا كرامة يتمتع بالحقوق والحريات الأساسية، ليتمكن من القيام بواجبه كاملا وعلى أحسن وجه.
هكذا استطاع الغربيون حلّ مشاكلهم وافتتاح صفحة جديدة من تاريخ مجتمعاتهم التي أنهكتها الحروب والفتن في القرون الوسطى المظلمة، وهي الخطوة التي لم يستطع المسلمون إنجازها بعدُ لأسباب ثلاثة :
- اعتبارهم الدّين نظاما شموليا للدولة والمجتمع، وهو ما نجم عنه الخلط بين المعتقد الشخصي وتدبير الشأن العام.
- فهمهم لتجارب الشعوب المتقدمة والراقية على أنها تجارب ملازمة لمجتمعات الغير ولا علاقة لها بمجتمعات المسلمين ذات "الخصوصية" المميزة.
- إصرارهم على إسقاط الماضي على الحاضر وإلغاء التاريخ واعتبارهم الدين العامل الديني قادرا على أن يشكل منطلقا لاستعادة الأمجاد الغابرة، بينما التاريخ لا يُعيد نفسه.
لم يستطع المسلمون فيما يخصّ العنصر الأول تحقيق نموذج واحد للدولة العادلة المتقدمة انطلاقا من شمولية المرجعية الدينية خلال القرن الـ20.
كما لم يستطيعوا فيما يخصّ السبب الثاني البرهنة على أنّ الأنظمة الغربية الديمقراطية ليست النماذج الأفضل، ولم يستطيعوا إقناع مجتمعاتهم بصرف النظر عن مكاسب الحياة العصرية.
ولم يوفقوا أيضا بالنسبة للسبب الثالث في بناء وعي إسلامي عصري يضع النصوص الدينية على محكّ الواقع والتاريخ، ويعيد قراءة التراث من منطلق علوم عصرنا وقيمه وحاجاته، وأن يفهموا كيف أن رصيد البشرية الحالي من الحضارة ليس غربيا صرفا بل هو نتاج كل الحضارات السابقة، التي خطت كل واحدة منها خطوة في تاريخ رقي الكائن البشري، لكنها تظلّ خطوة ومرحلة وليست نهاية التاريخ.
يتضح من هذا كله أسباب عنف الخطاب الوعظي الزجري، وأسباب ركون أهل التقليد إلى ثقافة المنع والحظر، فبسبب عجزهم عن توجيه المجتمع ككل، وفشلهم في استيعاب التحولات المتلاحقة لواقعهم، يعمدون إلى الاستنجاد بسلطة الزجر والمنع، كما لو أن الدولة لا تكتسي شرعيتها إلا عبر التدخّل العنيف وتعليب الناس داخل نمط نهائي من القيم الثابتة وكأنهم من "أهل الكهف" أو داخل قمقم مختوم.