يعرف المغرب نقاشًا مستفيضًا حول الصورة والتدوينة في شبكات التواصل الاجتماعي، وهو نقاش يتخذ أحيانًا طابعًا حقوقيًا، وطورًا طابعًا قانونيًا وجنائيًا، من دون أن ننسى الجانب الأخلاقي الذي أصبح يتراجع في النقاش بشكل كبير، ما ينبئ عن تغيّر خطير في منظومة القيم، حيث أصبحت أمور أخرى (خصوصًا منها ما يتعلق بجلب المشاهدين أو الربح المادي) تحظى بالأولوية على حساب المعيار الأخلاقي.
تصيّد المشاهد المثيرة
لقد أصبح انتشار الصورة واختراقها كل الفضاءات من دون تحفّظ، موضع انشغال متزايد في المجالس الخاصة والعامة بالمغرب، فالتطور التقني الكبير للسنوات الأخيرة ـ خصوصًا في صناعة الهواتف الذكية ـ أدى إلى واقع جعل كل المواطنين بمن فيهم الأطفال، مصورين لمشاهد وموثقين لأحداث، وقد أدى هذا إلى صنع واقع جديد يتصف بالخصائص التالية:
- زوال الحواجز بين مستويي الحياة الخاصة والعامة، حيث لم يعد الناس قادرين على تحديد معنى الفضاء العام ومعنى الفضاء الخاص في كثير من الأحيان، بسبب تداخلهما في وسائل التواصل الحديثة (الـ"فيسبوك" مثلًا).
- تزايد الرغبة في تصيّد المشاهد المثيرة، إما بغرض انتقامي أو من أجل الابتزاز أو فقط لاستقطاب الاهتمام. وهكذا تمّ تحويل وظيفة الاختراع التكنولوجي من الانتفاع إلى إلحاق الأذى بالآخرين.
- تراجع الحسّ الإنساني بسبب البحث عن الإثارة وعدم التفكير في الضحايا من المواطنين، إلى درجة أنّ تصوير مشهد انتحار أو عنف وحشي، أصبح أمرًا مطلوبًا لذاته عوض البحث عن إنقاذ الضحية.
وتعكس هذه الظاهرة صورة مجتمع يعاني من تأخر تاريخي، ويعيش على التستر على طابوهاته، حيث تصبح النزعة الفضائحية نوعًا من استعراض المستور بوصفه عيوبًا ومثالب خاصة بالآخرين، وهي طريقة تعويض نفسية تهدف من خلال تلطيخ سمعة الغير إلى ادعاء الطهرية، كما لو أنّ كل واحد يقول "أنظروا إلى فضيحة فلان، أما أنا فبعيد عن هذا المصير، إنني طاهر ونظيف".
إضافة إلى ما ذكرناه تعكس ظاهرة العكوف على تصيّد المشاهد المثيرة وترويجها على أنها فضائح الآخرين، تعكس فراغًا ثقافيًا رهيبًا أدى إليه شيوع ذهنية التنميط المضادة للمعرفة والشفافية والفكر الحي والنقدي، فعوض أن يبتّ المجتمع في عيوبه يجعل منها مناطق مسيّجة خارج متناول النقاش العمومي، ويفضل اعتماد المواقف السكيزوفرينية التي تنتهي بأن تشيع سلوكات النفاق الاجتماعي العائد أصلًا إلى عدم الاعتراف بالفرد وبحقوقه وحرياته الأساسية.
حماية الحياة الخاصة واجب الدولة
ونتيجة ذلك أنّ الناس لا يفهمون كيف تطورت الكثير من جوانب واقعهم، وكيف أنتجت ظواهر جديدة يعيشها الناس من دون أن يفكروا فيها. حيث لا ينتبهون إلى أنّ في ما ما وراء القشرة الخارجية للواقع، تقع تحولات وطفرات لا يشعر بها إلا الباحثون والخبراء المتابعين للظواهر الاجتماعية، بينما لا يشعر بها معظم الناس.
ومن الأمور السلبية أن تتحول مشاهد الإثارة المتعلقة بالحياة الخاصة إلى ذريعة غير مصرح بها للهروب من العمل، حيث ينفق الكثير من الموظفين نسبة مهمة من وقتهم في ترويج الفيديوهات الفضائحية بشكل شبه يومي، فيتبادلون هذا النوع من المشاهد المصورة طوال اليوم من دون انتباه إلى الزمن الذي يقضونه في تلقي وبعث ومشاهدة مثل هذه المنتوجات.
لقد آن الأوان لطرح موضوع الصورة والحياة الخاصة على مشرحة النقاش العمومي والنقد المؤسس، فمن الناحية القانونية يعتبر الدستور أنّ حماية الحياة الخاصة واجب الدولة، غير أن القانون الجنائي يهدم هذه القاعدة، ويبيح للسلطة نفسها حشر أنفها في الحياة الخاصة للأفراد حتى وهم في منازلهم، ما يعني أنّ علينا أن نبدأ بالترسانة القانونية أولًا لتطهيرها من التناقضات، ثم العمل على التحسيس والتوعية بضرورة احترام الحياة الخاصة للأفراد، والتنصيص المفصل في القانون على تجريم استغلال وسائل التكنولوجيا الحديثة في الإيقاع بالناس أو إيذائهم.
لا شك أنّ العالم يعرف تطورًا علميًا مذهلًا، نتجت عنه مخترعات مفيدة للبشرية، لكنّ استعمال تلك المخترعات وتوظيفها يعكس المستوى الحضاري لكل مجتمع، كما يطرح في الوقت نفسه أسئلة وجودية وفلسفية وقانونية وأخلاقية جديدة، تقتضي البت فيها سواء داخل مؤسسات الدولة، أو في المجتمع من خلال النقاش العمومي والحوار الوطني.